Logo

بمختلف الألوان
ـ نشأ أميرُ المؤمنينَ وسيِّدُ الوصيّينَ عليُّ بن أبي طالبٍ (عليه السّلام) منذُ نعومةِ أظفارِهِ في حِجرِ رسولِ اللهِ (صلّى الله عليه وآله) وتغذَّى من مَعِينِ هَديهِ، وكانَ أوَّلَ المؤمنينَ بِهِ والمُصدِّقِين، وفدى النبيَّ بنفسِهِ حتَّى نزلَ فيهِ قولُهُ تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ... المزيد
أخر المواضيع


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
الحث على الصدقة في السراء والضراء

منذ 4 ساعات
في 2026/09/09م
عدد المشاهدات :55

حسن الهاشمي
الصدقة في الإسلام ليست عبادةً مرتبطة بوفرة المال وسعة الحال، ولا فعلًا لا يُقبل عليه الإنسان إلا حين تبتسم له الدنيا؛ بل هي عبادةٌ تُلازم المؤمن في سرّائه وضرّائه، في غناه وفقره، في قوته وضعفه، ولذلك مدح القرآن الكريم أهل الإنفاق بأنهم ينفقون في أحوالهم كلّها، فقال تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) آل عمران: 134.
أخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله تعالى: ("الذين ينفقون في السراء والضراء" يقول: في اليسر والعسر) الدر المنثور للسيوطي: ٢ / ٣١٦. نعم، المقصود بـ (فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) هو: في اليسر والعسر، وفي حال الغنى والحاجة، وفي أوقات الرخاء والشدة.
والتعبير القرآني أبلغ من مجرد قولنا "في اليسر والعسر"، لأن السراء تشمل ما يسرّ الإنسان من صحةٍ ونعمةٍ وسعةٍ، بينما الضراء تشمل ما يصيبه من مرضٍ أو فقرٍ أو شدةٍ ومكروه، وفي سياق الحديث عن التقوى والصدقة يمكن صياغتها هكذا: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ)، أي إن المتقين لا يجعلون الإنفاق مقصورًا على أوقات اليسر والسعة، بل يبقى باب العطاء مفتوحًا عند العسر والشدة أيضًا؛ فينفقون في الغنى والفقر، وفي اليسر والعسر، وفي الرخاء والبلاء.
فالإنفاق في السرّاء دليل شكرٍ للنعم، والإنفاق في الضرّاء دليل صدقٍ في التوكّل على الله وثقةٍ بما عنده، ومن هنا كانت الصدقة في وقت الشدة ذات دلالةٍ إيمانية عميقة؛ لأن الإنسان حين يحتاج إلى المال لنفسه، ثم يقتطع منه شيئًا ليواسي به محتاجًا، إنما يعلن أن رزقه بيد الله، وأن ما عند الله خيرٌ وأبقى.
إن من أفضل الصدقات ما يبذله الإنسان مع قلّة ذات اليد، حين يجاهد نفسه في سبيل الإحسان ولا يجعل الفقر ذريعةً لقطع أبواب المعروف، ولذلك لا ينبغي أن تكون الصدقة محصورةً في المبالغ الكبيرة؛ فقد يكون القليل الذي يُبذل في وقت العسرة أعظم أثرًا في النفس وأبلغ دلالةً على الإخلاص من الكثير الذي يُعطى في وقت السعة، فالابتسامة صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وقضاء حاجة المؤمن صدقة، وإغاثة الملهوف صدقة، وكل معروفٍ يقدمه الإنسان للناس هو باب من أبواب الإحسان.
واعلم ان الصدقة في السراء شكر، وفي الضراء صبر، حين يوسّع الله على الإنسان في ماله، تكون الصدقة لونًا من ألوان شكر النعمة؛ فالمال نعمةٌ واختبار، ومن شكر النعمة أن يجعل الإنسان منها نصيبًا للفقراء والمحتاجين، أما حين تضيق به الحال، فإن الصدقة تتحول إلى امتحانٍ آخر: هل يبقى قلبه متعلقًا بالله، أم يصبح المال حائلًا بينه وبين فعل الخير؟
إن المؤمن الواعي لا يقول: إذا تحسنت ظروفي تصدقت، بل يقول: سأتصدق بما أستطيع، ولو كان قليلًا، فالله تعالى لا ينظر إلى ضخامة العطاء بقدر ما ينظر إلى صدق صاحبه وإخلاصه، ومن أجمل ما يرسّخ هذه الحقيقة قوله تعالى: (وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنفُسِكُمْ) البقرة: 272. فكل ما يقدمه الإنسان من خير لا يضيع عند الله، وإنما يعود أثره إليه في دنياه وآخرته.
في واقعنا اليوم ما أحوجنا إلى هذه الثقافة في زمنٍ تتزايد فيه حاجات الناس! فقد لا يستطيع الإنسان أن يتصدق بمبلغ كبير، لكنه يستطيع أن يقتطع شيئًا يسيرًا من مصروفه، أو يطعم محتاجًا، أو يساعد عائلة متعففة، أو يسهم في علاج مريض، أو يشارك في مشروع خيري.
ولعل أجمل صور الصدقة أن يجعل الإنسان لنفسه وردًا ثابتًا من العطاء، لا يقطعه الغنى ولا الفقر؛ فإن كان موسرًا وسّع، وإن كان معسرًا تصدق بما يستطيع، فالقليل المستمر يصنع في النفس روح الإحسان، ويجعل العطاء خلقًا راسخًا لا حالةً عابرة.
وهكذا تصبح الصدقة في السراء والضراء مدرسةً لتربية الإنسان على الشكر عند النعمة، والصبر عند الشدة، والإيثار عند الحاجة، والرحمة عند رؤية آلام الآخرين، ومن اعتاد أن يفتح يده للناس في أيام رخائه، وأبقى باب الخير مفتوحًا في أيام شدته، كان أقرب إلى معنى قوله تعالى: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
