سلسلة مفاهيم في الفيزياء
الجزء السابع والتسعين: كيف نفهم نسبية التزامن في زمكان مينكوفسكي؟
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
سنطرح الآن سؤالًا يستكمل ما ناقشناه في المقال السابق: ماذا يحدث لو اخترنا ساعة مرجعية مختلفة؟ هل سيؤدي ذلك إلى وصف مختلف للزمن، أم أن النتيجة ستبقى هي نفسها في النهاية؟
لنفترض، على وجه التحديد، أننا اخترنا الساعة الهدف 2 لتكون هي الساعة المرجعية. وبالطريقة نفسها التي استخدمناها سابقًا، نحدد مجموعة الساعات المشتركة في الحركة بالنسبة لهذه الساعة الجديدة، ثم نقوم بمعايرة هذه الساعات وضبط توقيتها باستخدام الوصفة ذاتها التي اعتمدناها من قبل. وفي هذه الحالة نفترض أن الساعة الهدف 1 تتم مزامنتها مع الساعة الهدف 2 عندما تكونان متجاورتين، ولتكن القراءة المشتركة عند تلك اللحظة هي الساعة 12:00.
ما يلفت الانتباه فورًا في هذا البناء الجديد هو أن شرائح التساوي في الزمن في النظام الإحداثي الناتج — الذي يمكن أن نشير إليه بالإحداثيات الأولية — لا تتطابق مع الشرائح التي ظهرت في النظام الأصلي، بل تكون مائلة بالنسبة لها. فكل نظام إحداثي من هذين النظامين يحدد مجموعته الخاصة من الأسطح التي تُعطى لها القيمة الزمنية نفسها.
ولو كان التزامن الإحداثي — أي إعطاء نفس الإحداثي الزمني لحدثين ما — يعكس علاقة فيزيائية حقيقية قائمة في الطبيعة نفسها، لكان أحد هذين النظامين فقط صحيحًا، ولكان الآخر وصفًا خاطئًا. غير أن النسبية الخاصة تُبيّن أن هذا ليس هو الحال. فبما أنه لا توجد علاقة تزامن موضوعية بين الأحداث المفصولة بفاصل شبيه بالفراغ، فإن شرائح التساوي في الزمن في أي نظام إحداثي ليست أفضل ولا أسوأ توافقًا مع هندسة الزمكان من غيرها.
يمكن رؤية هذه الفكرة بوضوح أكبر في تخيل الرسوم البيانية للزمكان التي نستخدمها عادةً. ففي هذه الرسوم، تتحرك المسارات الخاصة بالساعات المشتركة في الحركة على هيئة خطوط مستقيمة متوازية. كما أن هذه المسارات تكون مائلة بطريقة منتظمة بالنسبة لشرائح التساوي في الزمن الخاصة بالنظام الإحداثي الذي ننظر من خلاله إلى الزمكان.
ويتضح من الرسم أن مسارات الساعات تميل إلى الأعلى في المخطط الزمكاني، بينما تميل شرائح التساوي في الزمن في الاتجاه المعاكس. ويظهر شعاع الضوء في هذه الرسوم على هيئة خط يقسم الزاوية بين هذين الاتجاهين. بمعنى آخر، إذا كان ميل المسار العالمي للساعة الرئيسية يساوي مقدارًا معينًا، فإن ميل سطح التساوي في الزمن المرتبط بذلك النظام الإحداثي يكون المقلوب الهندسي لذلك الميل. ونتيجة لذلك، تكون الزاوية بين شعاع الضوء ومسار الساعة مساوية دائمًا للزاوية بين شعاع الضوء وسطح التساوي في الزمن المرتبط بها. وهذه العلاقة لا تعكس خاصية فيزيائية عميقة بقدر ما تعكس ببساطة الطريقة التي اعتدنا بها رسم المخططات الزمكانية.
