0

بمختلف الألوان
لقد فاضلَ الله سبحانه وتعالى بحسب حكمته في التشريع بين الشهور كما فاضلَ بين الأيّام، وكما فاضل بين السّاعات لأجل أن تكون هذه الفضيلة منبّهات للإنسان على مزيدٍ من الجد والتبصّر والاستعداد للحياة الأخرى. فلو كان الإنسان مدعوّاً إلى عمل الخير في جميع الأوقات على وجهٍ واحدٍ لم يكن له حافز على استثمار... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
البيت الذي أكل أبناءه

منذ 5 ساعات
في 2026/10/28م
عدد المشاهدات :39
قصة قصيرة مؤلمة مستوحاة من حادثة حقيقية

في تكريت، حيث تتكئ البيوت على ذاكرة دجلة وتختلط حكايات الناس بأسرار الأزقة القديمة، كان بيت عائلة "فردوس" يبدو للناظرين حصنًا من السعادة. باب واسع، وغرف فسيحة، وأثاث يشي بالترف، وخزائن تحفظ من المال ما يكفي لأن يحلم أصحابها بما وراء الحدود. لم يكن ينقص ذلك البيت شيء من أسباب الحياة الرغيدة؛ فقد كان رب الأسرة صيدلانيًّا معروفًا يملك عدة صيدليات، وينفق على أبنائه الخمسة بسخاء، كأن المال عنده لغة أخرى للتعبير عن الحب.
كان شاهين، الابن الأكبر، يدرس الطب في ألمانيا، وكان أحمد يشق طريق الهندسة، أما طلال—أصغر الذكور—فكان يخطو سنواته الأولى نحو المستقبل، بينما كانت إسراء ومنى تعيشان في كنف الأسرة، محاطتين بالرغد والدلال.
لم يكن أحد يتصور أن هذا البيت، الذي اعتاد أن تُفتح أبوابه لاستقبال الحياة، سيغدو يومًا مكانًا تتوارى فيه الحقيقة خلف جدران صامتة.
جاءت الفاجعة الأولى في هيئة موتٍ لم تتضح أسراره؛ رحل الأب فجأة، ولم يستطع المحيطون به إيجاد تفسير يبدد الشكوك التي أحاطت بوفاته. قيل إن السم تسلل إلى جسده، وقيلت أشياء أخرى، لكن الموت حين يترك وراءه أسئلة بلا أجوبة، يفتح الأبواب على احتمالات أكثر ظلمة.
لم تكد الأسرة تستوعب غياب الأب حتى فقدت أحمد أيضًا؛ مات الشاب الذي كان يفترض أن يبني المستقبل، بعد تناوله مادة سامة لم تتحدد طبيعتها. وهكذا، في وقت قصير، انطفأ مصباحان من البيت، وبقيت الأم تتشبث بما تبقى من أبنائها، تخشى أن تمتد يد الغياب إلى آخر ما تملك.
كانت إسراء ومنى وطلال حولها، أما شاهين فكان بعيدًا في ألمانيا يواصل دراسته، غير مدرك أن المسافة بينه وبين عائلته لم تكن تُقاس بالكيلومترات، بل بأسرار تتراكم في البيت ولا يجد أحد طريقًا لكشفها.
منذ رحيل أحمد، تبدلت الأم. صار القلق رفيقها الدائم، وصارت عيناها تتبعان طلالًا كلما تحرك، تستوقفانه بالسؤال عن طعامه وشرابه، وتحيطان خطواته بحذر امرأة ذاقت الفقد مرتين. كانت تخاف عليه من العالم، ولم يخطر ببالها أن الخطر كان يجلس معها تحت سقف واحد.
في ألمانيا، اعتاد شاهين الاتصال بأمه وإخوته كل يوم؛ مكالمة قصيرة أحيانًا، وأخرى تمتد طويلًا للحديث عن الدراسة والبيت والطقس. لكن الهاتف، ذات يوم، ظل يرن بلا إجابة.
قال في نفسه إنهم مشغولون، فأعاد الاتصال في المساء، ثم في اليوم التالي. مر يوم، ويومان، وثلاثة، ولم يسمع صوت أمه الذي ألفه، ولا ضحكة أخته، ولا شكوى طلال من الدراسة. حاول أن يطرد القلق، غير أن القلق حين يجد بابًا مواربًا لا يخرج بسهولة.
مر أسبوع، ثم آخر، حتى صار الصمت أثقل من أن يُحتمل. أبلغ شاهين الشرطة العراقية، ورجاهم أن يتفقدوا منزل العائلة في تكريت. لم يكن يعلم وهو ينهي المكالمة أنه يطلب من أحدهم أن يفتح الصفحة الأخيرة من حكاية لم يعرف بدايتها الحقيقية.
وصلت الدورية إلى المنزل. كان الباب مغلقًا والنوافذ ساكنة، والجيران يتحدثون عن رائحة كريهة أخذت تنبعث من الداخل منذ أيام. لم يعد الصمت مجرد علامة غياب، بل قرينة على فاجعة تخشّى الأبواب إفشاءها.
وبعد استكمال الإجراءات، دخلت الشرطة.
هناك، انتهى الانتظار وبدأت المأساة. عُثر على الأم وطلال مقتولين؛ كشفت آثار العنف البالغ عن جريمة قاسية غيبت الملامح وأدمت القلوب. لكن السؤال الذي واجه المحققين لم يكن عن هوية القاتل فحسب، بل كان أشد إلحاحًا: أين إسراء ومنى؟
لم يكن للفتاتين أثر، أما الخزنة فقد وُجدت فارغة من الأموال والمجوهرات. بدا الأمر للوهلة الأولى كأن غريبًا اقتحم المنزل، وقتل من فيه، وسرق المحتويات واختطف الفتاتين. غير أن الجرائم الكبرى كثيرًا ما تنكشف من ثغرة صغيرة لا ينتبه إليها أحد.
