

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية


القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي


المجموعة الجنائية


قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي


القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية


القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني


قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية


المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات


علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية
تعريف الفساد اصطلاحاً
المؤلف:
صباح عبد الكاظم شبيب الساعدي
المصدر:
دور السلطات العامة في مكافحة ظاهرة الفساد الإداري في العراق
الجزء والصفحة:
ص 53-61
2025-10-28
1063
تناول الباحثون تعريف الفساد من زاوية تخصصاتهم، فالنظرة إلى الفساد ومحاولة تعريفه من قبل الباحثين تتأثر بالحقل العلمي للباحث وبالمنظور الذي ينطلق منه في التعريف، لذلك ليس هناك إجماع على تعريف الفساد يحظى بموافقة الباحثين كافة، ولعل تعريف البنك الدولي أقصر التعاريف فقد عرف الفساد بأنه (استغلال أو إساءة استعمال الوظيفة العامة من أجل المصلحة الخاصة)(1).
لقد ركز الاقتصاديون على العلاقة بين الاستثمار والتنمية الاقتصادية من جهة ونوعية المؤسسات الحكومية من جهة أخرى، واستنتجت هذه البحوث بأن ضعف المؤسسات العامة الذي هو أحد أهم أسباب الفساد يؤدي إلى انخفاض الاستثمار ومن ثم إلى بطء عجلة التنمية. فقد وضع معهد التنمية الاقتصادي (Economic Development Institute (التابع للبنك الدولي تعريفاً للفساد وهو :- الفساد بأبسط صوره استغلال السلطة للمنفعة الشخصية أو لمنفعة الآخرين ويكون دافعه الطمع في زيادة القوة والنفوذ) (2). كما وضعت مجموعة العمل التابعة للمجلس الأوربي - بناءً على تقرير وزير العدل الإيطالي في المؤتمر التاسع عشر لوزراء العدل الأوربيين عام 1994 التعريف الآتي: الفساد الذي تتعامل معه تلك اللجنة هو الرشوة أو اي تصرف آخر متعلق بأفراد أوكلت إليهم مسؤوليات في القطاع العام أو الخاص، بيد أنهم أخلوا بواجباتهم لمصلحتهم الخاصة (3).
أما السياسيون فقد ركزوا على علاقة الفساد بشرعية الحكم ونماذج القوى السياسية ودور مؤسسات المجتمع المدني، لذلك عرفه (روبرت تلمان R. Tillman) بأنه الفساد الذي يسود في بيئة تساند فيه السياسة العامة للحكومة نظاماً بيروقراطياً، وتتم معظم معاملاته في سرية نسبية ولا تفرض عليها جزاءات رسمية كالرشوة وتوظيف الأقارب من غير ذوي المؤهلات والخبرات.. وما إلى ذلك. بينما الفساد في علم الاجتماع علاقة اجتماعية تتمثل في انتهاك قواعد السلوك الاجتماعي في ما يتعلق بالمصلحة العامة، فقد عرفه (رونالدریث R.wrath ) و (سيمبكنز E.simpikins) بأنه كل فعل يعتبره المجتمع فاسداً، ويشعر فاعله بالذنب وهو يقترفه)(4). وأعتبر القانونيون أن الفساد انحراف عن الالتزام بالقواعد القانونية، وهذا هو الفساد الإداري عندما يخالف الموظف القواعد القانونية لمصلحته الخاصة او لمصلحة غيره (5) . لذلك تجنب المندوبون في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد تبني تعريف شامل للفساد معتبرين أن ذلك غير ممكن وغير ضروري، واقتصرت الاتفاقية على ذكر الأعمال الجرمية التي تعتبر سلوكاً فاسد (6) تاركه للدول الأعضاء إمكانية معالجة أشكال مختلفة من الفساد قد تنشأ مستقبلاً على أساس أن مفهوم الفساد مرن وقابل للتكييف بين مجتمع وآخر (7).
