0

بمختلف الألوان
لقد عاش السواد الأعظم من الأجيال السابقة بمهارات محدودة-تبعاً لمحدودية أدواتهم-لكنها مكنتهم من الوصول الى خط النهاية بسلام وأمان. أما الألفية الثالثة فقد فرضت على جيلها ضرورة امتلاك سلة (كاملة) من المهارات. كمهارة التعلم والابتكار، ومهارة الثقافة المعلوماتية والإعلامية والتكنلوجية، ومن أبرزها... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
حينَ يَتَطَهَّرُ القَلْبُ مِن ضَجِيجِ المُلْك

منذ 1 شهر
في 2026/08/19م
عدد المشاهدات :239

لم يكن الليلُ يومئذٍ ليلًا…
بل كان سِتارًا من حيرةٍ مُدلهمة، تتعثّر فيه الأرواحُ كالغرباء في دروبٍ لا تُفضي.
في أقاصي اليمن، حيثُ كانت القصورُ تُزهرُ على ضفاف السلطان، جلس أثيب اليماني وحده، كأنّ المُلكَ من حوله صدىً أجوف، وكأنّ النِّعَمَ التي تَفَيَّأتْها يداه لم تكن سوى غبارٍ يلوح ثم يذوب.
كان قلبُه — على اتّساعه — أضيقَ من أن يحتملَ ثِقلَ همٍّ واحد، يتكاثرُ في صدره كليلٍ بلا فجر.
قال في سرّه:
كيف يُهزمُ رجلٌ وهو يملكُ ما يملك؟ وكيف يضيقُ الصدرُ وفيه من الدنيا ما فيه؟
لكنّ الجوابَ لم يكن في خزائن الذهب، ولا في حواشي الجند، بل كان يتوارى… في مكانٍ لم يبلغه بعد.
وفي تلك الليلة…
حينَ هدأت الأصواتُ إلا من أنين قلبه،
رأى كأنّ نداءً يشقُّ الظلمة شقًّا:
"قُم… إلى بابِ مَن إن طُرِقَ فُتِح، وإن سُئِلَ أُجيب، وإن دُعِيَ أجاب… إلى أميرِ المؤمنين."
انتفض كأنّ الحلمَ يقظة، وكأنّ الصوتَ قدرٌ لا يُرد.
وكانت المدينة في صباحها تشبه قلبًا نقيًّا،
وحين بلغ بابَ الإمام، كان يحمل في صدره من الاضطراب ما لو وُزِّع على الجبال لاهتزّت.
دخل…
فإذا بالمجلس نورٌ لا يُرى، ولكن يُحَسّ،
وإذا بـعليٍّ (عليه السلام) جالسٌ كأنّه ميزانُ السموات، تسكن عنده الفوضى، وتخضع لديه العواصف.
تقدّم أثيب، وهيبةُ اللقاء تُذيب في لسانه فصاحته، لكنه قال:
"يا أمير المؤمنين… لقد عجمتني الدهور، وأرهقني عدوٌّ لا يُقهر، وغلبني بكثرة جنده… فهل من نجاة؟"
نظر إليه الإمام نظرةً لم تكن نظرًا… بل كشفًا.
كأنّه رأى قلبه قبل أن يسمع قوله،
وكأنّه قرأ حزنه قبل أن يُفصح عنه.
ثم قال بصوتٍ لو أُنزل على الصخر لرقّ:
"يا هذا… إنّ النصر ليس في كثرة العدد، ولا في حدّة السيف… إنما هو في صدق القصد، وصفاء السرّ."
وأملى عليه دعاءً…
لم يكن كلماتٍ تُكتب، بل أبوابًا تُفتح،
حروفه تلمع كنجومٍ في ليل الضراعة،
ومعانيه تتنزّل كالغيث على أرضٍ عطشى.
ثم قال:
"احفظه… ولا تدعْه، فإنّ فيه سرًّا لو صدقتَ فيه، لَسارت الجبالُ بأمرك، ومشيتَ على البحر بلا قدم."
خرج أثيب…
لكنه لم يكن الذي دخل.
عاد إلى اليمن…
لكنّ الطريق لم يكن طريقًا، بل تطهيرًا.
كان يقرأ الدعاء، لا بلسانه فحسب، بل بقلبٍ بدأ يتخفّف من أثقاله،
وكان كلّ يومٍ يمرّ، يُسقِطُ من داخله صنمًا:
صنمَ الغرور،
وصنمَ الاتّكال على الأسباب،
وصنمَ الخوف من غير الله.
ثم مضت السنون…
وأثيب لم يعد ذاك الأمير الذي كان،
بل صار قلبًا يمشي على الأرض، ووجهًا يتهجّى معنى الخشوع.
ولمّا حضرته الوفاة، أوصى:
"أن يدفن في أرض الغري… حيثُ تُخفَّفُ عن المؤمنين الأعباء ."
كانت وصيّةً تشبهه…
مشبعةٌ بسرٍّ عظيم.
وفي يومٍ كانت الشمس فيه تميلُ كأنّها تُودّع،
دخلت جنازته إلى أرض النجف، محمولةً على ظهر بعير،
كأنّها رحلةُ روحٍ عرفت أخيرًا أين تستقر.
وكان الإمام علي (عليه السلام) ينتظر…
لا انتظارَ الجسد، بل استقبالَ الوفاء.
فلما سُئل ولداه عن سرّ قدومهم من تلك البلاد البعيدة، قالا:
"أوصانا أبونا أن يُدفن هنا… حيث يُدفن رجلٌ لو شفع لأهل الموقف لشُفّع."
فابتسم الإمام…
ابتسامةَ العارفين، وقال:
"أنا — والله — ذلك الرجل."
وهكذا…
لم يكن صافي الصفا اسمَ مكان،
بل صار مقامًا…
مقامَ قلبٍ تصفّى من كلّ شيء، حتى لم يبقَ فيه إلا الله.
فمن أراد النجاة…
فليبحث عنها لا في كثرة ما يملك،
بل في صدق ما يكون.

اعضاء معجبون بهذا

حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ يومين
2026/09/22
عندما نسمع كلمة القسطرة قد نعتقد أن الأمر يقتصر على فتح شريان مغلق، لكن الحقيقة أن...
منذ 4 ايام
2026/09/20
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وسبعة عشر: الهندسة غير الإقليدية: من سطح...
منذ 4 ايام
2026/09/20
مع حلول الثالث من الشهر الجاري (آب 2026)، يتجدد قلق الشارع العراقي وشريحة الموظفين...