لم تظهر علامات كسر على الأبواب أو النوافذ، مما فرض احتمالًا قاسيًا: لعل من دخلوا البيت لم يكونوا غرباء عنه. ثم جاء المنعطف الحاسم من عدسة صغيرة وضعها أحد الجيران لمراقبة سيارته؛ حيث أظهرت التسجيلات فتاتين تغادران المنزل قبل الجريمة، وتعودان بعد نصف ساعة تحملان أكياسًا، وفي تسجيل آخر، ظهرت الفتاتان ترتديان ملابس سوداء ونقابًا، وتحملان حقائب سفر.
اكتسبت الصور يقينًا قاطعًا حين رُبطت باختفاء الشقيقتين، وبحقيقة استخراجهما جوازي سفر جديدين قبل الجريمة بخمسة أيام.
عُممت بياناتهما، وأُلقي القبض عليهما في إقليم كردستان وهما تحاولان التوجه نحو تركيا. كان مظهرهما قد تغير؛ قصتا شعريهما و صبغتاه، واستخدمتا عدسات لاصقة، وعُثر بحوزتهما على أموال ومجوهرات بحدود ثلاثمئة ألف دولار.
أمام أجهزة التحقيق، انهارت الأكاذيب وسقطت الأقنعة، لتتكشف خيوط مسار أشد قتامة يمتد إلى ما قبل الجريمة بسنوات.
كان رحيل الأب أولًا، ثم أحمد، خطوة أولى في خطة أُعدت بدم بارد؛ خطة قوامها السم والرغبة في التخلص من أفراد الأسرة واحدًا تلو الآخر. لم يتبقَ سوى طلال وأمه، وهما آخر من يقف بين الفتاتين وبين الثروة والهروب.
كانت محاولات سابقة لتسميم طلال قد فشلت بفضل حذر الأم ومراقبتها لطعامه، ومع تعثر السم، اتجهت الأمور نحو نهاية أكثر دموية.
في يوم الجريمة، استدرجت الفتاتان طلالًا إلى المطبخ. شعرت الأم بأن أمرًا مريبًا يحدث، فلحقت بهما. هناك، في المكان الذي يفترض أن تُعد فيه الوجبات وتلتقي فيه الأسرة، هاجمت الفتاتان أمهما بالسكاكين.
سمع طلال الصراخ فأسرع يظن أنه خلاف عابر، لكنه وجد أمًا تُذبح وشقيقتين تحملان الموت. تجمد في مكانه، كأن اللحظة انتزعت منه القدرة على الاستيعاب؛ لم يكن الخطر غريبًا قادمًا من الشارع، بل كان وجهين يشاركهما الطفولة والذكريات.
اقترب من أمه وهو يبكي، وفي اللحظة التي حاول فيها الوصول إليها، باغتته إسراء بطعنة في الرقبة فسقط مضرجًا بدمائه. وحين حاولت الأم الزحف نحو ابنها رغم جراحها، واصلت منى الاعتداء عليها حتى فارقت الحياة، قبل أن تعودا إلى طلال وتنهيا حياته.
لم تكن المأساة في عدد الطعنات فحسب، بل في تلك اللحظة التي اكتشف فيها الصبي أن البيت الذي احتمى به طوال عمره قد غدا مسلخًا، وأن أقرب الناس إليه صاروا القتلة.
وبعد أن سكن كل شيء، لم يبق في المطبخ سوى الصمت. صمت الأشياء التي شهدت ما لا يمكنها أن ترويه.
شوّهت الفتاتان وجه الأم في محاولة لإخفاء المعالم، وأخذتا الأموال والمجوهرات، وانطلقتا نحو الحدود. وعندما سُئلتا عن الدافع، لم يكن ثمة حرمان أو اضطهاد؛ كان الدافع هو المال، والحلم بفرار رغيد بعيدًا عن قيد الأسرة.
وهنا تبدو المفارقة أشد مرارة من الجريمة ذاتها؛ فلم تكن الأسرة فقيرة تحاصرها الحاجة، بل كانت الثروة حاضرة والفرص المتاحة، ومع ذلك تحولت الرغبة في امتلاك المزيد إلى مقبرة للجميع. فالمال، مهما بلغ، لا يستطيع أن يمنح صاحبه ضميرًا، ولا أن يشتري الطمأنينة إذا استقر الخراب في الداخل.
أما شاهين، فقد عاد إلى العراق مثقلًا بفقد الأب والأم والإخوة، وبأسئلة لا يستطيع أي جواب أن يخفف وطأتها. غادر تكريت طالبًا للعلم يركض نحو المستقبل، وعاد إليها وقد صار الماضي نفسه عبئًا لا يستطيع حمله، بينما انتهت رحلة الشقيقتين خلف قضبان تنتظر القصاص القانوني.
وهكذا انتهت حكاية البيت الذي بدا يومًا رمزًا للثراء والاستقرار؛ رحل الجميع، وبقي شاهين وحيدًا يحمل ذاكرة عائلة لم يعد منها إلا الاسم.
لم يكن البيت فقيرًا في يوم من الأيام، لكنه افتقر في النهاية إلى الشيء الوحيد الذي لا تُشتريه الثروة: الأمان.
ولعل أكثر ما يوجع في هذه الحكاية أن الأم التي قضت أيامها الأخيرة خائفة على ابنها، تحرس طعامه وتراقب خطواته، لم تكن تعلم أن الخطر الذي تخشاه لم يدخل من الباب، بل كان ينام في الغرفة المجاورة.
وفي تكريت، بقي البيت قائمًا كما تقوم البيوت بعد رحيل أصحابها؛ جدران صامتة، وأبواب مغلقة، وذكريات تتآكل. غير أن بعض البيوت لا تسكنها الأشباح، بل تسكنها الأسئلة.. وأقسى الأسئلة جميعًا ذلك الذي تركته عائلة فردوس وراءها:
كيف يمكن لبيت أن يمنح أبناءه كل شيء، ثم يعجز عن أن يمنحهم سببًا واحدًا ليبقوا عائلة؟

