0

بمختلف الألوان
من منا يجازف بإنكار حقيقة أن أغلب أدوات التقدم العلمي والتكنلوجيا الحديثة جاءت لخدمة المجتمعات البشرية ؟ حيثُ قصّرت الوقت وقلّلت الجهد ومحت المسافات، فأصبح العسير سهلاً يسير المنال.. ولكن- وكما هو معلوم- ان كل شيء متى ما زاد عن حده انقلب ضده ! فالإفراط باستخدام التقنية وبشكل عشوائي وغير منضبط،... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
الوصيّة الأخيرة

منذ 3 شهور
في 2026/08/24م
عدد المشاهدات :538

كان البيت في سُرَّ مَن رأى يلفّه ذلك الصمت الذي يسبق الرحيل، صمت ثقيل كأنه غيمة من الحزن تتهيأ للانهمار. الجمعة توشك أن تُسفر عن غدائها، والفجر بعد لم يجفّ نداه على أعتاب الدار، حين أحسّ أبو محمدٍ الحسن بن عليٍ أن الروحَ التي أُودِعت أمانة في جسده منذ ثمان وعشرين سنة قد آن لها أن تعود إلى مستقرِّها الأول.
طوال تلك الليلة، والقلم بين أصابعه لا يهدأ، كانت الرسائل تتدفق من يده كأنها آخر ما يُبقي على الشمس أن تطلع من جديد؛ كتب إلى المدينة، ووصايا إلى الموالين، وأسرار لا يحملها إلا من اؤتُمن عليها. وكأنّ الرجل الذي يودّع الدنيا كان يزرع، في تلك الساعات الأخيرة، بذورا لن تنبت إلا بعد حين.
ثم جاء الصباح، فجاء معه الوجع.
نادى خادمه عقيدا، ذاك الرجل النوبيَّ الذي شهد في هذا البيت أطهر الوصايا وأثقلها، فقال له بصوتٍ أنهكه المرض: "اغلِ لي ماء بمصطكى."
مضى عقيد يُنفّذ الأمر وكأنه يؤدي آخر خدمةٍ يعرف قدرها، وجاءت به صقيلُ الجارية، أمُّ الخَلَف، تحمل القدح بين يدين ترتجفان من هول ما تتوقعه، لا مما تحمله.
مدّ الحسنُ يده نحو القدح، حتى صكّ القدحُ ثناياه. فتركه من يده، ونظر إلى عقيدٍ بعينين فيهما من النور ما لا تحمله عينٌ تُحتضَر، وقال:
"ادخل البيت، فإنك ترى صبيا ساجدا، فأْتِني به."
كلماتٌ بسيطة، لكنها كانت أشبه بمفتاحٍ يُدار في قفلِ ، سرٍّ طواه أهل البيت عن الدنيا سنين طويلة.
دخل عقيد، والدهشة تسبق خطاه. وهناك، في عمق الغرفة التي لم تكن يوما فارغة كما تبدو، وجد صبيا ساجدا، رافعا سبّابته نحو السماء، كأنما يخاطب بها ربَّه في همسٍ لا يسمعه إلا مَن منحه الله أذنَ القلب. سلّم عليه عقيد، فأوجز الصبيُّ في صلاته - إيجاز من يعلم أن الدنيا تنتظره، لا إيجاز من استخفّ بمناجاة ربه.
"إن سيدي يأمرك بالخروج إليه."
عند ذلك أقبلت أمّه صقيل، فأخذت بيد ابنها الصغير، وخرجت به نحو أبيه.
حين مثل الصبيُّ بين يدي أبيه، ورآه أبو محمدٍ، لم يملك عبرته. كان دَرِيَّ اللون، في شعر رأسه قططٌ لطيف، مفلّج الأسنان، كأنّ نور النبوة يتراءى من مُحيّاه الصغير قبل أن ينطق بحرف. بكى الحسنُ، ذلك البكاء الذي لا يشبه بكاء الجزع، بل بكاء مَن يرى تمام الأمر يتحقق أمام عينيه، وقال بصوتٍ يتهدّج من الوجع والشوق معًا:
"يا سيد أهل بيته، اسقني الماء، فإني ذاهب إلى ربي."
فتناول الصبيُّ القدحَ بيدٍ لم تكبر بعد على حَمل مقادير الدنيا، وحرّك شفتيه بشيءٍ لم يسمعه أحد غير السماء، ثم سقى أباه.
فلما شرب أبو محمدٍ، قال: "هيّئوني للصلاة."
طُرح منديل في حجر الصبي، فتوضّأ أبوه على يديه، عضوا عضوا، بيد صغيرةٍ تؤدي أعظم خدمةٍ عرفتها الأرض، ومسح على رأسه وقدميه. وحين تمّت الطهارة، نظر الأبُ إلى ابنه نظرة من استودع الأمانة صاحبها، وقال:
"أبشر يا بنيّ، فأنت صاحب الزمان، وأنت المهديّ، وأنت حجّة الله على أرضه، وأنت ولدي ووصيّي. أنا ولدتك، وأنت محمد بن الحسن بن علي، أنت خاتم الأئمة الطاهرين، وبشّر بك رسول الله صلى الله عليه وآله، وسمّاك وكنّاك بذلك، عهدٌ عهده إليّ أبي عن آبائك الطاهرين، صلى الله على أهل البيت، ربنا إنه حميد مجيد."
وما إن استقرت الكلمة الأخيرة في الفضاء، حتى فاضت روحُ أبي محمدٍ الحسن بن علي إلى بارئها، فمضى إلى ربّه راضيا مرضيا، وبقي الصبيُّ الصغير واقفا، حاملا على كتفيه الصغيرين ميراث النبوّة كله، ووصيّةَ آبائه الطاهرين، وأملَ أمةٍ بأسرها.
لم تكن تلك اللحظةَ نهاية، بل كانت فجرا يستتر خلف الغيم، ينتظر أوانه ليُشرق على الدنيا من جديد.

