لم يكن "عمران" يملك في جعبته ثرثرة الباعة أو ضجيج السابلة، كان كبئرٍ عميقة، لا تمنح ماءها إلا لمن أتقن صبر الانتظار. في تلك البلدة التي تقتات على لغو القول، حيث تُبنى القصور من زيف المفردات، كان يسير صامتاً، كأنما يحمل في صدره لغةً لم تُخلق أبجديتها بعد.
ذات ضحىً، اجتمع أعيان المدينة في محفلٍ كبير ليفصلوا في معضلةٍ دامت عقوداً: أرضٌ بور تقع في قلب الوادي، يزعم كل فريق أنها ميراث أجداده. اعتلى الخطباء المنصة، وسال الحبرُ على ألسنتهم أنهاراً؛ هذا يستشهد بالتاريخ ويغرق في تفاصيل القرون، وذاك ينثر السجع في وصف ترابها حتى غاب المعنى في زحام المبنى. استمر الضجيج ساعات، والكل يطالب بحقٍّ ضائعٍ وسط ركام الكلام، حتى كلَّت الآذان وعمَّ الارتباك.
التفت الحاكم إلى "عمران" القابع في الزاوية، وأشار إليه بالتقدم. ساد صمتٌ مريبٌ، وتطلّعت العيون بسخريةٍ إلى هذا "الأبكم" الذي سينافس جهابذة البيان. وقف عمران وسط الجمع، لم يفتح كتاباً ولم يسرد شعراً. أشار بسبابته نحو النافذة حيث كانت الرياح تذرو رمال تلك الأرض، ثم أخرج قبضةً من ترابٍ كان قد أحضرها معه، ووضعها في كفه الأيمن، ووضع في الكفة الأخرى ريشة طائر، وقال بصوتٍ هادئ رخيم:
"الأرضُ لمن يزرعها، لا لمن يصفها."
وقعت الكلمات كحجرٍ في بركةٍ راكدة. انطفأ صخب الحاضرين، وبدت خطبهم الطويلة أمام هذه الجملة كزبد البحر الذي يذهب جفاءً. أدرك الجميع أن الحقيقة لم تكن بحاجة إلى حشدٍ من المفردات لتظهر، بل إلى بصيرةٍ تختزل الوجود في نقطة.
انفضّ الحضور، وبقيت جملته أيقونةً محفورة في أذهانهم؛ فقد أثبت عمران أنّ البلاغة ليست في طول النفس، بل في إصابة جوهر المعنى بأقل عددٍ من النبال.
الحكمة: «خيرُ الكلامِ ما قلَّ ودلَّ».
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)