في زمن الطوفان، حين غصّت الأرض بالظلم والضياع، صنع نوح عليه السلام سفينته بيديه، وجمع فيها من كل زوجين اثنين، من كل أطياف الخلق وألوان الحياة. لم يسألهم عن أسمائهم، ولا عن ألقابهم، بل نظر إلى القابلية للنجاة إلى الاستعداد للسير معه نحو الحق، لا أكثر.
وفي زمن آخر، طاف فيه طوفان من نوعٍ أشد، طوفان من الذنوب والغفلة والتخاذل، وقف الحسين عليه السلام على أرض كربلاء، يصنع سفينته بدمه، لا بخشب، ويجمع فيها أحرارَ العالم من كل الأصناف: شيخٌ من الأنصار، شاب من آل البيت، عبدٌ أفريقي، غلامٌ صغير، امرأة مجاهدة، قائدٌ مهاجر، عربي، غير عربي، غني فقير، ملك وخادم لم يُقصِ أحدًا، لأن الحسين لا ينظر إلى "من أنت"، بل إلى "ما أنت"، ولا يهمه اسمك أو نسبك، بل موقفك.
نوحٌ صنع سفينته ومرّت فوق كربلاء، وكانت الأرض تهيج وتموج، تنذر بعاقبة المتخلفين عن ركوبها.
أما سفينة الحسين، فقد رست في كربلاء، ومنها انطلقت، وما زالت تطوف الدنيا تنادي، تبكي، تبحث عن راكبين.
سفينتان، في زمنين، والطوفان واحد: طوفان الغفلة، والخذلان، وتبلد القلوب.
وفي المرتين، فشلت الأمة الأولى ضيّعت نبيًا، والثانية خذلت إمامًا،
وتبقى لنا الفرصة الأخيرة: سفينة القائم (عج)،
تلك التي لن يركبها المتردد، ولا المتخاذل، ولا من جعل هواه ربًا.
فلنروّض نفوسنا من الآن،
لئلا نكون ممن يراها تلوح ثم يُقذف خارجها.
8 شهر الاحزان 1447هـ







د.أمل الأسدي
منذ 9 ساعات
عناوين أم عنوانات؟
وفد المرجعية .. عمل دؤوب لا إعلام كذوب
شباب المواكب الحسينية
EN