من استبداد الأمس إلى سخونة الحاضر: تفكك الدولة وتحولات الشرعية
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
08/05/2026
في عراق ما بعد 2003، لم يعد الماضي مجرد ذاكرة، بل تحوّل إلى أداةٍ لإنتاج الحاضر وتبرير إخفاقاته. هذا المقال يقرأ تحوّلات السلطة والشرعية داخل دولةٍ أعادت تشكيل الاستبداد بصيغٍ جديدة، وكرّست الفساد كنظام لا كاستثناء.
ليس من قبيل المصادفة أن يتحوّل الماضي، في التجارب السياسية الهشّة، من واقعةٍ تاريخية إلى أداةٍ وظيفية تُستدعى عند الحاجة. فالماضي، حين يُفقد سياقه، لا يعود ذاكرةً جماعية تُستفاد منها، بل يصبح مادةً خامًا لإعادة إنتاج السلطة. ومن هنا، لا يكون استدعاء الألم تعبيرًا عن وفاءٍ للضحايا، بقدر ما يكون استثمارًا في وعي الأحياء.
في العراق، لم يكن الماضي الذي سبق عام 2003 سرديةً قابلةً للتداول الخطابي فحسب، بل كان تجربةً وجوديةً كاملة، تشكّلت فيها ذاكرة الناس على نحوٍ عضوي، عبر الخسارات المتراكمة والانكسارات العميقة. ولذلك فإن محاولة احتكار هذا الماضي، أو توظيفه كأداة شرعنة، تمثّل في جوهرها مصادرةً للذاكرة العامة وتحويلها إلى ملكية سياسية مغلقة.
إن الإشكالية المركزية لا تكمن في استدعاء الماضي بحد ذاته، بل في الوظيفة التي أُسندت إليه داخل بنية السلطة الجديدة. فبدل أن يكون مرجعًا أخلاقيًا لإعادة بناء الدولة، جرى تفريغه من مضمونه، وإعادة تعبئته كخطابٍ تبريري يبرّر الإخفاقات، ويؤجل المساءلة، ويعيد إنتاج الانقسام.
منذ عام 2003، لم تتشكّل في العراق دولةٌ بالمعنى المؤسسي الحديث، بل تبلورت منظومةٌ هجينة تجمع بين الشكل الديمقراطي والمضمون الزبائني. هذه المنظومة لم تُلغِ الاستبداد، بل أعادت توزيعه، فلم يعد مركزيًا، بل صار موزّعًا بين مراكز قوى متعدّدة، لكلّ منها نصيبها من السلطة ونصيبها من التعطيل.
وهنا تحديدًا يتجلّى التحوّل الأخطر: من استبدادٍ صريح إلى استبدادٍ مقنّع بالتوافق، ومن قمعٍ مباشر إلى إضعافٍ بنيوي للقدرة على الفعل. فالدولة، بدل أن تكون كيانًا ضامنًا، تحوّلت إلى ساحة تفاوض دائم بين أطرافٍ لا يجمعها مشروع وطني بقدر ما يجمعها توازن مصالح.
ضمن هذا السياق، لم يعد الفساد انحرافًا عن القاعدة، بل أصبح هو القاعدة نفسها. لم يعد خللًا طارئًا، بل تحوّل إلى نمط إنتاج سياسي واقتصادي يعيد إنتاج ذاته عبر شبكات معقّدة من المصالح. وهنا لا يعود السؤال: لماذا يوجد الفساد؟ بل: كيف أصبح النظام قائمًا عليه؟
إن الكارثة هنا لا تُقاس بمؤشرات الفقر أو البطالة وحدها، بل بعمق التحوّل الذي أصاب العلاقة بين المواطن والدولة. فحين يفقد المواطن ثقته بأن الدولة قادرة على حمايته أو تمثيله، فإننا لا نكون أمام أزمة خدمات، بل أمام أزمة شرعية بكلّ ما تحمله الكلمة من معنى.
وعندما تتحوّل الدولة من كونها كيانًا راعيًا ومؤسساتيًا إلى مجرّد منظومةٍ للجباية، تستردّ من المواطن ما يتقاضاه من رواتب عبر ضرائب ورسوم غير متوازنة، ثم تعيد تدوير هذه الموارد في قنواتٍ معتمة تنتهي في جيوب الفساد وشبكاته، فإننا نكون أمام انهيارٍ عميق في فكرة الدولة ذاتها.