اعضاء معجبون بهذا

يابعد روحي ياعلي
بقلم الكاتب : د.أمل الأسدي
منذ أن اخترتَ العراق لتسكن فيه وتحكم العالم منه، وتحفظ للإنسانية كرامتها منه، منذ تلك اللحظة وحتی الآن أنت حاضر في كل تفاصيل حياتنا، إذ صرت نهارنا الذي نعيشه بكل ما تعنيه الآية:((وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا ) فحبك هو (الشين) المتفشي، القوي الذي لاضد له!! واسمك هو المنتشر المتسيّد في حياتنا... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

قراءة في الدروب من سيرة الشهيد القائد إبراهيم الحاج ((أبو محمد السلمان)) للكاتب عبد... المزيد
كانت تلاحقه خيبات عام 2024 في أفق الذاكرة كغيوم داكنة لا تمطر سوى الأسى، حاملة معها... المزيد
في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان... المزيد
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق... المزيد
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا... المزيد
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما تحرك،...
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح قليلا.......
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على ألفِ ذراعٍ...
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا يستقر فوق كل...


منذ 1 اسبوع
2026/10/20
خلق الإنسان: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ [الحج:...
منذ 1 اسبوع
2026/10/20
تخيّل أن تدخل سيارتك، وتحدد وجهتك على الشاشة، ثم تنطلق السيارة في الطريق وتتعامل...
منذ 1 اسبوع
2026/10/20
هل لاحظت أن نبات البوتس لديك يطيل سيقانه باستمرار، بينما تبقى أوراقه صغيرة؟ ثم...