0

بمختلف الألوان
من منا يجازف بإنكار حقيقة أن أغلب أدوات التقدم العلمي والتكنلوجيا الحديثة جاءت لخدمة المجتمعات البشرية ؟ حيثُ قصّرت الوقت وقلّلت الجهد ومحت المسافات، فأصبح العسير سهلاً يسير المنال.. ولكن- وكما هو معلوم- ان كل شيء متى ما زاد عن حده انقلب ضده ! فالإفراط باستخدام التقنية وبشكل عشوائي وغير منضبط،... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
حينَ يَتَطَهَّرُ القَلْبُ مِن ضَجِيجِ المُلْك

منذ 3 شهور
في 2026/08/19م
عدد المشاهدات :450

لم يكن الليلُ يومئذٍ ليلًا…
بل كان سِتارًا من حيرةٍ مُدلهمة، تتعثّر فيه الأرواحُ كالغرباء في دروبٍ لا تُفضي.
في أقاصي اليمن، حيثُ كانت القصورُ تُزهرُ على ضفاف السلطان، جلس أثيب اليماني وحده، كأنّ المُلكَ من حوله صدىً أجوف، وكأنّ النِّعَمَ التي تَفَيَّأتْها يداه لم تكن سوى غبارٍ يلوح ثم يذوب.
كان قلبُه — على اتّساعه — أضيقَ من أن يحتملَ ثِقلَ همٍّ واحد، يتكاثرُ في صدره كليلٍ بلا فجر.
قال في سرّه:
كيف يُهزمُ رجلٌ وهو يملكُ ما يملك؟ وكيف يضيقُ الصدرُ وفيه من الدنيا ما فيه؟
لكنّ الجوابَ لم يكن في خزائن الذهب، ولا في حواشي الجند، بل كان يتوارى… في مكانٍ لم يبلغه بعد.
وفي تلك الليلة…
حينَ هدأت الأصواتُ إلا من أنين قلبه،
رأى كأنّ نداءً يشقُّ الظلمة شقًّا:
"قُم… إلى بابِ مَن إن طُرِقَ فُتِح، وإن سُئِلَ أُجيب، وإن دُعِيَ أجاب… إلى أميرِ المؤمنين."
انتفض كأنّ الحلمَ يقظة، وكأنّ الصوتَ قدرٌ لا يُرد.
وكانت المدينة في صباحها تشبه قلبًا نقيًّا،
وحين بلغ بابَ الإمام، كان يحمل في صدره من الاضطراب ما لو وُزِّع على الجبال لاهتزّت.
دخل…
فإذا بالمجلس نورٌ لا يُرى، ولكن يُحَسّ،
وإذا بـعليٍّ (عليه السلام) جالسٌ كأنّه ميزانُ السموات، تسكن عنده الفوضى، وتخضع لديه العواصف.
تقدّم أثيب، وهيبةُ اللقاء تُذيب في لسانه فصاحته، لكنه قال:
"يا أمير المؤمنين… لقد عجمتني الدهور، وأرهقني عدوٌّ لا يُقهر، وغلبني بكثرة جنده… فهل من نجاة؟"
نظر إليه الإمام نظرةً لم تكن نظرًا… بل كشفًا.
كأنّه رأى قلبه قبل أن يسمع قوله،
وكأنّه قرأ حزنه قبل أن يُفصح عنه.
ثم قال بصوتٍ لو أُنزل على الصخر لرقّ:
"يا هذا… إنّ النصر ليس في كثرة العدد، ولا في حدّة السيف… إنما هو في صدق القصد، وصفاء السرّ."
وأملى عليه دعاءً…
لم يكن كلماتٍ تُكتب، بل أبوابًا تُفتح،
حروفه تلمع كنجومٍ في ليل الضراعة،
ومعانيه تتنزّل كالغيث على أرضٍ عطشى.
ثم قال:
"احفظه… ولا تدعْه، فإنّ فيه سرًّا لو صدقتَ فيه، لَسارت الجبالُ بأمرك، ومشيتَ على البحر بلا قدم."
خرج أثيب…
لكنه لم يكن الذي دخل.
عاد إلى اليمن…
لكنّ الطريق لم يكن طريقًا، بل تطهيرًا.
كان يقرأ الدعاء، لا بلسانه فحسب، بل بقلبٍ بدأ يتخفّف من أثقاله،
وكان كلّ يومٍ يمرّ، يُسقِطُ من داخله صنمًا:
صنمَ الغرور،
وصنمَ الاتّكال على الأسباب،
وصنمَ الخوف من غير الله.
ثم مضت السنون…
وأثيب لم يعد ذاك الأمير الذي كان،
بل صار قلبًا يمشي على الأرض، ووجهًا يتهجّى معنى الخشوع.
ولمّا حضرته الوفاة، أوصى:
"أن يدفن في أرض الغري… حيثُ تُخفَّفُ عن المؤمنين الأعباء ."
كانت وصيّةً تشبهه…
مشبعةٌ بسرٍّ عظيم.
وفي يومٍ كانت الشمس فيه تميلُ كأنّها تُودّع،
دخلت جنازته إلى أرض النجف، محمولةً على ظهر بعير،
كأنّها رحلةُ روحٍ عرفت أخيرًا أين تستقر.
وكان الإمام علي (عليه السلام) ينتظر…
لا انتظارَ الجسد، بل استقبالَ الوفاء.
فلما سُئل ولداه عن سرّ قدومهم من تلك البلاد البعيدة، قالا:
"أوصانا أبونا أن يُدفن هنا… حيث يُدفن رجلٌ لو شفع لأهل الموقف لشُفّع."
فابتسم الإمام…
ابتسامةَ العارفين، وقال:
"أنا — والله — ذلك الرجل."
وهكذا…
لم يكن صافي الصفا اسمَ مكان،
بل صار مقامًا…
مقامَ قلبٍ تصفّى من كلّ شيء، حتى لم يبقَ فيه إلا الله.
فمن أراد النجاة…
فليبحث عنها لا في كثرة ما يملك،
بل في صدق ما يكون.

