في تلك الليلة التي يغتسل فيها الزمن بنور الرجاء، وتتنفّس فيها الأرواح هواءً غير مألوف، أقبل رجب بوجهه الأبيض، وفتحت السماء أولى ليالي الجمعة، فسمّتها الملائكة ليلة الرغائب؛ ليلةٌ لا تُقاس بالساعات، بل بما يفيض فيها من عطايا الغيب.
كان الرجل وحيدًا في غرفته، غير أنّ الوحدة لم تكن خواءً، بل انتظارًا شفافا. صام نهاره كما يصوم العطاش عن الكلام، حتى إذا انحدرت الشمس إلى مغربها، توضّأ كمن يخلع عن قلبه غبار الطريق، ووقف بين المغرب والعشاء، فكانت الأرض سجادته، والسكينة إمامه.
صلّى… ركعتين تلو ركعتين، كأنّ كل تسليمة جسرٌ من الطين إلى السماء. تردّد الفاتحة كنبضٍ أول، وانسكب إنا أنزلناه ثلاثًا كقطرات قدر، وتعانق قل هو الله أحد اثنتي عشرة مرّة، حتى بدا التوحيد كقنديلٍ معلّق في صدر الليل.
فلما فرغ، أرسل الصلاة على النبيّ وآله سبعين مرّة، فارتفعت الكلمات خفيفةً، كحمائم تعرف طريقها. ثم سجد… فانحنى جسده، لكن روحه قامت. قال:
سبّوحٌ قدّوسٌ ربّ الملائكة والروح،
فشعر أنّ سقف الغرفة انفتح، وأنّ المسافة بينه وبين العرش لم تعد إلا خشوعًا.
رفع رأسه، وناجى:
ربّ اغفر وارحم وتجاوز عمّا تعلم، إنك أنت العليّ الأعظم،
فارتجف صوته، لا خوفًا، بل دهشةً من قربٍ لم يعتده. ثم عاد إلى السجود، يردّد التسبيح مرةً أخرى، حتى صار الليل كلّه ركعةً طويلة.
سأل حاجته همسًا، كمن يضع أمنيته في كفّ الرحمة، ثم نهض وقد ترك شيئًا من قلبه هناك، عند عتبة السماء.
ومضت الأيام… حتى جاءه أوّل ليل في القبر. خاف، لا من الظلمة، بل من السؤال. فإذا بنورٍ يتشكّل، وصورةٍ لم يرَ مثل حسنها، بوجهٍ باسم، ولسانٍ ألين من النسيم، ورائحةٍ أطيب من الورد بعد المطر.
قال له:
أبشر يا حبيبي، فقد نجوت من كل شدّة.
قال متعجّبًا:
من أنت؟ فما رأيت أجمل منك ولا سمعت أعذب من كلامك.
قال:
أنا ثواب تلك الصلاة التي صلّيتها ليلة الرغائب، جئت أؤنس وحدتك، وأرفع عنك وحشتك، وأظلّك يوم يقوم الناس لربّ العالمين.
فاطمأنّ القلب، وسكنت الروح، وعرف الرجل متأخرًا لا ندم فيه أنّ بعض الصلوات لا تنتهي بتسليمة، بل تبدأ بها حياة أخرى.







اسعد الدلفي
منذ 1 ساعة
العيد في زمن كورونا
إستعراض موجز لحياة السيدة زينب الكبرى
في رثاء العقيلة زينب (ع)
EN