كثرت الدراسات العلمية في هذا العصر بشكل ملحوظ، حتى اصبحت من بديهيات هذا القرن، ففي كل مدة من الزمن تقوم جماعة من العلماء والباحثين باستحداث نظريات علمية جديدة، بعد أن اجروا عليها التجارب والابحاث ؛ بغية الوصول الى النتائج المطلوبة، فهذه النظرية النسبية لألبرت أينشتاين، وتلك نظرية البقع السوداء الفضائية التي يظن اصحابها أن من خلالها تولد الكواكب واليها تعود، فالعالم اليوم يسير بركب هائل لا يعرف التأني ، ألا وهو ركب التطور العلمي .
والأمر الغريب والمثير للدهشة هو ما يقوم به بعض المسلمين اليوم في ايجاد علاقة ولو بشكل نسبي بين تلك الدراسات والاكتشافات الحديثة وبين القرآن الكريم ابتغاء إيجاد تواكب بينهما وتأييد مبدأ السبق للقرآن الكريم، وأنه مع مضي اكثر من الف واربعمئة عام على نزوله فقد تحدث عن كثير من الحقائق والقوانين التي اكتشفت فيما بعد.
القرآن الكريم كتاب الله (عز وجل) المنزل على نبيه الاكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) والثقل الأكبر، دستور المسلمين الأول، الذي ينور طريق الامة الاسلامية في مسيرها، إلى يوم يبعثون، ذلك بقوله (سبحانه وتعالى) (ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ) .
إن الغاية والهدف الاساس من هذا الأمر لا يكمن في تحقيق هذا التناسب، أي ان ما يقوم به بعض المسلمين في يومنا هذا لا يمكن عده محاولة لبيان صدق القرآن و دعواه، وأنه كتاب الله المنزل كسابقه من الكتب السماوية، فمنزلة القرآن الكريم في نفوس المسلمين أعظم شأناً من ان يوافق فحواه نظريات العلم الحديث في يومنا هذا أو يختلف معها، مع أن أغلب هذه الدراسات لم تستطع الارتقاء الى مستوى الحقائق الثابتة، فهي مازالت وتزال مكبّلة بأغلال الافتراض، يمكن دحضها وتفنيدها بنظريات علمية أُخَر.
فالقرآن الكريم الكتاب المقطوع بصحته يسير مع المجتمعات في كل حين ودهر، وفي كل أية منه يمكن أن يستنتج قراؤها مدى اعجازه وصدق فحواه، وهذا اذا رأى من منظار بعيد عن التعسف والتعصب.
فالغاية إذن من طرح ومناقشة مثل هذه الافكار لاتعد إلا محاولة أخرى لبيان دقة اعجازه، ودقة تعبيره وتأصل فحواه، وأنه فخر المسلمين وكتابهم الأزلي ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الافراط في مناقشة هذه المسائل يفسد الغاية والهدف ويحول القرآن الى كتاب علمي أكثر مما هو عليه ، وهو بعيد عن ذلك كل البعد.
وفي الحقيقة يمكن تشبيه تلك المحاولات بمسألة طلب الشفاء به، فالقرآن الكريم - ومع ما فيه من علاج روحي وجسدي للمسلمين كافة ، وقد نصّ على ذلك خير خلق الله (عزَّ وجل) النبي الاكرم في احاديث عدة تدل على المواطن التي يكون فيها الشفاء من الامراض كسورة الحمد وغيرها- لم ينزل ليكون علاجاً لمن يشكي مرضا في جسده، أو تيسيراً لمن لم تحض بفارس احلامها بعد، فهذا كله يدخل في دائرة تحصيل الحاصل.
إن الغاية من نزول القرآن الكريم معروفة لا تخفى على كل ذي لب، ولا يستطيع الاعمى انكار رؤيتها، فهو كتاب هداية وشِرعة ومنهاج يقود الانسان نحو التكامل.. فمن الضروري ان يترسّخ في ذهن كل باحث تطرق لمثل هذه الموضوعات الأخذ بعين الاعتبار إن القرآن ثابت باقٍ، على عكس تلك النظريات والدراسات، وإن وافق مضمونها مع مضامين القرآن فهي مفخرة لها ولباحثيها ولا يمكن عكس ذلك.







عبد الخالق الفلاح
منذ 1 يوم
عاشوراء البعثة النبوية
الحسين بين الأمس واليوم
خليجي 25 .. والشيبة الطاهرة
EN