أصبح هذا السؤال حاضراً بقوة مع الانتشار الكبير للمكملات الغذائية وترويجها على أنها وسيلة سهلة وسريعة لتعزيز الصحة والوقاية من الأمراض. علمياً يعتمد الجسم البشري في توازنه الحيوي على الحصول على العناصر الغذائية الأساسية من الغذاء الطبيعي حيث تدخل الفيتامينات والمعادن ضمن مسارات أيضية معقدة تعمل بتناغم دقيق وهو ما لا توفره المكملات بنفس الكفاءة في معظم الحالات.
الغذاء المتوازن لا يزود الجسم بالعناصر الغذائية فحسب بل يقدمها في صورة متكاملة تشمل الألياف والمركبات النباتية النشطة (Phytochemicals) ومضادات الأكسدة التي تلعب دوراً مهماً في تقليل الالتهاب وحماية الخلايا من التلف التأكسدي. كما أن امتصاص العناصر الغذائية من الطعام يخضع لتنظيم فسيولوجي دقيق في الأمعاء مما يقلل خطر التراكم السام بعكس بعض المكملات التي قد تُمتص بكميات تفوق حاجة الجسم.
من الناحية العلمية تعمل الفيتامينات والمعادن كعوامل مساعدة للإنزيمات (Cofactors) في التفاعلات الحيوية مثل دور فيتامينات B في إنتاج الطاقة أو دور الحديد في نقل الأكسجين عبر الهيموغلوبين أو دور فيتامين D في تنظيم توازن الكالسيوم وصحة العظام والمناعة. وعندما يحدث نقص حقيقي في أحد هذه العناصر تتأثر هذه المسارات الأيضية، وهنا تبرز أهمية المكملات كوسيلة علاجية لتعويض النقص واستعادة الوظائف الطبيعية.
توجد بالفعل حالات مثبتة علمياً تستدعي استخدام المكملات الغذائية مثل الحمل الذي يتطلب زيادة حمض الفوليك للوقاية من تشوهات الأنبوب العصبي، أو نقص فيتامين B12 لدى النباتيين، أو هشاشة العظام المرتبطة بنقص فيتامين D والكالسيوم، إضافة إلى بعض الأمراض المعوية التي تقلل امتصاص العناصر الغذائية. في هذه الحالات يكون وصف المكملات مبنياً على فحوصات مختبرية وتقييم طبي دقيق.
في المقابل تشير الدراسات إلى أن الاستخدام غير المبرر للمكملات لا يمنح فائدة إضافية للأشخاص الأصحاء بل قد يحمل مخاطر محتملة. فزيادة الجرعات من الفيتامينات الذائبة في الدهون مثل A وD وE وK قد تؤدي إلى التسمم، بينما قد تسبب الجرعات العالية من بعض المعادن اضطرابات قلبية أو كلوية. كما أن بعض المكملات قد تتداخل مع الأدوية مثل تأثير الكالسيوم أو الحديد في امتصاص بعض المضادات الحيوية.
علمياً لا يمكن اعتبار المكملات الغذائية وسيلة وقائية عامة من الأمراض المزمنة كما يتم الترويج لها أحياناً إذ تُظهر الأبحاث أن الوقاية الحقيقية ترتبط بنمط حياة صحي يشمل نظاماً غذائياً متوازناً ونشاطًا بدنياً منتظماً وتنظيم النوم وتقليل التوتر. أما المكملات فهي أدوات علاجية مساندة تستخدم عند وجود حاجة حقيقية ولا يمكنها أن تحل محل الغذاء الطبيعي أو تعوض نمط الحياة غير الصحي.







د.فاضل حسن شريف
منذ 4 ايام
حينما تصبح النفايات مرآة لثقافة المجتمع وتمدنه
الريفُ العراقيّ .. إضطهادٌ مستمرّ
الإصلاح الثقافي .. من أين نبدأ ؟
EN