(وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) [البقرة: 250].
خلاصة التفسير: لما برز جنود طالوت -الذين لم يكن لهم سوابق مشرقة حتى هذه المرحلة- أمام جيش العدو فإنهم تجاهلوا وتناسوا قلة عددهم وضعف تجهيزاتهم العسكرية واكتفوا بالتوكل على خالقهم ورفع أيديهم بالدعاء طالبين منه الصبر وثبات أقدامهم وفوزهم بالنصر.
إن امتلاء نفس الانسان بخصلة الصبر يثبت أقدامه في ساحة الوغى وهذا بدوره يصير سببا في تحقيق الانتصار.
ودعاء جنود طالوت قبل الدخول في المعركة يفهم منه أن ذكر وحدانية الله وعدم اشراك العدة والعدة في ربوبيته هي من المسائل العسكرية المهمة التي يجب عدم الغفلة عنها في ميادين الحرب.
تفسير المفردات: برزوا: (البروز) بمعنى الظهور[1]، أو الظهور بكيفية خاصة لا سابق لها[2]. و(البراز) هو الفضاء المفتوح، ويقال للظهور من صف الجيش للقتال (مبارزة)[3].
أفرغ: (الفراغ) هو خلوّ الشيء الممتلئ، و(الإفراغ) تخليته من ذلك الشيء. وإذا جاء الإفراغ مع الحرف (على) دلّ ذلك على إفراغ شيء فوق شيء آخر. وعلى هذا الأساس فكأنما كان الصبر مجموعاً في إناء وصب جميعه على المقاتلين بحيث صار ذلك الإناء فارغاً خالياً منه. وهذا أبلغ التعابير في مقام استمداد وطلب الصبر؛ إذ معناه: يا إلهنا، تفضّل علينا بصير يغطي كل ظاهرنا ويملأ جميع باطننا[4]. ومثل هذا الصبر الواسع والشامل يكون سبباً في اتصاف الشخص الحاصل عليه بالوصف الممتاز (صبار) وهو ما يحتاج إليه كل من يريد مقاتلة جيش جرار أو سفاك مهاجم[5].
والعنصر المحوري في إفراغ وتفريغ الصبر هو انصبابه من فوق وانتشاره.
واحتواء الوعاء القبلي وخلوه منه لا دخل له في حقيقة هذا الأمر المطلوب، وربما كان المقصود من كلام الراغب الأصفهاني الذي اعتبر عملية إفراغ الصبر استعارة[6] هو هذا المطلب بالذات، وكلام ابن الأثير أفرغت الإناء إفراغاً وفرغته تفريغاً إذا قلبتُ ما فيه[7]. أراد به المعنى الشائع لذلك، وما جاء في الآية (قَالَ ءَاتُونِيأُفرِغ عَلَيهِ قِطرا) [الكهف: 96] هو بلحاظ الكيفية الشائعة في عمليات بناء السدود.
وحصيلة ما نود قوله هو أن توفر الوعاء القبلي واستقرار الشيء فيه، لا يؤخذ في مفهوم الإفراغ، بحيث لو كان التساقط على نحو التجلّي ـ لا التجافي. فلا ينافي ذلك مفردة (الإفراغ).
ثبت: (الثبات) ضدّ (الزوال) وبمعنى المقاومة، و(التثبيت) هو التقوية و(ثبت) بمعنى قو[8].
[1] المصباح المنير، ص 44، ب ر ز.
[2] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج 1، ص 236، برز.
[3] مفردات ألفاظ القرآن، ص 118، ب ر ز.
[4] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج9، ص 69، ف رغ.
[5] سورة إبراهيم، الآية 5.
[6] راجع مفردات ألفاظ القرآن، ص 632، ف رغ.
[7] النهاية، ابن الأثير، ج 3، ص 437، ف رغ.
[8] مفردات ألفاظ القرآن، ص 171، ث ب ت.