تحييد إسرائيل في توصيف العدوان الصهيوأمريكي: خطأٌ استراتيجي قد يطيل استنزاف الجمهورية الإسلامية الإيرانية
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
23/07/2026
في المواجهات الكبرى لا تُقاس أهمية الأحداث بحجم الضربات المتبادلة فقط، بل بالطريقة التي يُعرَّف بها العدوان نفسه وتحديد أطرافه الحقيقية ومراكز ثقله الرئيسية. فكثيراً ما تحقق الدول مكاسب استراتيجية عبر فرض روايتها الخاصة للأحداث، بحيث ينشغل الخصوم بمظاهر الأزمة المباشرة بينما تتوارى العوامل الأعمق التي تحكم مسارها. ومن هذه الزاوية تبرز مسألة تحييد إسرائيل في توصيف العدوان الصهيوأمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية بوصفها واحدةً من أكثر القضايا إثارةً للجدل في المشهد الإقليمي الراهن، لما يترتب عليها من نتائج سياسية واستراتيجية تتجاوز حدود العمليات العسكرية المباشرة إلى كيفية فهم طبيعة العدوان وتحديد أطرافه الحقيقية ومراكز ثقله الفعلية.
خلال الفترة الأخيرة ساد خطاب سياسي وإعلامي يتعامل مع المواجهة باعتبارها نزاعاً أمريكياً ـ إيرانياً بالدرجة الأولى، فيما جرى التعامل مع إسرائيل بوصفها طرفاً مسانداً لواشنطن أو حليفاً لها، أكثر من كونها طرفاً أصيلاً في العدوان والمعادلة التي تحكمه. غير أن هذا التوصيف يثير تساؤلات جوهرية حول مدى دقته وقدرته على تفسير الواقع السياسي والأمني في المنطقة. فهل يمكن فعلاً الفصل بين الدورين الأمريكي والإسرائيلي في الشرق الأوسط؟ وهل يؤدي هذا الفصل إلى خدمة المصالح الإيرانية أم أنه يفضي إلى إعادة تعريف العدوان بصورة تمنح إسرائيل موقعاً أقل تعرضاً للضغوط السياسية والدبلوماسية؟
تكمن أهمية هذه الأسئلة في أن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب تتجاوز حدود التحالف التقليدي بين دولتين. فهناك تشابك عميق في المصالح والسياسات والتنسيق الأمني والعسكري يجعل من الصعب النظر إلى تحركات الطرفين بوصفها مسارات مستقلة تماماً. فإسرائيل، وفق هذه الرؤية التي يتبناها هذا التحليل، لم تكن طرفاً هامشياً في العدوان الدائر على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، بل كانت جزءاً أساسياً من بنيته السياسية والعسكرية والاستخبارية. ومن هنا فإن أي محاولة للفصل بين الدور الأمريكي والدور الإسرائيلي لا تؤدي إلى تبسيط المشهد فحسب، بل قد تفضي إلى قراءة غير دقيقة لطبيعة المواجهة وأطرافها الفاعلة. فالعلاقة بين واشنطن وتل أبيب لا تقتصر على التعاون السياسي أو التنسيق الأمني التقليدي، وإنما تشكل شبكة متداخلة من المصالح والاستراتيجيات المشتركة، الأمر الذي يجعل من الصعب التعامل مع سياسات أحدهما بمعزل عن الآخر. ولهذا فإن توصيف المواجهة باعتبارها نزاعاً أمريكياً ـ إيرانياً صرفاً يفضي إلى إغفال أحد العناصر الرئيسية المؤثرة في مسار الأحداث، ويؤسس لفهم قد يكون قاصراً عن استيعاب طبيعة التوازنات الإقليمية الحاكمة لهذه المواجهة.
ولعل من أهم المكاسب التي حققها هذا التحول تخفيف الضغوط السياسية والإعلامية عن إسرائيل. فكلما تركز الاهتمام على القواعد الأمريكية والعقوبات والقرارات الصادرة من واشنطن، تراجع النقاش حول الأدوار الإقليمية الأخرى المرتبطة بالأزمة. وبهذا المعنى لا يصبح التحييد مجرد توصيف مختلف للأحداث، بل عاملاً مؤثراً في كيفية توزيع الكلفة السياسية بين الأطراف المختلفة.
كما أن المسارات الدبلوماسية لا تنفصل عن هذه الإشكالية. فالتفاوض في حد ذاته ليس موضع اعتراض، لكن طريقة توصيف العدوان تؤثر بصورة مباشرة في طبيعة الحلول المطروحة للتعامل معه. وعندما تُقدَّم المشكلة باعتبارها خلافاً ثنائياً بين واشنطن وطهران، فإن أي تفاهمات محتملة ستدور في الغالب ضمن هذا الإطار، ما قد يؤدي إلى إهمال الدور الإسرائيلي المباشر في العدوان على إيران، والدور الذي يؤديه في استمرار التوترات الإقليمية.
وتتضح هذه المسألة بصورة أكبر عند النظر إلى البنية العسكرية والسياسية الأمريكية في المنطقة. فالكثير من النقاشات تركز على القواعد العسكرية المنتشرة في الشرق الأوسط باعتبارها مركز النفوذ الأمريكي وأداته الأساسية. غير أن هذه القواعد، مهما بلغت أهميتها، لا تعمل في فراغ، بل ضمن شبكة أوسع من التحالفات والترتيبات السياسية والأمنية واللوجستية. ومن هنا فإن التركيز على الأدوات الظاهرة للقوة الأمريكية، مع إغفال البنية السياسية والأمنية التي تمنحها الفاعلية والاستمرارية وفي صميمها إسرائيل، يؤدي إلى قراءة غير مكتملة لطبيعة العدوان ومراكز ثقله الحقيقية.
وهنا تحديداً يظهر معنى "الخطأ الاستراتيجي" الذي يشير إليه عنوان المقال. فالمشكلة لا تكمن في التركيز على الولايات المتحدة أو على أدوات نفوذها المباشرة، وإنما في حصر توصيف العدوان بها وحدها. ذلك أن أي تشخيص غير دقيق لمركز الثقل في المواجهة قد يدفع إلى توجيه الجهد السياسي والإعلامي نحو جانب من المشكلة، مع ترك إسرائيل خارج دائرة الاهتمام. وفي المواجهات طويلة الأمد قد تكون أخطاء التشخيص أكثر كلفة من أخطاء التقدير العسكري المباشر.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل أن صانع القرار الإيراني يواجه معادلات معقدة تتجاوز الحسابات الثنائية. فهناك اعتبارات تتعلق بالاقتصاد العالمي، وأسواق الطاقة، والعلاقات الدولية، واحتمالات التصعيد الإقليمي الواسع. ولهذا قد تُفسَّر بعض السياسات على أنها محاولة لإدارة المخاطر ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أشمل، لا باعتبارها تبنياً مقصوداً لفكرة تحييد إسرائيل.
غير أن هذا التفسير لا يلغي جوهر السؤال المطروح: هل يؤدي إخراج إسرائيل من مركز التحليل السياسي والدبلوماسي إلى تعزيز الموقع الإيراني، أم أنه يسمح لها بالاستفادة من نتائج العدوان دون أن تتحمل القدر نفسه من التبعات السياسية؟ وهل يمكن بناء استراتيجية طويلة الأمد تجاه الولايات المتحدة من دون أخذ الترابط العميق بين السياسات الأمريكية والإسرائيلية، والدور الذي يؤديه كل طرف منهما في هذا العدوان، في الاعتبار؟
إن أهمية هذا النقاش تنبع من أن المواجهات الحديثة لا تُحسم بالقوة العسكرية وحدها، بل بالقدرة على فهم طبيعة الخصم وتحديد مراكز النفوذ الفعلية التي يستند إليها. فالدول قد تنجح في إدارة جولات من المواجهة، لكنها تواجه صعوبات أكبر عندما تبني استراتيجياتها على تشخيص غير مكتمل لطبيعة البيئة التي تعمل داخلها.
وفي ضوء ذلك، فإن الجدل حول تحييد إسرائيل لا ينبغي أن يُفهم بوصفه خلافاً إعلامياً عابراً، بل باعتباره نقاشاً يتعلق بكيفية قراءة التوازنات الإقليمية وفهم البنية السياسية والأمنية التي تحكم الشرق الأوسط. فنجاح أي استراتيجية لا يعتمد فقط على امتلاك أدوات القوة، وإنما أيضاً على القدرة على تحديد الأطراف الأكثر تأثيراً في صناعة الأحداث، وفهم العلاقات التي تربط بينها، وتقدير آثار التقليل من دور أي طرف أو المبالغة في دور طرف آخر.
وفي النهاية، فإن أخطر الأخطاء في المواجهات الكبرى لا تتمثل دائماً في سوء تقدير قوة الخصم، بل في سوء تقدير موقعه الحقيقي داخل معادلة المواجهة. ومن هذا المنطلق تبرز قضية تحييد إسرائيل بوصفها سؤالاً استراتيجياً يتعلق بكيفية تعريف المواجهة ذاتها، وبالطريقة التي تُبنى على أساسها السياسات والتحالفات والحسابات المستقبلية. فقبل البحث عن سبل التعامل مع هذا العدوان، لا بد أولاً من فهم طبيعته وتحديد أطرافه الفاعلة وتشخيص مراكز ثقله الحقيقية، لأن سلامة التشخيص ليست مجرد خطوة أولى في بناء الاستراتيجيات، بل هي الأساس الذي تُبنى عليه الاستراتيجيات والسياسات والقرارات اللاحقة.







محمد عبد السلام
منذ 56 دقيقة
الهدي الفطري الداخلي للإنسان
الرسول محمد وابنته فاطمة الزهراء -عليهما السلام- حاضران في واقعة الطف
من الذاكرة الرمضانية الكربلائية.. الجزء الاول
EN