أحكام المهر (المعجل والمؤجل ) ومصيره، بعد الحكم بالتفريق القضائي للهجر
المؤلف:
حسن قحطان عبد الأمير صادق
المصدر:
التفريق القضائي للهجر واثره على الاسرة
الجزء والصفحة:
ص 123-125
2026-10-27
16
يُعد المهر في المنظومات القانونية محل المقارنة والشرعية الاسلامية أثراً من آثار عقد الزواج الصحيح، وهو ليس ركناً فيه عند جماهير الفقهاء بل هو حكم شرعي يترتب على العقد، وتأكيداً لقوله تعالى: (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) (1). وفي سياق التفريق القضائي للهجر، يثار التساؤل القانوني والفقهي حول مدى تأثر هذا الحق المالي للزوجة (المهر المعجل والمؤجل) ومدى استحقاق الزوجة لها بالتفريق الذي يوقعه القاضي دفعاً للضرر عن الزوجة المهجورة، خاصة وأن الهجر يمثل تعطيلاً لغايات النكاح الأساسية من سكن ومودة وإحصان. ففي نطاق التشريع العراقي، نظم قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل أحكام التفريق للهجر إذ أعطى للزوجة حق طلب التفريق إذا هجرها زوجها مدة سنتين فأكثر بلا عذر مشروع (2). وعند صدور الحكم بالتفريق استناداً إلى هذا النص، فإن طبيعة هذه الفرقة تكيف قانوناً على أنها طلاق بائن بينونة صغرى، وذلك استناداً لنص المشرع العراقي على ان يعتبر التفريق في هذه الحالات طلاقاً بائناً بينونة صغرى"، وبناءً على هذا التكييف، فإن المهر المُسمّى في العقد يستقر كاملاً في ذمة الزوج إذا كان الهجر قد وقع بعد الدخول الفعلي (الخلوة الصحيحة المستوفية لشروطها )، ولا يسقط منه شيء؛ لأن سبب الفرقة يعود إلى خطأ الزوج وانحراف سلوكه بهجر زوجته (3)، فلا يجوز أن يترتب على خطأه إسقاط حق مالي استقر للزوجة بالدخول، أما بالنسبة للمهر المؤجل (مؤخر الصداق)، فأنه مستحق أصلا إذا كان العقد على وفق أحكام المذهب الجعفري (عند المطالبة او الميسرة) ويستحق حالا بالتفريق اذا كان مستحق بعد مضي (12سنة) كون العلاقة الزوجية قد انتهت بالطلاق فإنه يحل بحكم القانون فور صدور الحكم القضائي بالتفريق وصيرورته باتا وايضا إذا كان الأجل المضروب للمهر المؤجل في العقد (هو حلول أقرب الأجلين: الموت أو الطلاق ) قد تحقق بصدور حكم التفريق الذي يعد طلاقاً بائناً، (وبحسب ما ورد في عقد الزواج ) ويكون من حق الزوجة المطالبة به والزام الزوج بدفعه عبر دوائر التنفيذ (4). فالتفريق القضائي وخصوصا بما يتعلق بالضرر والهجر الحاصل على الزوجة، لا يؤثر على مدى استحقاق الزوجة للمهر، الذي يثبت اصلا بتمام العقد الصحيح، كون ان التقصير لم يكن من جانب الزوجة بنشوزها ، وإنما كان التفريق بسبب نشوز الزوج وهجره دار الزوجية ، فلو كان التفريق بسبب نشوز الزوجة ، لسقط حقها بالمطالبة بالمهر او جزء منه كما نص عليه المشرع العراقي (5).
وكذلك اشار المشرع العراقي في مدونة الفقه الجعفري الى أن المهر يستحق للزوجة بتمام العقد الصحيح، فالمهر في مدونة الفقه الجعفري حق خالص للزوجة (6) ، فالزوج في حال ترك واجبات الزوجية كالمبيت وحق الفراش (المواقعة الواجبة مرة كل أربعة أشهر على الأقل) (7) ، ففي حال الحكم بالتفريق عند امتناع الزوج عن الرجوع وترك هجر زوجته مع رفضه طلاقها، وقيام الحاكم الشرعي بإمهال الزوج وطلب منه ايقاع الطلاق وامتنع، ، وقام الحاكم الشرعي بتطليقها نيابة عنه دفعاً للضرر والشقاق والتزاماً بقاعدة لا ضرر ولا ضرار (8) فهذا الطلاق ، وإن كان يقع بائناً او رجعيا، حسب الاحوال،، فإنه لا يمس حق الزوجة في المهر الثابت مطلقاً؛ لأن المهر ملك للزوجة بمجرد العقد واستقر تمامه بالدخول، وطالما أن الزوجة كانت مستعدة للمطاوعة (التمكين) ولم تكن ناشزاً، بل الزوج هو الذي هجر وترك، فإن المهر يبقى ديناً مستقراً لا ينقص منه شيء، وللزوجة المطالبة بالمهر المؤجل والمعجل، وهذا ما استقر عليه القضاء العراقي قبل وبعد صدور مدونة الفقه الجعفري(9).
