0

بمختلف الألوان
لقد عاش السواد الأعظم من الأجيال السابقة بمهارات محدودة-تبعاً لمحدودية أدواتهم-لكنها مكنتهم من الوصول الى خط النهاية بسلام وأمان. أما الألفية الثالثة فقد فرضت على جيلها ضرورة امتلاك سلة (كاملة) من المهارات. كمهارة التعلم والابتكار، ومهارة الثقافة المعلوماتية والإعلامية والتكنلوجية، ومن أبرزها... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
هرمية المعرفة من "الكتاب" إلى "الإنجيل"

منذ 1 شهر
في 2026/08/19م
عدد المشاهدات :181
في مشهدٍ قرآنيٍّ مهيب، يخاطب اللهُ عزَّ وجلَّ نبيَّه عيسى ابن مريم (ع) في يوم القيامة، مذكّراً إيّاه بالنعم الغامرة التي أسداها إليه، ومن أبرزها ذلك التعليم الإلهي الاستثنائي: ﴿وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾. قد يمرّ الناظرُ على هذه الآية مروراً عابراً، فيظنّ أنَّ "الكتاب" و"الحكمة" هما مجرّد إشارة إلى التوراة والإنجيل نفسيهما، ولكن الوقوف المتأمّل عندها، وبخاصّة في ضوء مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)، يكشف عن بناءٍ معرفيٍّ هرميٍّ متكامل، يصنّف مراتب العلم الإلهي تصنيفاً دقيقاً، ويؤسّس لنظريّةٍ عميقةٍ في التلقي والاجتهاد.
أولاً: بلاغة العطف.. التفريق بين العام والخاص
أوّل ما يلفت الانتباه في هذه الآية الكريمة هو أسلوب العطف، الذي يقرّبه علماء الإمامية من باب "عطف الخاصّ على العام"، أو "التفصيل بعد الإجمال". فالتوراة والإنجيل ليسا مكرّرين للفظ "الكتاب"، بل هما تجلّياتٌ خاصّةٌ لعلمٍ أوسع، كأنّ الآية تقول: إنّي علّمتك العلم الإلهي الشامل (الكتاب)، ثمّ فهمتْك باطنه (الحكمة)، ثمّ خصصتُك بعلم شريعة موسى وتفاصيلها (التوراة)، وأخيراً أوحيتُ إليك كتابك الخاصّ (الإنجيل).
هذا الأسلوب البلاغي ليس مجرّد زخرفة لفظيّة، بل هو منهجٌ في ترتيب الأولويّات المعرفيّة، يؤكّد أن مقام عيسى (ع) العلمي لم يكن محدوداً بما أُنزل عليه فقط، بل كان غارقاً في بحر العلم الإلهي الأزليّ.
ثانياً: "الكتاب".. جنس العلم الإلهي المدوّن
عندما نبحث عن المراد بـ"الكتاب" في فكر أهل البيت (ع)، نجد امتداداته تتجاوز المفهوم المادّي للورق والحبر. جاء في تفسير القمّي ومجمع البيان وفي الروايات المتواترة عن الأئمّة (ع) أنّه يحمل دلالات متكاملة:
1: مطلق الكتابة والمعرفة الإلهية، أي تعليم النّبي عيسى أصول القراءة والكتابة، والاطّلاع على المكتوبات السماويّة السابقة.
2: جنس الكتب السماويّة عموماً، بحيث يكون عيسى (ع) عالماً بحقائق جميع النصوص الإلهيّة، وليس بنصّه هو فقط.
3: أصول التشريع والقوانين الإلهيّة الكليّة التي تظلّ ثابتة في كلّ الشرائع، وهي القواعد الأمّ التي تنبثق عنها التفاصيل.
وهكذا، يكون "الكتاب" هو الإطار النظريّ الجامع، أو ما يمكن أن نسمّيه "فلسفة التشريع" و"أصول الدين" في آنٍ واحد.
ثالثاً: "الحكمة".. روح العلم وبصيرته الباطنيّة
لا تقف "الحكمة" عند حدود الفلسفة المجرّدة أو المنطق الذهني، بل تتجاوز ذلك إلى ما هو أعمق في مدرسة أهل البيت (ع). فقد ورد عن الإمام الصادق (ع) قوله: إن الحكمة المعرفة والتفقه في الدين، فمن فقه منكم فهو حكيم .
وبناءً على ذلك، فإن الحكمة هي:
· الفهم العميق الذي يخرق حجب النصوص إلى مقاصدها.
· الإصابة في القول والفعل، أي القدرة على تطبيق النظريّة في الواقع.
· معرفة حقائق الأشياء، وإدراك العلل الباطنيّة للتشريع.
فإذا كان "الكتاب" هو المادّة الخام للعلم، فإن "الحكمة" هي الروح التي تُحيي تلك المادّة، وهي التي تجعل صاحبها قادراً على التمييز بين الناقل والفاهم، بين الحافظ والمحقّق.
رابعاً: فلسفة الترتيب.. من الأعمّ إلى الأخصّ
لا يمكن إغفال البُعد التربويّ العميق في ترتيب هذه المصطلحات الأربعة. إنّه تدرّجٌ بيداغوجيٌّ معجز:
1. الكتاب (العلم النظري) : يؤسّس للمنظومة الفكريّة الكبرى.
2. الحكمة (الفهم الباطنيّ): يضفي على النظريّة عمقاً وجوديّاً ووجهةً تطبيقيّة.
3. التوراة (الشريعة السابقة) : يمنح النّبي إلماماً بالتراث الدينيّ والتاريخ التشريعيّ.
4. الإنجيل (الوحي الخاصّ) : يختصّه بالرسالة النهائيّة الموكلة إليه.
فالآية إذن ترسم مساراً تعليمياً يراعي التدرج من المجرّد إلى الملموس، ومن الكلّيّ إلى التفصيلي، ممّا يؤكّد أن المعرفة الإلهية ليست فوضويّة، بل هي منظومةٌ محكمة البناء.
خامساً: العلم اللدني.. سابق على نزول الوحي
من أعمق الإشارات العقدية التي تستخلصها المدرسة الإمامية من هذه الآية، هي أن مقام عيسى (ع) العلمي لم يكن مولّداً من الإنجيل فقط، بل كان سابقاً عليه. فهو (ع) قد أُعطي "الكتاب والحكمة" قبل أن يُعطى الإنجيل، ممّا يعني أن أنبياء الله يحملون علماً لدنياً موهوباً إلهياً، لا يتوقّف على نزول الصحيفة الخاصّة بهم.
هذه الرؤية تُحدث نقلةً نوعيةً في فهمنا للوحي؛ فالوحي ليس مجرّد إملاء خارجي، بل هو تفجيرٌ لمعارف إلهيّة كامنة في جوهر النّبي، وتذكيرٌ لها بقدر ما هو تنزيلٌ جديد. ولذلك، فإن عيسى (ع) كان "حكيمًا" و"عالِمًا" بالكتب السابقة حتى قبل أن يُمسك بإنجيله بين يديه، وهذا يعكس اتّصالاً روحياً دائماً بالمصدر الإلهي.

اعضاء معجبون بهذا

حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ يومين
2026/09/22
عندما نسمع كلمة القسطرة قد نعتقد أن الأمر يقتصر على فتح شريان مغلق، لكن الحقيقة أن...
منذ 4 ايام
2026/09/20
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وسبعة عشر: الهندسة غير الإقليدية: من سطح...
منذ 4 ايام
2026/09/20
مع حلول الثالث من الشهر الجاري (آب 2026)، يتجدد قلق الشارع العراقي وشريحة الموظفين...