وقد وردت عدة تعاريف للفساد بصفة عامة فعرفه البعض بأنه (سوء استخدام اطراف أو افراد عموميين للأدوار والموارد العمومية أو استخدامهم لأشكال غير شرعية من النفوذ السياسي) (8). كما عرفه آخرون بأنه إساءة استخدام السلطة العامة لحساب المصالح الشخصية لأفراد أو جماعات بعينها) (9) . وبالمعنى نفسه جاء تعريف منظمة الشفافية العالمية وهو أن الفساد استغلال مركز السلطة من أجل المنفعة الخاصة). (10)
من خلال هذه التعريفات يتبين لنا أن الفساد بصورة عامة هو : استغلال السلطة للمصلحة الخاصة على حساب المصلحة العامة لهذا يمكن تعريف الفساد الإداري بأنه (تصرف وسلوك وظيفي سيء فاسد خلاف الإصلاح، هدفه الانحراف والكسب الحرام والخروج على النظام لمصلحة شخصية) (11). كما عرفه (هنتجتون Huntington) بأنه سلوك الموظف العام الذي ينحرف عن المعايير المتفق عليها لتحقيق أهداف وغايات خاصة. وعرفه (Joseph (Nye) بأنه (سلوك مخالف للواجب الرسمي بسبب المصلحة الشخصية... والاستفادة المادية أو استغلال المركز ومخالفة التعليمات لغرض ممارسة النفوذ والتأثير الشخصي... وكذلك يشتمل على سوء استخدام المال العام مثل التوزيع غير القانوني للموارد العامة من أجل الاستفادة الخاصة).
ويؤكد (Nathaniel Leff) على أن الفساد الإداري هو ( تقليد يستخدم من قبل الأفراد والجماعات للتأثير على النشاطات البيروقراطية يتمثل في ظهور مؤثرات تدل على أن الذين يشجعون على الفساد هم من بين الذين يسهمون في اتخاذ القرارات بشكل أكبر مما يجب أن تكون عليه الحالة الطبيعية). ويعرفه الدكتور صلاح الدين فهمي محمود بأنه (كل تصرف غير قانوني مادي أو أخلاقي من جانب العاملين، يسود في بيئة بيروقراطية، يهدف إلى تحقيق مصالح شخصية على حساب المصلحة العامة، مما يؤدي إلى هدر في موارد الدولة الاقتصادية، الأمر الذي ينعكس بالسلب على عمليات التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويؤدي إلى عدم الاستقرار السياسي)، أما موسوعة العلوم الاجتماعية فقد عرفته بأنه (استخدام النفوذ العام لتحقيق أرباح أو منافع خاصة من رشاوى للمسؤولين الإداريين والسياسيين أو القضاء ولا يقتصر على سلطة من السلطات أو كائن من مكونات الشعب أفرادا وجماعات) (12) . كما نجد أن البعض قد انطلق في تعريفه للفساد الإداري من إحدى الصور الشائعة كالرشوة والمحسوبية واستغلال المنصب العام وشراء أصوات الناخبين ويمكن الإشارة إلى عدد من هذه التعريفات (13):
أ- الرشوة: يركز كل من ارنولد روجو وهارولد لاسويل في تعريفهما للفساد الإداري على الرشوة (Bribery) باعتبارها جوهر الفساد والنمط الشائع له حيث أنها مدمرة للنظام العام لأن المرتشي لا يهمه سوى تحقيق المصلحة الشخصية ولو على حساب المصلحة العامة.