إن حقيقة أن شرائح التساوي في الزمن تختلف من نظام إحداثي إلى آخر تُعرف باسم Relativity of simultaneity . وغالبًا ما يُقال في سياق النسبية إن مفهوم التزامن يصبح نسبيًا بالنسبة للمراقب أو لحالته الحركية. ويمكن بالفعل أن نرى قدرًا من الصحة في هذا الوصف، لكنه قد يسبب في الوقت نفسه قدرًا من الالتباس بقدر ما يقدّم من توضيح.
فالجوهر الحقيقي للفكرة في النسبية ليس أن المراقبين يختلفون فقط في حكمهم على التزامن، بل إن التزامن نفسه لا يمثل علاقة فيزيائية موضوعية بين الأحداث المفصولة بفاصل شبيه بالفراغ. وبعبارة أخرى، لا توجد حقيقة في الطبيعة تحدد ما إذا كان حدثان بعيدان قد وقعا في اللحظة نفسها على نحو مطلق.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم أن «نسبية التزامن» ليست إلا نتيجة لاختلاف أنظمة الإحداثيات التي نستخدمها لوصف الزمكان. فكل نظام إحداثي يحدد إحداثيًا زمنيًا خاصًا به، ولكل إحداثي زمني أسطحه الخاصة التي تبقى قيمته عليها ثابتة. وهذه الأسطح تختلف من نظام إلى آخر، لكنها جميعًا تمثل طرقًا متكافئة لوصف البنية الهندسية نفسها.
إن ما نعرفه باسم Lorentz coordinates ليس سوى فئة خاصة من أنظمة الإحداثيات الممكنة. وتمتاز هذه الإحداثيات بأنها الأبسط والأكثر تناظرًا عند العمل في زمكان Minkowski spacetime . ومع ذلك، فليست هي الأنظمة الوحيدة الممكنة. وكما سنرى لاحقًا عند الانتقال إلى النسبية العامة General relativity، قد لا توجد أصلاً إحداثيات لورنتزية صالحة في بعض الأزمنة-الأمكنة المنحنية.
وفي مثل تلك الحالات قد تفشل الإجراءات العملية التي وصفناها لتحديد نظام إحداثي. فقد لا توجد مجموعة من الساعات العطالية المشتركة في الحركة يمكن استخدامها أساسًا لبناء شبكة زمنية منتظمة. ومع ذلك، تبقى الظواهر الفيزيائية نفسها قابلة للوصف، حتى في غياب نظام إحداثي بسيط. ومن الأمثلة البارزة على ذلك ظاهرة التوأم، التي تمثل تأثيرًا فيزيائيًا حقيقيًا يمكن فهمه مباشرة من بنية الزمكان، وتظل صحيحة حتى في إطار النسبية العامة.
وتساعدنا الأنظمة الزمنية المختلفة أيضًا على فهم ما يسمى بالتمدد الزمني المعتمد على الإحداثيات. فكثيرًا ما يُعرض التمدد الزمني بالعبارة الشائعة: «الساعات المتحركة تدق ببطء». لكننا ندرك الآن أن هذا التعبير مضلل إلى حد كبير، لأنه يوحي بوجود تمييز فيزيائي بين ساعات «متحركة» وأخرى «ساكنة».
أما في النسبية، فلا يوجد مثل هذا التمييز المطلق. فجميع الساعات المثالية المتطابقة تدق بالمعدل نفسه، ويكون معدلها دائمًا متناسبًا مع الفاصل الزمكاني المقاس على طول مساراتها في الزمكان. وما يبدو كاختلاف في معدلات الساعات ليس في الحقيقة إلا انعكاسًا لاختلاف المسارات التي تسلكها هذه الساعات عبر الزمكان، أو لاختلاف الإحداثيات التي نستخدمها لوصف تلك المسارات.
يتبع في الجزء 98…







اسعد الدلفي
منذ 1 يوم
من أدب الدفاع المقدس.. ( لا تكتملُ البهجة إلا بحزن )
الريفُ العراقيّ .. إضطهادٌ مستمرّ
كيف قتلت الدارونية (50) مليون من البشر؟!
EN