رحيق المواكب
استلقى الاب يشرح ما جرى في اليوم الاول من مسيرة الاربعين نحو الحسين (عليه السلام) وكانت طفلته الجميلة تنصت لمثل هذا الحديث كل عام ، بادر قائلاً: لما خرجت من البيت بعد ان زحفت الشمس نحو الشرق قليلاً ونسمات الهواء تتصفح شعر رأسي وسائر ملابسي ، ولم تكن الا خطوات قليلة سمعت الصوت الخالد (إحنة غير حسين ما عدنة وسيلة) ، وكأن الهواء صار يخدم مع الناس ينقل الصوت لمن لا يصلهم من الحسينين ، وبعد تلك المسافة القليلة طوت رجلي مسافة أخرى لتشاهد من بداية الفرع الثاني طفلاً يحمل قدراً فيه بعض الرز (البرياني) كانت رجله اليمنى تتسابق مع اليسرى ربما يتنافسن من أجل الثواب ، ويده اليمنى كانت تساعد اليسرى على حمل القدر تارة وآنية الماء تارة أخرى ، عيونه تبتسم كلما اقترب مني ، جلس واقفاً ليستريح تخطيت له لأساعده وملامح الشوق بدأت تتسرب الى قلبي ، ولما وضعت يدي على القدر قال مهلاً ! هذا نصيبي من الخدمة ، انت رجل كبير ابحث عن خدمة أخرى ، سجلت ما قاله الطفل واكملت المسير حتى اذا انتهى الشارع ظهرت مواكب مهيبة كأنها قباب مكبرة منصوبة على طول الشارع الممتد نحو الحسين الشهيد (عليه السلام) ، واصوات الاحزان غدت تعلو وتشدني نحو الحزن ومن بين تلك المسافات الصغيرة التي تتوسط بين سيارة واخرى تظهر اسراب الدخان مدفوعة بالنيران اللاهبة وهي تفور تحت قدور الطبخ.
عبرت الشارع فوصلت نحو تلك القدور والتي كان بقربها آنيات الماء الكثيرة رأيت رجلاً كبير السن تتدلى من على وجهه لحية بيضاء كأنها اللؤلؤ المبلل بالماء حين تشرق عليه الشمس ، يحمل بيده آنية فيها بعض التمر المخلوط بالراشي مع الجوز ، قلت له كيف تصنعون هذه الحلوى؟ ابتسم وقال: اذهب الى نهاية الموكب ستجد الخدم يحصدون الحسنات تمتع بالمشهد وترحم على والدي ، بادرته بابتسامة خفيفة يعلوها تساؤل فلسفي هذه المرة ، ربما فهم تلاعب عيني اليمنى مع حاجبي ، تحركت نحوهم فشاهدت أحدهم يضع الدبس على التمر ثم يسيل الراشي على التمر فيوزع الراشي على حبات التمر بهدوء ثم يضع بعدها الجوز وقليلاً من الزيت ، وكانت طفلة صغيرة تتشاكس مع تمرة صلدة تركها لها والدها الخادم ، قلت له مهلاً: اعطني تمرة واحدة جيدة لهذه الطفلة بدلاً من التمرة الصلدة هذه فإنها أتعبت اسنانها ، قال: كلا: التمر الجيد سأعطيه لهؤلاء الاحرار الذين تقبل الارض اقدامهم ، اذا شبع الجميع اعدك اني سأعطيها تمرة جيدة!
اوقفتني طفلتي قائلة: بابا لماذا امتنع الخادم عن اعطاء ابنته التمرة ، فاني لم افهم قوله؟
قلت لها: وانا يا حبيبتي لم أفهم قوله؟
قالت: مهلاً بابا ، أنت تعرف الكثير عن هذه القضايا كيف لم تفهم كلامه؟
قلت لها: لما كنت طفلة صغيرة جداً لم أفهم علة بكائكِ حين تبكين ، فتارة اقول أنها تريد الماء او الطعام او ازعجها شيء ما ، الا ان أمك كانت تعلم سبب كل مرة تبكين فيها.
هنالك افعال ربما لا افهمها أنا ولا أنتِ ، لكن أهلها يعرفونها تماماً.
قالت: أبي ارجوك .. تكلم بلسان مبين!
قلت لها: ان علاقة الخادم بالحسين الشهيد كانت عميقة للغاية ، ربما فهمت كلامه وما يعنيه لكنني لم أدرك عمق علاقته بسيده ومولاه.







عبد الخالق الفلاح
منذ 1 يوم
الاحتباس النفسي وكورونا
إستعراض موجز لحياة السيدة زينب الكبرى
خطة فرض التعليم
EN