ب- المحسوبية: - يربط البعض في تعريف الفساد الإداري بينه وبين المحسوبية حيث يتم الاعتماد على الروابط الشخصية والعائلية بدلاً من معايير الكفاءة والخبرة في شغل الوظائف العامة، وهذه في الواقع صورة من صور الفساد الإداري.
ج- استغلال الوظيفة العامة - يعرف البعض الفساد الإداري من خلال الإشارة إلى إساءة استخدام الوظيفة العامة لغرض تحقيق مصلحة خاصة، ومنهم جيمس سكوت الذي عرفه بأنه ( السلوك القائم على التخلي عن الواجبات الرسمية المرتبطة بالوظيفة العامة في سبيل تحقيق مصلحة خاصة أو انتهاك لقواعد رسمية في سبيل تكوين أنماط معينة من النفوذ والتأثير لتحقيق مصلحة خاصة) (14) . أما (جيرمي بوب) فيعرف الفساد الإداري بأنه (سوء) استخدام السلطة الممنوحة لمنفعة شخصية) (15).
د- يعرف البعض الفساد الإداري والسياسي من منطلق إساءة استخدام المال للحصول على السلطة والنفوذ السياسيين حيث يمكن استخدام المال للتأثير في الرأي العام بما يؤدي إلى الفوز في الانتخابات وهزيمة المنافس الذي قد يكون الأصلح من الناحية الموضوعية، وقد يتم أجبار الخصم على الانسحاب وإعطاؤه التعويض المناسب أو شراء أصوات الناخبين. إن هذه التعاريف تقتصر على صورة واحدة فقط في حين أن للفساد أكثر من صورة ، لذلك فهي لم تعط تعريفاً كاملاً لمفهوم الفساد الإداري، وعليه فقد برزت عدة اتجاهات أهمها:
أولاً:- الاتجاه القانوني أو اتجاه الوظيفة العامة.
ظهر هذا الاتجاه في الستينيات من القرن الماضي بعد التخلي عن المعاني الأخلاقية لمفهوم الفساد ومن ابرز التعريفات التي تؤكد هذا المعنى تعريف (ناي) حيث يرى الفساد بأنه سلوك يحيد عن المهام الرسمية للوظيفة العامة بهدف الحصول على منافع خاصة، أو أنه انتهاك للقواعد مقابل ممارسة أنماط معينة من النفوذ التي تحركها اعتبارات خاصة، ومن أمثلة هذا السلوك الرشوة)، وسار على ذلك كثير من الباحثين في ربط مفهوم الفساد الإداري بمفهوم الوظيفة العامة، فيرى سنتوريا أن الفساد الإداري يتمثل في (إساءة استخدام السلطة العامة من اجل منفعة خاصة) ، ويرى اندرسكي أنه استخدام سلطة المنصب في تحقيق منفعة ذاتية بغض النظر عن القوانين والتنظيمات المرعية) (16) والملاحظ على هذه التعريفات أنها تعتمد على الوظيفة العامة باعتبارها ميداناً محدداً ومتميزاً عن المصلحة الخاصة وقد وجهت لهذا الاتجاه عدة انتقادات منها:
1. أنها تركز على تخطي قواعد الوظيفة العامة، كما أن مصطلح السلوك لا يقتصر على العمل غير القانوني في أداء أعمال الوظيفة العامة بل يشمل أيضاً عدم القيام بعمل من المفترض انجازه، فالفساد يحدث أحياناً من خلال عدم تطبيق الموظف للقوانين أو التعليمات(17).
