من وهم القوة إلى مأزق هرمز...كيف انكشفت حدود الهيمنة الأمريكية
قراءة في ارتباك القرار الأمريكي بين ضغط الجغرافيا وسقوط رهانات البترودولار
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
17/04/2026
التناقض في التصريحات ليس سلوكًا عابرًا… بل علامة على خلل عميق في صناعة القرار.
في مشهد اليوم الذي يشهده النظام الدولي بعد العدوان الصهيوأمريكي على إيران، لا تُقاس قوة الدول بما تمتلكه من ترسانة عسكرية فحسب، بل بقدرتها على إدارة هذه القوة ضمن توازنات معقدة تحكمها الجغرافيا السياسية والاقتصاد العالمي. وفي لحظات التحول، تتكشف حدود الهيمنة حين تصطدم بإرادات قادرة على إعادة تعريف معادلات الردع. من هذا المنظور، يمكن قراءة السلوك السياسي للولايات المتحدة في السنوات الأخيرة، ولا سيما في عهد دونالد ترامب، بوصفه نموذجًا لانتقال القوة من حالة الهيمنة المطلقة إلى حالة الارتباك الاستراتيجي، حيث تتداخل النزعة الاستعراضية مع محدودية الفعل الواقعي.
لا يختلف اثنان اليوم على أنّ ترامب يُقدَّم في خطابه وسلوكه السياسي بوصفه فاعلًا يتأرجح بين مواقف متناقضة، الأمر الذي يدفع إلى التساؤل حول مدى استقلالية قراراته وحدود خضوعها لبُنى أعمق داخل النظام السياسي الأمريكي. فالتناقض الحاد بين تصريحاته، الممتدة من أقصى اليمين إلى أقصى ما يبدو يسارًا في بعض الملفات، لم يعد مجرد ظاهرة عابرة، بل تحوّل إلى سمة بنيوية في خطابه، حتى باتت هذه التناقضات مادة للسخرية في وسائل الإعلام الأمريكية قبل غيرها، ومؤشرًا على أزمة اتساق في صناعة القرار السياسي.
ينتمي هذا النمط من الخطاب إلى شخصية سياسية مشبعة بثقافة الصورة، ولا سيما تلك المستمدة من صناعة السينما الأمريكية، حيث تُختزل القوة في بعدها العسكري، وتُقدَّم الهيمنة بوصفها حقًا مكتسبًا. ومن هنا، يتبدّى أنّ النزعة النرجسية في شخصية ترامب لم تكن مجرد سمة نفسية، بل تحوّلت إلى محدِّد في رؤيته للعالم؛ إذ تصوّر أن امتلاك قوة عسكرية ضخمة يتيح له إعادة تشكيل النظام الدولي وفق إرادته، متجاوزًا بذلك منظومة القوانين الدولية التي تنظّم العلاقات بين الدول، في إطار تصور استثنائي يرى أن هذه القواعد تنطبق على الآخرين دون الولايات المتحدة وأسرائيل.
انطلاقًا من هذه الرؤية، اتجه الخطاب الترامبي نحو تصعيد غير مسبوق في التهديدات والتلويح باستخدام القوة، سواء عبر فرض الهيمنة على دول أخرى أو التدخل المباشر في شؤونها، في مشاهد بدت وكأنها امتداد حيّ لسيناريوهات “الغرب الأمريكي” في المخيال السينمائي. وقد تجلّى ذلك في تهديداته المتكررة بالسيطرة على غرينلاند، أو إعادة إيران إلى “العصر الحجري”، فضلًا عن حديثه عن السيطرة على الموارد النفطية لدول أخرى كما حدث في فنزويلا. هذه الممارسات، في جوهرها، لم تكن سوى إعادة إنتاج لخطاب الهيمنة الكلاسيكي، ولكن بلغة أكثر فجاجة ووضوحًا.
غير أنّ هذا المسار التصعيدي اصطدم بواقع مغاير تمامًا، لم يكن في حسبان صانع القرار الأمريكي. فالدفع باتجاه إعادة تشكيل الشرق الأوسط، كما يسعى إليه بنيامين نتنياهو، واجه عقبة أساسية تمثّلت في صمود إيران وقدرتها على امتصاص الضغوط وإعادة توجيهها. هذا الصمود لم يقتصر على البعد العسكري، بل امتد إلى المجال السياسي والاستراتيجي، حيث كشف حدود القوة الأمريكية وأظهر أنّها ليست مطلقة كما يُروَّج لها، بل قابلة للاحتواء والمقاومة.
وفي هذا الإطار، تبرز مسألة مضيق هرمز بوصفها أحد أهم أوراق القوة في يد المفاوض الإيراني. فالمضيق، الذي يُعد شريانًا حيويًا لحركة الطاقة العالمية والاسمدة، تحوّل من ممر آمن إلى أداة ضغط استراتيجية بعد تصاعد التوترات. وعلى الرغم من تصريحات ترامب المتكررة بأن الولايات المتحدة ليست بحاجة إلى هذا المضيق، اعتمادًا على ما تدّعيه من وفرة في إنتاجها النفطي، فإن الواقع العملي كشف تناقضًا واضحًا؛ إذ سارعت واشنطن، عقب تعثر المفاوضات وعدم تطبيق اسرائيل لوقف اطلاق النار على الجبهة اللبنانية، إلى التلويح بمحاصرة المضيق، بل وشرعت في خطوات عملية بهذا الاتجاه، وهو ما يعكس ارتباكًا في الحسابات الاستراتيجية وان هذا الحصار لايمكن تطبيقه من الناحية العسكرية.
