مؤتمر لندن 2002: بين صناعة البديل وترتيب ما بعد الدولة
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
05/06/2026
ليست جميع الأحداث السياسية تُقاس بنتائجها المباشرة، فبعضها يتحول مع مرور الزمن إلى مفاتيح تفسيرٍ لحقبة كاملة. ومن بين هذه الأحداث يبرز مؤتمر المعارضة العراقية الذي عُقد في لندن يومي 14 و15 كانون الأول/ديسمبر 2002 بوصفه واحدًا من أكثر المحطات إثارةً للجدل في التاريخ السياسي العراقي المعاصر، ليس فقط لأنه سبق الاحتلال الأمريكي للعراق بأشهر قليلة، بل لأنه مثّل، في نظر كثيرين، المختبر السياسي الذي جرى فيه رسم الملامح الأولى للنظام الذي نشأ بعد عام 2003.
في كتاب «عدنان الباجه جي... رجل بين قرنين» للصحفي معد فياض، يقدّم السياسي العراقي المخضرم عدنان الباجه جي شهادة ذات أهمية خاصة عن تلك المرحلة. فقد كشف أنه تلقى في أواخر عام 2002 اتصالًا هاتفيًا من زلماي خليل زاد، الذي كان قد عُيّن منسقًا لشؤون العراق والممثل الرسمي للولايات المتحدة لدى قوى المعارضة العراقية، يدعوه للمشاركة في مؤتمر لندن وترشيح شخصيات عراقية لحضوره. غير أن الباجه جي رفض المشاركة، معللًا موقفه بأن الاعتبارات والتقسيمات الطائفية والعرقية كانت هي المهيمنة على برامج المؤتمر ونقاشاته، الأمر الذي جعله يرى فيه مشروعًا لا ينسجم مع رؤيته للعراق بوصفه دولة مواطنة جامعة.
وقد انعقد المؤتمر بالفعل في فندق هيلتون ميتروبوليتان وسط العاصمة البريطانية لندن، بحضور واسع تجاوز توقعات المنظمين، إذ شارك أكثر من ثلاثمئة شخصية سياسية عراقية، فضلًا عن مئات الصحفيين والمراقبين وممثلي الدول الغربية. كما شهد حضورًا أمريكيًا وبريطانيًا كثيفًا تمثل بمسؤولين من وزارتي الخارجية والدفاع الأمريكيتين وأجهزة الأمن القومي، إضافة إلى ممثلين عن عدد من السفارات الغربية.
ورغم أن المؤتمر رُوّج له بوصفه مناسبة وطنية جامعة للمعارضة العراقية، فإن الشهادات التي وثّقت أعماله تشير إلى أن النقاشات الأساسية لم تكن تدور حول إعادة بناء الدولة العراقية أو رسم مشروع وطني جامع بقدر ما كانت تدور حول تقاسم النفوذ والحصص في مرحلة ما بعد سقوط النظام. فقد هيمنت على جلساته المداولات المتعلقة بتمثيل الشيعة والسنة والأكراد في النظام السياسي المرتقب، وتحولت قضية توزيع السلطة إلى المحور المركزي الذي استهلك معظم النقاشات.
وتكشف شهادات المشاركين والمتابعين أن مؤتمر لندن لم يكن مؤتمرًا واحدًا بقدر ما كان عدة مؤتمرات متداخلة. فهناك اجتماعات قادة المعارضة مع زلماي خليل زاد والإدارة الأمريكية، وهناك اجتماعات المستشارين والخبراء المرافقين لهم، فيما كانت القواعد الأوسع من المشاركين منشغلة بنقاشات عامة لم يكن لها تأثير فعلي على القرارات التي تُتخذ في الدوائر المغلقة. ومن هنا نشأ الانطباع بأن ما يجري خلف الأبواب المغلقة كان أكثر أهمية وتأثيرًا مما يجري على المنصات الرسمية.
وفي قلب هذه الصراعات برز التنافس على تمثيل المكونات العراقية. فالمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق، ممثلًا بعبد العزيز الحكيم، دخل المؤتمر وهو يسعى إلى تثبيت موقعه ممثلًا رئيسيًا للشيعة في مرحلة ما بعد التغيير، وهو ما ولّد خلافات مع أطراف شيعية أخرى، وفي مقدمتها حزب الدعوة الذي امتنع ممثله إبراهيم الجعفري عن المشاركة الفعلية في المؤتمر، ليس اعتراضًا على الرعاية الأمريكية بقدر ما كان احتجاجًا على طبيعة الترتيبات الخاصة بتمثيل القوى الشيعية داخل المشروع السياسي الجديد.