2. أن هذه التعاريف تستبعد أنشطة التكتلات وجماعات المصالح القوية إلا إذا سعت إلى تحقيق أهدافها من خلال الرشوة أو انتهاك القواعد التي تحكم أداء الوظيفة العامة، لذلك فالحكومة التي تؤثر جماعة عرقية معينة أو إقليماً ما في عمليات توزيع الموارد العامة لا تكون حكومة فاسدة، لأنها أي التعاريف لا تهتم بأهداف وأولويات الحكومات قدر اهتمامها بسلوك الموظفين العموميين والطرق التي يستخدمونها في أداء وظائفهم العامة، وبما أن التشريعات نسبية وتختلف من مجتمع إلى آخر ، فأن ما يعد قانونيا وشرعياً في مجتمع ما، قد يعد فاسداً وغير قانوني في مجتمع آخر . وعلى سبيل المثال: فأن تقديم هدية إلى وزارة الإسكان - مثلاً - من إحدى شركات المقاولات قد يعتبر من قبيل المساهمات القانونية في بعض المجتمعات في حين أنه قد يعتبر في مجتمعات أخرى من قبيل أعمال الرشوة والفساد. وعلى الرغم من أهمية الاتجاه القانوني في تعريف الفساد فأن ثمة مجموعة من الاعتبارات ينبغي الإشارة إليها، فإذا كانت المشروعية القانونية يتم تحديدها بوساطة الطرف الأقوى سياسياً فأن ذلك يعني أن تبني المعيار القانوني في تحديد السلوك الفاسد يتضمن بالتبعية تأييد السلطة الأقوى بغض النظر عن اعتبارات العدالة.
3. إن مفهوم الوظيفة العامة يمثل مفهوماً غربياً لم يتم ترسيخه بعد في الدول النامية، ففي مثل هذه الدول عادة ما يشيع استخدام الرشوة والمحسوبية وإعطاء الهدايا بمقابل وجميعها إجراءات ربما تحظى بقبول المجتمع، ومن ثم فأن تعريف الفساد واستناداً إلى مفهوم الوظيفة العامة يعني في كثير من الدول فرض معايير سلوكية غريبة عليهم.
4. إن جعل مفهوم الوظيفة العامة محورياً في تعريف الفساد يستلزم قبول المعايير والإجراءات التي تحددها كل حكومة للوظائف العامة وذلك طبقاً لتشريعاتها الخاصة، وهذا يعني ضمناً الاعتراف بنظم القمع المطلقة والتي تنتهك حقوق الإنسان وحرياته الأساسية فبعض الحكومات على سبيل المثال: تبرر علنا استخدام التعذيب ضد أعداء الدولة فهل يمكن النظر إلى رجل الشرطة الذي يقبل الرشوة لعدم تعذيب متهم على أنه نوع من الفساد فكثيراً ما يلجأ الأفراد في ظل الأنظمة القمعية إلى دفع الرشاوى أو الفدية للسلطة أو أحد أفرادها من أجل التخلص من عقوبة أو إجراء لم يكن بالإمكان تفاديه بالطرق القانونية، وهذا ما يراه البعض وجهاً ايجابياً للفساد.
5. إن القواعد والإجراءات المحكمة التي تحدد الأدوار البيروقراطية تحتاج عادة إلى بعض المرونة حتى يمكن تفسيرها وتسيير الأعمال وقضاء مصالح الجمهور، ومن ثم يصبح القول بأن الفساد يعني تخطي هذه القواعد والإجراءات أمراً مثيراً للجدل ولا سيما إذا كان هذا التجاوز نافعاً وضرورياً. إن من أهم أسباب الفساد الإداري هو تعقيد الإجراءات والروتين في انجاز العمل فهل يعتبر تجاوز الروتين والإجراءات المعقدة فساداً لأنه يخالف الأنظمة والتعليمات الرسمية ؟ فأحيانا يكون تخطي الروتين للمصلحة العامة أمراً ضرورياً، لأن من طرق مكافحة الفساد الإداري هو (تبسيط الإجراءات) فكثيراً ما يستغل الروتين والإجراءات المعقدة لابتزاز الآخرين، وغالباً ما يضطر الإفراد الى دفع مبالغ للموظفين العموميين من اجل الإسراع في تقديم الخدمة وتجاوز الروتين وهو ما يطلق عليه: التسريع أو التليين أو المقابل أو البرطيل أو الحلاوة أو البقشيش أو الإكرامية.