عندها تسقط الحدود الفاصلة بين المؤسسة كخدمة عامة، والمؤسسة كأداة استنزاف، ويتحوّل المواطن من شريكٍ في الوطن إلى ممولٍ قسريّ لبنيةٍ لا تعترف به إلا بوصفه مصدرًا للإيراد. وفي هذه اللحظة تحديدًا يفقد الفعل المؤسسي معناه الأخلاقي والقانوني معًا، ويغدو المواطن لا يرى في الدولة إلا جهازًا للجباية ممتدًّا، لا ينتج عدالة ولا يعيد توزيعًا للفرص، بل يعيد إنتاج العبء ذاته بأشكالٍ مختلفة.
لقد أُعيد تشكيل الوعي العام على نحوٍ تدريجي، بحيث أصبح القبول بالحدّ الأدنى من الحقوق يُنظر إليه كإنجاز، وأصبح الفشل المستمر يُعاد تعريفه بوصفه “واقعًا لا بديل له”. وهذه ليست نتيجة عفوية، بل جزء من إعادة هندسة الوعي العام عبر خطابٍ سياسي عمل طويلًا على تخفيض سقف التوقعات بدل رفع مستوى الأداء.
وفي هذا الإطار، يمكن فهم الإصرار المتكرر على استدعاء الماضي بوصفه محاولةً لإبقاء المجتمع في حالة مقارنة دائمة مع الأسوأ، لا مع الممكن. فبدل أن يُقاس الحاضر بما ينبغي أن يكون، يُقاس بما كان، فيتحوّل التراجع إلى تقدّمٍ نسبي، ويصبح القصور إنجازًا ضمنيًّا.
غير أن هذا المنطق، مهما طال، لا يمكن أن يستمر إلى ما لا نهاية. فالمجتمعات، حتى في أكثر حالاتها إنهاكًا، تمتلك قدرةً كامنة على إعادة التقييم. ومع تراكم الخيبات، يبدأ الوعي بالتحوّل من حالة التبرير إلى حالة المساءلة.
إن ما يواجهه العراق اليوم ليس أزمة حكمٍ عابرة، بل مأزق بنيوي يتعلّق بطبيعة النظام ذاته: نظامٌ يقوم على تقاسم السلطة لا على ممارستها، وعلى توزيع الموارد لا على إنتاجها، وعلى إدارة الأزمات لا على حلّها.
ومن هنا، فإن الحديث عن المستقبل، في ظلّ هذه الشروط، يصبح مجرّد امتدادٍ للحاضر، ما لم يُعاد النظر في الأسس التي قام عليها هذا النظام. فالإصلاح لا يمكن أن يكون تجميليًا في بنيةٍ مختلّة، بل يتطلّب تفكيكًا حقيقيًا لآليات إنتاج السلطة.
الشعب، في هذه المعادلة، لم يعد يبحث عن خلاصٍ فردي، ولا عن بطلٍ استثنائي، بل عن تحوّل في قواعد اللعبة نفسها: عن دولةٍ تُبنى على المواطنة لا على الانتماءات الضيّقة، وعن مؤسساتٍ تُدار بالقانون لا بالتوازنات، وعن سلطةٍ تُحاسَب لا تُحصَّن.
إن استعادة المعنى الحقيقي للدولة تبدأ من استعادة العلاقة بين السلطة والمسؤولية، بين الحقّ والواجب، بين القرار والمحاسبة. ومن دون ذلك سيبقى كلّ حديث عن الإصلاح إعادة تدوير للأزمة.
لقد انتهى زمن الخطاب الذي يراهن على الذاكرة المثقوبة. لم يعد الماضي كافيًا لتبرير الحاضر، ولم تعد الشعارات قادرة على تغطية الوقائع. ومع تآكل الشرعية الخطابية، لا يبقى أمام السلطة إلا اختبارٌ واحد: القدرة الفعلية على التغيير.
أما إذا استمر العجز، فإن النتيجة لن تكون مجرد استمرار الأزمة، بل تحوّلها إلى حالة مزمنة تُعيد إنتاج ذاتها عبر الأجيال.
وفي لحظةٍ ما — وهي ليست بعيدة كما يُظن — سيتحوّل الصمت المتراكم إلى موقف، والموقف إلى فعل، والفعل إلى معادلة جديدة.
وحينها لن يكون السؤال: من حكم؟
بل: كيف سُمح له أن يحكم كلّ هذا الزمن دون حساب؟







محمد عبد السلام
منذ يومين
الإصلاح الثقافي .. من أين نبدأ ؟
آثار وتداعيات فيروس كورونا المُستَجَد على الإقتصاد والمجتمع في العراق
٦ × ٦ = ٣٢
EN