اعضاء معجبون بهذا

الرابع (د)
بقلم الكاتب : وائل الوائلي
قصة قصيرة مستوحاة من الواقع العراقي عن طلاب أعدموا لأنهم كتبوا ما لم يحتمل الطغيان قراءته . لم تكن السبورةُ سوداء تماماً في ذلك الصباح؛ كان عليها غبارٌ أبيض، وبقايا معادلةٍ رياضية، وأثرُ قلبٍ صغيرٍ رسمه أحد الطلاب قرب النافذة. وكانت الشمس تتسلّل إلى الصفّ من زجاجٍ مغبرّ، فتوقظ على المقاعد الخشبية... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أحد الصفوف المترامية من مدرسةِ الحيِّ القديمة، حيث تنعكسُ الشمسُ على... المزيد
في زاويةٍ معتمةٍ من سجن "النهضة" بمحافظة الديوانية، كان الليلُ ينسكبُ ثقيلاً... المزيد
يقف "سمُّ الخياط" أسطورةً ناصعة في الذاكرة الإنسانية، تلك البوابة الضيقة التي... المزيد
بين أزقة بغداد المترعة بعبق الورق وذاكرة الحبر، وفي ذلك الشارع الذي تنهب فيه روح... المزيد
قراءة في الدروب من سيرة الشهيد القائد إبراهيم الحاج ((أبو محمد السلمان)) للكاتب عبد... المزيد
كانت تلاحقه خيبات عام 2024 في أفق الذاكرة كغيوم داكنة لا تمطر سوى الأسى، حاملة معها... المزيد
في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان قائد السرب،...
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق الجدران الطينية...
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا يتجاوز...
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن وزهــــــــا...


منذ 6 ايام
2026/11/02
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء المائة واثنان وعشرون: النسبية العامة عند...
منذ اسبوعين
2026/10/26
لا يُعدّ لمس الطفل واحتضانه مجرد تعبير عن الحب والحنان، بل هو تجربة حسية مهمة تؤثر...
منذ اسبوعين
2026/10/25
تُعدّ الصواعق الرعدية من أبرز الظواهر الجوية التي تحدث في الغلاف الجوي، وتمثل...