أما في القانون المصري، فإن التكييف القانوني للتفريق للهجر يقترب من الفلسفة ذاتها وإن اختلف في المسميات التشريعية؛ حيث يجري التعامل مع الهجر بكونه حالة من حالات التفريق للضرر والغيبة المنصوص عليه في القانون المصري رقم 25 لسنة 1929 المعدل" ، وطبقاً لهذا القانون، فإن هجر الزوج لزوجته وغيابه عنها مدة سنة فأكثر بلا عذر مقبول يخولها طلب التطليق بائنا " (10) . ولما كان هذا التطليق قد استند إلى تضرر الزوجة من مسلك الزوج السلبي (الهجر)، فإن المحكمة إذا ما تحققت من ثبوت الهجر بالبيئة العادية أو القرائن، تقضي بالتطليق البائن (11) هذا التطليق لا يؤثر مطلقاً على استحقاق الزوجة لمهرها كاملاً (المعجل منه والمؤجل) طالما تم الدخول، بل إن القضاء المصري المستقر يعامل مؤخر الصداق بوصفه ديناً مؤجلاً يحل بأقرب الأجلين ويمثل الحكم بالتطليق للهجر تحققاً للأجل المسقط، مما يوجب على الزوج أداءه فوراً، ولا تملك المحكمة سلطة إنقاص المهر أو إسقاطه لأن الموجب للفرقة هو الضرر الحاصل على الزوجة من جراء هجر زوجها لها (12).
يتضح مما تقدم، أن التفريق القضائي بسبب الهجر لا يترتب عليه المساس بالحقوق المالية الثابتة للزوجة من مهر معجل أو مؤجل، بل هو حق خالص لها لا يسقط كون الزوج هو المقصر والمتسبب في الحكم بالتفريق فقد اتفقت التشريعات محل المقارنة على أن المهر يستقر كاملاً بالدخول، فلا يسقط منه شيء إذا كانت الفرقة ناشئة عن هجر الزوج أو امتناعه عن أداء واجباته.
___________
1- سورة النساء الآية (4).
2- ينظر ، المادة ( 43 /أولا /2) من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل.
3- ينظر المادة (45) من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959.
4- ينظر ، المادة 20 من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل.
5- ينظر ، المادة (25) من قانون الأحوال الشخصية العراقي رقم 188 لسنة 1959 المعدل.
6- ينظر، المادة (46) من مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الجعفري.
7- ينظر ، المادة (67/ رابعا ) من مدونة الأحكام الشرعية في مسائل الأحوال الشخصية وفق المذهب الجعفري.
8- روح الله الخميني، الرسائل، كتاب رسالة لا ضرر، ضمن: الرسائل، ج1.
9- قرار قضائي رقم 274 رئاسة محكمة استئناف الأنبار الاتحادية محكمة الأحوال الشخصية في القائم، 2008، منشور على الرابط: 836.https://www.sjc.iq/qview/ ، تاريخ الزيارة: 2026/4/5
10- ينظر ، المادة 12 من قانون الأحوال الشخصية رقم 25 لسنة 1929 المصري.
11- عبد الحميد الشواربي ، مجموعة الأحوال الشخصية، منشأة المعارف، مصر، 2000، ص 376
12- فتوى دار الإفتاء المصرية رقم (2471) بتاريخ 2010/12/11 بشأن استحقاق مؤخر الصداق عند وفاة الزوج، والتي قررت أن مؤخر الصداق دين أجل يحل بأقرب الأجلين: الطلاق أو الوفاة، منشور على الرابط:
https://family.daralifta.org/fatwa/details/11827/%D8%A7%D8%B3%
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في قانون الاحوال الشخصية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة