يعد فحص الدهون في الدم واحداً من أهم الفحوصات الطبية التي يمكن لأي شخص القيام بها لمعرفة مدى صحة قلبه وشرايينه. فالكثير من أمراض القلب لا تظهر عليها أعراض واضحة في بدايتها وقد يبقى الإنسان لسنوات يظن أن صحته جيدة بينما تتراكم الدهون تدريجياً داخل الأوعية الدموية دون أن يشعر. ولهذا يعتبر هذا الفحص وسيلة بسيطة لكنها قوية للكشف المبكر عن أي خلل قد يقود مع الوقت إلى مشاكل خطيرة.
عندما نتحدث عن "الدهون في الدم" فنحن لا نقصد الدهون التي نأكلها فقط بل مجموعة من الجزيئات المهمة التي يقوم الجسم بتصنيعها أو امتصاصها من الطعام وأبرزها: الكوليسترول الكلي (Total Cholesterol) والدهون منخفضة الكثافة LDL التي تعرف بالكوليسترول "الضار"، والدهون عالية الكثافة HDL التي تسمى بالكوليسترول "النافع"، إضافة إلى الدهون الثلاثية (Triglycerides) وهي نوع من الطاقة المخزنة في الجسم.
ارتفاع نسبة الكوليسترول الضار LDL يشكل أحد أخطر العوامل التي تضعف صحة القلب لأنه يميل إلى الالتصاق بجدران الشرايين مكوّناً طبقات دهنية تسمى "لويحات". ومع مرور الوقت تضيق الشرايين وتقل كمية الدم التي تصل للقلب والدماغ ما يزيد من احتمالية الإصابة بالجلطات والذبحة الصدرية. وفي المقابل يلعب الكوليسترول النافع HDL دوراً وقائياً؛ فهو يساعد على نقل الدهون المتراكمة بعيداً عن الشرايين إلى الكبد ليتم التخلص منها ولذلك فإن انخفاض مستواه يعد أيضاً مؤشراً غير جيد.
أما الدهون الثلاثية فهي ترتفع غالباً بسبب كثرة تناول السكريات والدهون أو بسبب السمنة ونقص الحركة. ومع أن البعض لا يعطيها أهمية كبيرة إلا أن ارتفاعها يسبب التهاب الشرايين ويزيد بشكل ملحوظ من خطر أمراض القلب والبنكرياس.
تكمن أهمية فحص الدهون في أنه يقدم صورة مبكرة عن وضع الشرايين حتى قبل ظهور أي أعراض. فإذا كانت الأرقام طبيعية فهذا يمنحك طمأنينة وإذا كانت مرتفعة فهذا إنذار مبكر يسمح لك بالتحرك لتعديل نمط حياتك سواء بتغيير الغذاء أو زيادة النشاط البدني أو اتباع علاج يحدده الطبيب عند الحاجة. والأهم أن نتائج هذا الفحص لا تخبرك فقط عن صحتك الحالية بل تعطيك فكرة عن المخاطر المستقبلية التي يمكن تجنبها بسهولة.
إجراء الفحص بسيط للغاية يعتمد على عينة دم صغيرة ويفضل أن يكون الشخص صائماً لساعات قليلة للحصول على نتائج دقيقة. وبعد ذلك يصبح الطريق واضحاً إذا كانت النتائج سليمة فهذا شيء مطمئن أما إذا كانت غير متوازنة فسيكون لديك فرصة ذهبية لتصحيح المسار قبل حدوث أي ضرر.
في النهاية يبقى فحص الدهون في الدم واحداً من أهم الفحوصات التي يمكن لأي شخص القيام بها كجزء من الرعاية الصحية الدورية. فهو ليس اختباراً يتعلق بالأرقام فقط بل نافذة تكشف مدى صحة القلب وحيوية الشرايين وتوفر فرصة حقيقية لاتخاذ خطوات بسيطة تحميك من أمراض كان بالإمكان تجنبها بسهولة لو تم اكتشافها مبكراً.







د.فاضل حسن شريف
منذ 4 ايام
قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
الهدي الفطري الداخلي للإنسان
الإصلاح الثقافي .. من أين نبدأ ؟
EN