الإعلام الشيطاني، وبخاصةٍ في مجال الأفلام والمسلسلات، كان له نصيبٌ كبير في أدلجة المجتمع وتوجيهه، ولا سيما فيما يتعلق بالعلاقة بين الرجل والمرأة التي تنتهي بالزواج.
فعلى مدى عقود طويلة، لم يكن شغلهم الشاغل إلا تصدير ثقافة الانحلال الأخلاقي، ثم ختمها بإطار شرعي أو عرفي حتى لا تثير حفيظة المجتمع والأعراف.
فبدأوا بإشاعة قصص الحب والتعلّق الوهمي، وتصويرها على أنها الواقع الطبيعي؛ قلبان تحابّا صدفةً في جامعة، أو شارع، أو حتى قرب مزار ديني.
ثم تبدأ رحلة السعي وراء هذا الحب، لتنتهي بالزواج، أو يعيش الطرفان حالة عشقٍ خفيٍّ تظهر كلما رأى أحدهما الآخر.
نعم، هكذا تُهدم البيوت، وتفسد الأسر، وتنحلّ القيم، وينحرف الأبناء. وكل ذلك وهمٌ من صناعة الشيطان.
وفضلاً عن ذلك، عملوا على تصدير مواصفاتٍ شكلية محددة لمن يدخل في هذه الحالة؛ فتصوَّر المرأة بمظهر معين، ويُصوَّر الرجل أيضاً بهيئة جسدية خاصة.
وقد صُدّرت إلينا نماذج مصنّعة ومعدّلة، قلّما تجد لها نظيراً في الواقع؛ لأنها تمثل مثاليةً مفرطةً لا وجود لها في الحياة الحقيقية.
ناهيك عما تحتويه تلك الأعمال من تعاملاتٍ وعلاقاتٍ بعيدةٍ عن الواقع، حتى ليُخيَّل للإنسان أنه يعيش في عالم مثالي كامل، متناسين أن كل ذلك ليس إلا تمثيلاً وإخراجاً وإعداداً مسبقاً.
ومن أبسط ما يكشف زيف هذه الصورة المثالية أن كثيراً من الممثلين الذين يجسدون تلك الشخصيات يعيشون حالاتٍ من الضيق وعدم الاستقرار الأسري؛ فلا ينبغي الاغترار بالمظاهر والصور الخارجية.
الشيطان الرجيم شاطر، كما يُقال.
نعم، هو شاطر في كيفية تغيير فطرة الإنسان وأخلاقه ونفسيته.
قبل أيام كنت أتصفح مواقع التواصل الاجتماعي، فوجدت عدداً من المقاطع التي تتحدث فيها فتيات شابات عن المواصفات التي يردنها في الزوج المستقبلي.
استمعت إلى بعض تلك المقاطع، فوجدت أن كثيراً منهن يعشن حالةً من المثالية المفرطة، وأنهن إن بقين على هذا التصور فقد يبلغن الأربعين من العمر وما زلن ينتظرن ذلك الفارس الخيالي.
حتى بعض المدعيات للتدين يطلبن زوجاً حسينياً أو مهدوياً، يواظب على صلاة الفجر يومياً، ويعينها في كل شؤونها، ويسمح لها بكل شيء تطلبه، ويجمع إلى ذلك صفاتٍ ماديةً وشكليةً كاملةً في الدين والدنيا، فضلاً عن وفرة المال، بمعنى تريده كاملاً في الدين وكاملاً في الدنيا.
وكل ذلك أقرب إلى الأحلام منه إلى الواقع؛ لأن الزواج إذا كان قائماً في بدايته على المنفعة وحدها، فإن هذه المصلحة سرعان ما تتلاشى، ويحلّ الملل محلّها، ثم تبدأ المشكلات بالتراكم حتى تصل أحياناً إلى الطلاق أو إلى حالة من عدم الإستقرار بين الزوجين.
قال الله تعالى في كتابه الحكيم: ﴿وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾. فالمودة والرحمة هما الأساس الحقيقي لاستمرار العلاقة الزوجية؛ فإذا حصل قصور أو تقصير مبرَّر صبر هذا على ذاك، وصبرت هذه على ذلك.
أما تلك المثالية التي صدّرها الإعلام، فليست إلا كذبة كبيرة، وهي في حقيقتها تجارة بالعواطف؛ إذ يسعون إلى إستثارة المشاعر لجذب أكبر عدد من المشاهدات والمتابعين، فضلاً عن تشويه الفطرة.
وكلما كانت المرأة أعفّ قلباً وشعوراً ومظهراً، كان ذلك أدعى لبركة الله تعالى في حياتها وأسرتها مستقبلاً.
ولا يخدعنّكم من يزعم أن المشاعر الداخلية والتعلقات القلبية لا أثر لها ما دامت لم تُصرَّح أو تُترجم إلى أفعال.
كلا، بل إن لكل ذلك آثاراً قد تظهر ولو بعد حين، وقد يترتب عليه عقاب دنيوي؛ فكما أن هناك ذنوباً مادية، فإن هناك أيضاً ذنوباً قلبية.
وقوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ﴾ من خلال تدبري أقول: ليس خاصاً بالجوانب المادية وحدها، بل يشمل جميع أبعاد العفاف الظاهر والباطن.
فالقلب لا ينبغي أن يتعلق بغير الله تعالى، ولا يصح أن نتوهم أن كل تعلق أو انجذاب خارج الإطار الشرعي أمر طبيعي أو فطري.
بل إن الشعور والإحساس إذا خرجا عن الإطار الشرعي كانا باباً من أبواب المفسدة، والله أعلم.
وقد روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): «القلب حرم الله، فلا تُسكن حرم الله غير الله».







حسن الدخيلي
منذ 4 ساعات
آثار وتداعيات فيروس كورونا المُستَجَد على الإقتصاد والمجتمع في العراق
المرجعية الدينية العليا وتحذيرات تستدعي الإهتمام
منارة موقدة العراقية : نارٌ للحجيج والإنذار
EN