أما القوى الكردية، ممثلة بمسعود بارزاني وجلال طالباني، فقد ركزت على تثبيت الحقوق الدستورية للشعب الكردي والدفاع عن الفيدرالية بوصفها أساسًا لبناء عراق جديد. وقد دعا طالباني في كلمته إلى عراق موحد يقوم على الديمقراطية والفيدرالية ضمن دولة واحدة، مؤكدًا أن الاستقرار الوطني لا يمكن أن يتحقق دون الاعتراف بالتعددية السياسية والقومية في البلاد.
ومن جهة أخرى، يقدّم الكتاب صورة واضحة عن طبيعة العلاقة بين بعض قوى المعارضة العراقية والإدارة الأمريكية خلال السنوات التي سبقت الاحتلال. فالكثير من القوى السياسية كانت تراهن على الدعم الأمريكي بوصفه الطريق الأقصر للوصول إلى السلطة، فيما كانت واشنطن تنظر إلى بعض هذه القوى بوصفها أدوات سياسية يمكن الاستفادة منها في مشروع تغيير النظام. وفي هذا السياق يورد الباجه جي تفاصيل لقاء جمعه بزلماي خليل زاد في أبو ظبي مطلع عام 2003، حيث أبلغه الأخير بأن الولايات المتحدة تخطط لإقامة إدارة عسكرية أمريكية في العراق تترافق مع هيئة استشارية عراقية. وقد رفض الباجه جي هذه الفكرة، مقترحًا أن تتولى هيئة عراقية وطنية إدارة البلاد بمساندة الأمم المتحدة، وهو موقف يعكس رفضه لأي صيغة تُبقي القرار العراقي خاضعًا لإدارة أجنبية مباشرة كما هو الحال الآن.
ومع اقتراب موعد الحرب، أخذت ملامح المشروع الأمريكي تتكشف بصورة أكثر وضوحًا. فقد أصبح التدخل العسكري الأمريكي شبه محسوم، وتصاعدت تصريحات قادة المعارضة الداعمة لهذا الخيار. وفي هذا الإطار برز أحمد الجلبي بوصفه أحد أكثر المتحمسين للمشروع الأمريكي، معلنًا بفخر أن الإدارة الأمريكية تبنت جانبًا كبيرًا من برنامج المعارضة العراقية، ومؤكدًا أن قانون تحرير العراق الذي أقره الكونغرس الأمريكي سيمثل الأساس القانوني للتحرك الأمريكي ضد نظام صدام حسين.
ومن هنا يمكن فهم سبب امتناع الشخصيات الوطنية العراقية عن المشاركة في مؤتمر لندن. فهؤلاء لم يروا في المؤتمر إطارًا جامعًا يمثل الإرادة الوطنية العراقية، بل اعتبروه منصةً لإضفاء الشرعية السياسية على مشروع التدخل العسكري الذي كانت الولايات المتحدة تهيئ له. كما رأوا أن الطابع الطائفي والإثني الذي طغى على النقاشات لا يبشر بقيام دولة مواطنة حديثة، بل يؤسس لنظام يقوم على المحاصصة وتقاسم النفوذ بين القوى السياسية المختلفة.
ولعل أهم ما تكشفه شهادة عدنان الباجه جي ليس مجرد وصفه لتفاصيل مؤتمر لندن، بل تحذيره المبكر من أن بناء الدولة على أساس الهويات الفرعية لا يمكن أن ينتج مشروعًا وطنيًا مستقرًا. وهي ملاحظة ما زالت تحتفظ براهنيتها السياسية والفكرية حتى اليوم، لأن تجربة العراق الحديثة أثبتت أن قوة الدولة لا تُبنى على توزيع الحصص بين المكونات، بل على تأسيس عقدٍ وطني جامع يجعل المواطنة أساس الانتماء، والدولة إطارًا جامعًا لجميع أبنائها.