فليكن للصدقة مكانٌ في حياتنا دائمًا؛ لا تنتظر فائض المال، ولا تؤجل الخير إلى زمن الرخاء؛ لأن قيمة الصدقة ليست فيما تعطيه فقط، بل فيما تجاهد نفسك لتخرجه من قلبك ومالك في سبيل الله.
والسؤال الذي يطرح هنا ما علاقة التقوى بالصدقة في السراء والضراء؟ الإنفاق في السراء شكرٌ لله على نعمته، والإنفاق في الضراء دليلٌ على قوة التقوى والثقة بما عند الله، وهذا المعنى مهم جدًا في إبراز علاقة التقوى بالصدقة؛ لأن الآية جعلت الإنفاق في كلا الحالين صفةً من صفات المتقين.
تظهر العلاقة بين التقوى والصدقة في السراء والضراء بوضوح في قوله تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ)، فقد جعل القرآن الإنفاق في مختلف الأحوال من صفات أهل التقوى والإحسان، فالتقوى ليست مجرد شعورٍ في القلب أو كلماتٍ تُقال، وإنما هي مراقبةٌ لله تعالى تظهر آثارها في سلوك الإنسان وقراراته وعلاقته بالمال، ومن أبرز مظاهرها أن لا يجعل الإنسان حبّه للمال مانعًا له من أداء حق الله وحق المحتاجين.
فالصدقة في السراء ثمرةٌ للتقوى؛ لأن الإنسان حين تتسع عليه الدنيا لا ينسى أن ما في يده إنما هو فضلٌ من الله، فيبادر إلى شكر النعمة بالإنفاق، ولا يستأثر بالمال لنفسه، ولذلك يكون عطاؤه في وقت الغنى إعلانًا عن أن المال في يده وليس في قلبه.
أما الصدقة في الضراء فهي من أصدق علامات التقوى؛ لأن الإنسان في وقت الشدة يكون أحوج إلى المال، ومع ذلك يؤثر غيره بشيء مما يملك، وهنا يظهر صدق الإيمان، إذ لا ينظر إلى فقره وحده، بل يرى حاجة أخيه أيضًا، ويثق بأن خزائن الله لا تنفد.
وقد مدح القرآن المتقين بقوله تعالى: (وَسَارِعُوا إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مِن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) آل عمران: 133-134. واللافت أن الآية لم تقل: الذين ينفقون في السراء فقط، لأن التقوى الحقيقية لا تتغير بتغير الظروف؛ فالمؤمن التقي كريمٌ عند الغنى، معطاءٌ عند السعة، رحيمٌ عند الشدة، ولا يغلق باب الإحسان عندما تضيق به الدنيا.
ومن هنا يمكن القول إن الصدقة مقياس عملي للتقوى؛ فهي تكشف مدى تعلق الإنسان بالله، ومدى تحرره من عبودية المال، فإذا أعطى في الرخاء شكرًا، وأعطى في الشدة ثقةً وصبرًا، فقد جمع بين شكر النعمة والتوكل على الله والإحسان إلى خلقه.
ولذلك فإن قوله تعالى: (يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ) يحمل رسالة تربوية عميقة: لا تجعل التقوى مرتبطة بظرفك المالي؛ بل اجعل التقوى هي التي تحدد موقفك من المال في كل الظروف، فالصدقة في السراء تشكر النعمة، والصدقة في الضراء تختبر التقوى، وكلاهما يربيان القلب على أن يكون المال وسيلةً للخير لا غايةً للحياة.
دروس استثمارية ينبغي للآباء تعليمها لأبنائهم مبكراً
بقلم الكاتب : منتظر جعفر الموسوي
في عالم تتسارع فيه التحولات الاقتصادية وتتزايد فيه فرص الاستثمار والمخاطر المالية في الوقت نفسه، لم تعد الثقافة المالية والاستثمارية ترفاً يمكن تأجيله إلى مرحلة الاستقلال المالي، بل أصبح تعلّم أساسيات الادخار وإدارة المال وفهم الاستثمار، جزءاً من المهارات التي يجب اكتسابها منذ الطفولة. وبينما... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ... المزيد
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ... المزيد
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام... المزيد
تشير كتابات ومقالات الدكتور فاضل حسن شريف (التي تناول فيها الألفاظ القرآنية... المزيد
في تلك المساحة الرمادية الشاسعة التي نطلق عليها تارةً "الحب" وتارةً "الصداقة"،... المزيد
تطرق الدكتور فاضل حسن شريف في مقالاته ودراساته القرآنية ولغويات المعاجم إلى... المزيد
ثمة تواريخُ لا تكتفي بالمرور في تقويم العمر، بل تعسكر في الذاكرة كجيشٍ مدججٍ بالغياب. يوم...
زيد علي كريم /الكفل ليس كلُّ من ربّى اللحية أهلًا لها؛ فبين الناس من يتخذ اللحية تجارة، يقلب...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....
ويستمر الدكتور محمد حسين علي الصغير قائلا في كتابه الصوت اللغوي في القرآن عن علاقة الادغام...


منذ 3 ايام
2026/09/06
يُعد مشروع طريق التنمية من أهم المشاريع الاستراتيجية التي يمكن أن تؤثر في مستقبل...
منذ 3 ايام
2026/09/06
تناول الدكتور فاضل حسن شريف وغيره من الباحثين في الإعجاز الهندسي والإنشائي...
منذ 3 ايام
2026/09/06
عندما نتحدث عن الدماغ غالباً ما تتجه الأنظار مباشرةً إلى الخلايا العصبية (Neurons)...