0

بمختلف الألوان
من منا يجازف بإنكار حقيقة أن أغلب أدوات التقدم العلمي والتكنلوجيا الحديثة جاءت لخدمة المجتمعات البشرية ؟ حيثُ قصّرت الوقت وقلّلت الجهد ومحت المسافات، فأصبح العسير سهلاً يسير المنال.. ولكن- وكما هو معلوم- ان كل شيء متى ما زاد عن حده انقلب ضده ! فالإفراط باستخدام التقنية وبشكل عشوائي وغير منضبط،... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
في آخر الليل

منذ 3 شهور
في 2026/08/19م
عدد المشاهدات :493
حين انطفأت ضوضاء المدن، وبقيت الأرواح ساهرةً على جراحها، كان رجلٌ يقف عند نافذةٍ ضيّقةٍ من بيتٍ متواضع، يحدّق في السماء كأنّه يبحث عن نافذةٍ أوسع من هذه الحياة.
كان يشعر أنّ الأرض قد ضاقت عليه بما رحُبت، وأنّ الأبواب التي طرقها أوصدت في وجهه، وأنّ الوجوه التي استنصرها أدارت عنه ملامحها. لم يبقَ له إلا بابٌ لا يُغلق، ولا يَحجُبُهُ حاجب، ولا تردهُ حُجُبُ الملوك.
رفع كفّيه، لا إلى الفضاء، بل إلى من يملأ الفضاء، وقال بصوتٍ متهدّجٍ كأنّه يخرج من أعماق بئرٍ بعيدة:
“يا من نواصينا بيدك… يا من تعلم سرّنا وعلانيتنا، وتطّلع على نياتنا كما تطّلع الشمس على الوجوه… إنّك تعلم ما حلّ بي قبل أن أشكوه، وتعرف ما يُصلحني قبل أن أسألك.”
لم يكن ظلمه وليد ساعة، بل كان ظلًّا طويلاً امتدّ فوق أيامه، يتبعه حيثما سار. رجلٌ مُنح سلطاناً فتوهم أنّ السلطان خُلِق له، وأُعطي نعمةً فظنّها شهادةَ تفوّقٍ لا أمانةَ ابتلاء. فتكبّر، وتجبر، وبغى، حتى خُيّل إليه أن حلم الله عنه ضعف، وأن إمهاله عجز.
أما المظلوم، فكان قلبه بين كفّي الخوف والرجاء. كلّما ضاقت به السبل، انفتحت في داخله ساحةُ توكّلٍ لا حدّ لها. كان يقول لنفسه:
“إن فاتني ناصرٌ من البشر، فلن يفوتني نصير السماء. وإن غلبني سلطان الأرض، فلن يغلبني سلطان القدر.”
وفي ليلةٍ أثقلها القهر، سجد سجدته الأطول، كأنّه يريد أن يذوب في التراب ليصل إلى السماء. قال:
“يا ربّ، إن كان في سابق علمك أن يلين قلبه، فألقِ في صدره نوراً يردعه قبل أن تزيل عني نعمتك. وإن كان غير ذلك، فكن لي كما وعدت: ناصرَ المظلوم، وكافلَ المقهور، وملجأَ المستضعف.”
كانت كلماته ترتجف، لا من شكّ، بل من شدة الرجاء.
لم يكن يريد انتقاماً بقدر ما كان يريد عدلاً.
ولم يكن يتمنى سقوط خصمه، بقدر ما كان يتمنى قيام الحقّ.
وفجأةً، أحسّ بشيءٍ يتبدّل في داخله. لم تتغير السماء، ولم تتزلزل الأرض، لكن قلبه هدأ. أدرك أنّ الله لا يعجل لعجلة العباد، وأنّ الأناة ليست إهمالاً، بل ميزانٌ أدقّ من كلّ الموازين.
ومضت الأيام.
وفي صباحٍ لم يختلف في ظاهره عن غيره، تبدّلت الأحوال. سقطت أقنعة، وانكشفت خفايا، واهتزّ عرشُ الظلم الذي كان يبدو راسخاً. لم تكن ضربةً مدوّية، بل كانت انكشافاً هادئاً كطلوع الفجر، لكنّه فجرٌ لا يُبقي للظلام أثراً.
أما الرجل، فوقف مرةً أخرى عند نافذته، غير أنّ نظرته لم تكن كسابق عهدها. لم يعد يحدّق في السماء باحثاً عن خلاص، بل شاكرًا على لطفٍ خفيٍّ كان يسير معه وهو لا يشعر.
قال همساً:
“يا من لا يخلف الميعاد… علمتُ الآن أنّ حلمك ليس ضعفاً، وأن تأخيرك ليس إهمالاً، وأن يدك فوق كل يد، ولو طال انتظار المظلوم.”
ثم أطرق برأسه، وقد امتلأ قلبه يقيناً:
أنّ العدالة قد تتأخر، لكنها لا تضيع.
وأنّ باب الله، إذا فُتح، أغنى عن كلّ الأبواب.

اعضاء معجبون بهذا

الرابع (د)
بقلم الكاتب : وائل الوائلي
قصة قصيرة مستوحاة من الواقع العراقي عن طلاب أعدموا لأنهم كتبوا ما لم يحتمل الطغيان قراءته . لم تكن السبورةُ سوداء تماماً في ذلك الصباح؛ كان عليها غبارٌ أبيض، وبقايا معادلةٍ رياضية، وأثرُ قلبٍ صغيرٍ رسمه أحد الطلاب قرب النافذة. وكانت الشمس تتسلّل إلى الصفّ من زجاجٍ مغبرّ، فتوقظ على المقاعد الخشبية... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أحد الصفوف المترامية من مدرسةِ الحيِّ القديمة، حيث تنعكسُ الشمسُ على... المزيد
في زاويةٍ معتمةٍ من سجن "النهضة" بمحافظة الديوانية، كان الليلُ ينسكبُ ثقيلاً... المزيد
يقف "سمُّ الخياط" أسطورةً ناصعة في الذاكرة الإنسانية، تلك البوابة الضيقة التي... المزيد
بين أزقة بغداد المترعة بعبق الورق وذاكرة الحبر، وفي ذلك الشارع الذي تنهب فيه روح... المزيد
قراءة في الدروب من سيرة الشهيد القائد إبراهيم الحاج ((أبو محمد السلمان)) للكاتب عبد... المزيد
كانت تلاحقه خيبات عام 2024 في أفق الذاكرة كغيوم داكنة لا تمطر سوى الأسى، حاملة معها... المزيد
في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان قائد السرب،...
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق الجدران الطينية...
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا يتجاوز...
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن وزهــــــــا...


منذ 6 ايام
2026/11/02
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء المائة واثنان وعشرون: النسبية العامة عند...
منذ اسبوعين
2026/10/26
لا يُعدّ لمس الطفل واحتضانه مجرد تعبير عن الحب والحنان، بل هو تجربة حسية مهمة تؤثر...
منذ اسبوعين
2026/10/25
تُعدّ الصواعق الرعدية من أبرز الظواهر الجوية التي تحدث في الغلاف الجوي، وتمثل...