لم يكن "حيّان" يملك في جعبته غير بضع كلماتٍ يلقيها عفو الخاطر، كانت كلماته طيوراً برية لا تعرف الأقفاص، يطلقها فتقع حيثما اتفق؛ تارةً تخدش وجهاً، وتارةً تحرق قلباً، وتارةً ترتد إليه بالخيبة. في المقابل، كان "زيد" يعيش في صومعة صمته المهيب، يبتلع الكلمة ويمضغها في خلوة صدره طويلاً، كأنّما يستفتي في شأنها نبضات قلبه قبل أن يأذن لها بالخروج إلى النور.
في أحد المجالس العاصفة بالجدل، انبرى "حيّان" يوزع الأحكام ويقذف التهم، مندفعاً بلسانٍ يسبق رويّته، فزجّ باسم رجلٍ ذي شأنٍ في وشايةٍ لم يتبيّن صدقها. كان قلبه في تلك اللحظة يلهث خلف لسانه المتعجّل، محاولاً اللحاق بآثار الدمار التي خلفها القول، لكن هيهات؛ فالكلمة إذا خرجت صارت ملكاً للريح.
بينما كان "زيد" يراقب المشهد بعينين يملؤهما الأسى، سأله الحاضرون عن رأيه، فأطرق طويلاً حتى خُيل إليهم أنه غاب عن الوعي. كان في تلك اللحظة يطوف في ردهات قلبه، يزن الكلمة بميزان الحكمة، ويتأمل في عواقبها قبل أن يلفظها. لم يخرج صوته إلا حين استقرت العبارة في منبع النور داخل صدره، فقال بصوتٍ خفيضٍ رخيم: "إن العاقل من جعل قلبه حارساً على ثغور لسانه، فما طاب للقلب قَبِلَهُ اللسان، وما عافه القلب وأدهُ الخرس".
لم تمضِ أيام حتى انكشفت الحقيقة، فإذا بوشاية "حيّان" محض وهمٍ جرّت عليه وبالاً وندماً لا ينقضي، وأصبح يتخبط في اعتذاراتٍ باردة لا تداوي الجروح التي صنعها لسانه الأرعن. لقد كان قلبه يتبعه باكياً، يلملم شتات ما أفسده المنطق الفاسد. أما "زيد"، فقد صار مجلسه ملاذاً للباحثين عن السكينة؛ لأنهم أدركوا أن قوله ليس مجرد هواءٍ يخرج من الحناجر، بل هو نبضٌ مصفّى، عبر ممرات الوجدان قبل أن يصافح الآذان.
في تلك الليلة، وقف "حيّان" أمام المرآة يحدث نفسه: "متى أدركُ أنّ لساني قد صار قيداً لقلبي لا رسولاً له؟"، بينما كان "زيد" يغفو بسلام، لأن لسانه لم ينطق إلا بما أذن به قلبه المطمئن، مصداقاً لأن العاقل يرى بعين بصيرته قبل أن يصف بلسانه، والأحمق يصف بلسانه ثم يبصر بعين الندم.
الحكمة: «لسانُ العاقلِ وراءَ قلبه، وقلبُ الأحمقِ وراءَ لسانه».
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)