اعضاء معجبون بهذا

الرابع (د)
بقلم الكاتب : وائل الوائلي
قصة قصيرة مستوحاة من الواقع العراقي عن طلاب أعدموا لأنهم كتبوا ما لم يحتمل الطغيان قراءته . لم تكن السبورةُ سوداء تماماً في ذلك الصباح؛ كان عليها غبارٌ أبيض، وبقايا معادلةٍ رياضية، وأثرُ قلبٍ صغيرٍ رسمه أحد الطلاب قرب النافذة. وكانت الشمس تتسلّل إلى الصفّ من زجاجٍ مغبرّ، فتوقظ على المقاعد الخشبية... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أحد الصفوف المترامية من مدرسةِ الحيِّ القديمة، حيث تنعكسُ الشمسُ على... المزيد
في زاويةٍ معتمةٍ من سجن "النهضة" بمحافظة الديوانية، كان الليلُ ينسكبُ ثقيلاً... المزيد
يقف "سمُّ الخياط" أسطورةً ناصعة في الذاكرة الإنسانية، تلك البوابة الضيقة التي... المزيد
بين أزقة بغداد المترعة بعبق الورق وذاكرة الحبر، وفي ذلك الشارع الذي تنهب فيه روح... المزيد
قراءة في الدروب من سيرة الشهيد القائد إبراهيم الحاج ((أبو محمد السلمان)) للكاتب عبد... المزيد
كانت تلاحقه خيبات عام 2024 في أفق الذاكرة كغيوم داكنة لا تمطر سوى الأسى، حاملة معها... المزيد
في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان قائد السرب،...
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق الجدران الطينية...
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا يتجاوز...
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن وزهــــــــا...


منذ 6 ايام
2026/11/02
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء المائة واثنان وعشرون: النسبية العامة عند...
منذ اسبوعين
2026/10/26
لا يُعدّ لمس الطفل واحتضانه مجرد تعبير عن الحب والحنان، بل هو تجربة حسية مهمة تؤثر...
منذ اسبوعين
2026/10/25
تُعدّ الصواعق الرعدية من أبرز الظواهر الجوية التي تحدث في الغلاف الجوي، وتمثل...