ولعلّ ما يزيد من أهمية هذه المراجعة التاريخية أن التحذيرات من مخاطر المحاصصة السياسية وبناء الدولة على أساس الانتماءات الفرعية لم تكن غائبة عن الساحة العراقية بعد عام 2003. فقد دعت المرجعية الدينية العليا، في مناسبات عديدة، إلى ترسيخ مفهوم المواطنة بوصفه الأساس الشرعي والوطني لإدارة الدولة، وأكدت في خطبها وبياناتها ضرورة بناء مؤسسات قوية وعادلة، وإقرار قانون انتخابي منصف يعبّر عن الإرادة الحقيقية للناخبين، ويمنع احتكار السلطة وإعادة إنتاج النخب ذاتها عبر آليات سياسية مشوهة.
كما شددت على أن نجاح التجربة السياسية لا يقاس بانتماءات الحاكمين الطائفية أو القومية، بل بقدرتهم على تحقيق العدالة ومكافحة الفساد وصيانة كرامة المواطن وحماية سيادة الدولة. غير أن هذه الدعوات والإرشادات، على أهميتها، لم تجد الاستجابة المطلوبة لدى الطبقة السياسية التي تشكلت في ظل ترتيبات ما بعد الاحتلال، فبقيت الحسابات الحزبية والفئوية الضيقة تتقدم على مقتضيات المصلحة الوطنية العليا.
ومن هنا يمكن القول إن كثيرًا من الأزمات التي واجهها العراق خلال العقدين الماضيين لم تكن مجرد أخطاء عابرة في الإدارة أو التنفيذ، بل كانت انعكاسًا طبيعيًا لخللٍ تأسيسي رافق ولادة النظام السياسي نفسه. فالمعادلات التي جرى تداولها في مؤتمر لندن، والقائمة على مبدأ تمثيل المكونات وتقاسم النفوذ، تحولت تدريجيًا إلى قواعد شبه ثابتة في إدارة الدولة، حتى أصبحت في كثير من الأحيان أقوى من النصوص الدستورية ذاتها، وأشد تأثيرًا من متطلبات الكفاءة والنزاهة والمواطنة.
ومنذ أن انطوت تلك اللحظة التأسيسية على نفسها قبل أكثر من عقدين، لم يغادر العراق آثارها العميقة، بل ظلّ يتحرك داخل دوائرها التي رُسمت بدقة في لحظة انتقال ملتبسة بين سقوط نظام وبداية أخرى لم تتشكل على أسس مكتملة. فالمعادلات التي وُلدت في مؤتمر لندن لم تبقَ مجرد تفاهمات سياسية عابرة، بل تحولت، مع الزمن، إلى بنية غير مرئية تُعيد إنتاج ذاتها داخل تفاصيل النظام السياسي، منطقًا للمحاصصة حينًا، وإعادة توزيعٍ للنفوذ حينًا آخر، وتفسيرًا دائمًا للسلطة بوصفها توازنًا بين مكونات لا مشروع دولة واحدة.
وهكذا، لم يعد السؤال عن المؤتمر بوصفه حدثًا من الماضي، بل عن الدولة التي تشكلت في ظله واستمرت في الدوران داخل هندسته الأولى؛ دولة لم تُبنَ على أساس عقدٍ وطني جامع بقدر ما تأسست على تسويات الضرورة، فبقيت قابلة للاهتزاز كلما اهتزّ التوازن بين مكوناتها، وكأنها تُدار بمنطق التعايش المؤقت لا بمنطق الاستقرار النهائي.
ومن هنا، فإن استعادة مؤتمر لندن ليست استعادةً لوقائع سياسية انتهت، بل تفكيكٌ لبنيةٍ ما تزال فاعلة في الحاضر، وإعادة طرحٍ للسؤال المؤجل: هل يمكن لدولةٍ أن تستقر إذا ظلّ تعريفها السياسي قائمًا على توزيع الحصص لا على وحدة المواطنة؟ وهل يمكن لنظامٍ أن يكتسب صلابته إذا بقيت شرعيته مستمدة من توازن المكونات لا من اندماجها في هوية وطنية جامعة؟
إنها أسئلة لم تعد تخص الماضي، بقدر ما تمسّ جوهر الحاضر، وتضع مستقبل الدولة العراقية أمام اختبار لم يُحسم بعد: إما أن تظل أسيرة لحظة تأسيسها الأولى، أو أن تعيد تعريف نفسها خارج حدود تلك اللحظة، نحو دولةٍ تُبنى على المواطنة بوصفها أصل الشرعية، لا على التوازن بوصفه بديلًا عنها.







حسن الدخيلي
منذ 4 ساعات
مؤامرة أم "نظرية المؤامرة"
واقعة الغدير.. دلالات وتأملات (1)
أشباه السيارت
EN