إنّ أزمة مضيق هرمز لم تكن معطى طبيعيًا، بل هي نتاج مباشر للتصعيد الأمريكي وسياسات الضغط القصوى. فقبل هذا التصعيد، كان الممر مفتوحًا أمام حركة التجارة الدولية دون قيود تُذكر. غير أنّ انخراط بعض مشايخ الخليج في هذا المسار التصعيدي، عبر فتح أراضيها واستخدامها كمنصات للضغط على إيران، دفع الأخيرة إلى توظيف المضيق كورقة ردع إقليمية، ضمن معادلة ضغط متبادلة أعادت رسم حدود الفعل ورد الفعل في المنطقة. وقد أدّى هذا الإجراء إلى قلب معادلات القوة، ليس فقط على المستوى الإقليمي، بل على مستوى الاقتصاد العالمي.
وتتضاعف أهمية هذه الورقة حين تقترن بمحاولة فرض تسعير النفط بعملات غير الدولار، وهو ما يمسّ أحد أعمدة النظام المالي الدولي المعاصر، أي نظام “البترودولار”. ولتفسير خطورة هذا التحول، لا بد من العودة إلى محطة مفصلية في التاريخ الاقتصادي العالمي، وهي قرار ريتشارد نيكسون في 15 أغسطس 1971، المعروف بـصدمة نيكسون، والذي أنهى قابلية تحويل الدولار إلى ذهب، محولًا إياه إلى عملة ورقية قائمة على الثقة. هذا التحول فرض على الولايات المتحدة البحث عن آليات بديلة للحفاظ على هيمنة الدولار، فكان ربط تجارة النفط العالمية به أحد أبرز هذه الآليات.
ومن هنا، فُرض على الدول النفطية، لا سيما في مشايخ الخليج، تسعير نفطها بالدولار، وإعادة تدوير العائدات في الاقتصاد الأمريكي، سواء عبر شراء سندات الخزانة أو عبر صفقات السلاح. وقد تعزّز هذا النظام لاحقًا بعد أحداث كبرى مثل احتلال العراق، حيث أُعيد تكريس هيمنة الدولار على سوق الطاقة العالمية، فيما عُرف بنظام “البترودولار” .
في ضوء هذا السياق، يمكن فهم لماذا يُعدّ إغلاق مضيق هرمز أو تغيير عملة تسعير النفط تهديدًا عميقًا للمصالح الأمريكية، إذ إنّ ذلك يضرب في الصميم الأسس التي يقوم عليها النفوذ الاقتصادي الأمريكي. ومن ثمّ، فإنّ الولايات المتحدة قد تكون الخاسر الأكبر من أي تصعيد في هذا الملف، على خلاف ما قد يبدو في الخطاب السياسي الظاهري.
أمام هذا الواقع، يبدو أنّ الخطاب الترامبي يعاني من أزمة في تحديد الأهداف والوسائل. فسياسة التهديد بالقوة لم تعد تحقق النتائج المرجوة، كما أنّ الإفراط في استخدامها أفقدها تأثيرها الردعي. بل إنّ النتائج جاءت عكسية في كثير من الأحيان، حيث تراجعت صورة الولايات المتحدة على الساحة الدولية، وتزايدت مؤشرات التباعد حتى داخل تحالفاتها التقليدية مثل حلف شمال الأطلسي.
في المحصلة، لا يمكن قراءة التوترات عند مضيق هرمز بمعزل عن التحولات الأعمق في بنية النظام الدولي، حيث لم تعد أدوات الهيمنة التقليدية قادرة على إنتاج النتائج ذاتها في عالم يتجه نحو إعادة توزيع مراكز القوة. لقد كشفت هذه الأزمة أن التفوق العسكري، مهما بلغ، يفقد فاعليته حين يُواجه بإرادة سياسية قادرة على توظيف الجغرافيا والاقتصاد كأدوات ردع موازية.
وفي هذا السياق، تبدو سياسات دونالد ترامب مثالًا على فجوة متزايدة بين الخطاب والممارسة؛ خطاب يراهن على استعراض القوة، في مقابل واقع يفرض حسابات أكثر تعقيدًا. كما أن المساس بمنظومة “البترودولار”، ولو جزئيًا، لم يعد مجرد احتمال نظري، بل تحوّل إلى ورقة ضغط حقيقية تهدد أحد أعمدة النفوذ الأمريكي.
وعليه، فإنّ ما يجري لا يعكس مجرد أزمة عابرة، بل يؤشر إلى مرحلة انتقالية تتآكل فيها أنماط الهيمنة الأحادية، وتبرز فيها قوى إقليمية قادرة على فرض معادلات جديدة. وبين خطاب يبحث عن استعادة الهيبة، وواقع يعيد رسم حدودها، تتضح حقيقة أساسية: أن القوة التي لا تُحسن قراءة موازينها، قد تتحول من أداة سيطرة إلى عبء استراتيجي يصعب الخروج من تداعياته.







وائل الوائلي
منذ 6 ساعات
منارة موقدة العراقية : نارٌ للحجيج والإنذار
إستعراض موجز لحياة السيدة زينب الكبرى
حسين مني وأنا من حسين
EN