6. إن الاعتماد على مفهوم الوظيفة العامة في تعريف الفساد لا يسمح بدراسة أشكال الفساد التي سادت المجتمعات القديمة، فاصطلاح الوظيفة العامة وتمييزه عن المجال الخاص حديثة نسبياً، ففي العصور الوسطى كان الملوك ينظرون إلى الدول باعتبارها إقطاعية خاصة يمكن توزيع ثرواتها ومواردها على أهل الحظوة والمقربين، وبالمثل فأن الموظفين الملكيين كانوا ينظرون إلى مناصبهم على أنها ميدان خاص بهم فكانوا لا يفرقون بين ضرائب فرضوها أو رسوم جمعوها وبين ثرواتهم الخاصة (18)
ثانياً: اتجاه المصلحة العامة
لمواجهة الانتقادات السابقة ركز عدد من الكتاب في تعريف الفساد الإداري على مفهوم المصلحة العامة، حيث نظروا إلى الفساد باعتباره سلوكاً ضاراً بالمصلحة العامة ويتضمن تحويل المصلحة العامة لتحقيق منافع ذاتية، وطبقاً لتعريف ( كارل فردريك) فأن الفساد يوجد إذا قام من يمتلك السلطة، وهو مكلف بأداء أعمال معينة ومن خلال تلقيه أموالاً أو منافع أخرى غير قانونية باتخاذ أعمال من شأنها تحقيق النفع لمن قدم هذه المكافآت ومن ثم الإضرار بالمصلحة العامة.
أما ( روجار ولاسويل) فقد عرفا العمل الفاسد بأنه العمل الذي ينتهك المسؤولية تجاه النظام المدني أو العام، حيث أن هذا النظام يعلي من شأن المصلحة العامة ويضعها فوق المصلحة الخاصة، وعليه فأن انتهاك المصلحة العامة من أجل تحقيق منافع خاصة يعد من قبيل الفساد، وقد ميزا في تعريفهما بين التعريفات الاصطلاحية والتعريفات الوظيفية، فالأولى تستخدم في سياق اجتماعي معين وفي فترة تاريخية محددة، أما الثانية فهي تستخدم لأغراض التحليل العلمي، ومن ثم فهي تصلح للمجتمعات كافة وتعنى بتقديم نماذج للتحليل العلمي المقارن، فاذا نظرنا الى الرشوة مثلاً : فأنها طبقاً للتعريف الوظيفي تعد سلوكاً فاسداً نظراً لكونها ضارة بالمصلحة العامة، ومع ذلك فمن الناحية الاصطلاحية يوجد اختلاف كبير في توصيف النظم المدنية أو العامة من مجتمع إلى آخر، فالنظام القانوني لبعض المجتمعات قد يهتم فقط بمتلقي الرشوة ويغض الطرف عن مقدمها. وقد لا يعتد في بعض المجتمعات إلا بالمكافآت والإغراءات الضخمة للقول بأنها تدخل في عداد الرشوة، بيد أن هناك مجتمعات أخرى تنظر إلى صور الإغراء كافة مهما قلت قيمتها على أنها رشوة محرمة والرشوة قد تعني الحصول على منافع ذاتية أو توقع الحصول عليها، كما أنها لا تتمثل فقط في الإغراء بالحصول على منافع معينة بل في تجنب التعرض لخسائر حقيقية أو متوقعة كالتهرب من الضرائب أو الغرامة أو العقوبة، كذلك لا تعتبر الرشوة الصورة الوحيدة من صور الفساد الأكثر إضرارا بالمصلحة العامة فالاختلاس واستغلال الوظيفة العامة وهدر الأموال العامة كلها تؤدي إلى الإضرار بالمصلحة العامة (19). إن ابرز الصعوبات التي تواجه هذا الاتجاه هي عمومية مفهوم المصلحة العامة، فهو يختلف من مجتمع إلى آخر ويخضع لتفسيرات متعددة من قبل جماعات المصالح المتنافسة، ولا شك أن هذا الأمر يضفي نوعاً من الغموض على أنماط السلوك التي يمكن إدراجها تحت مفهوم الفساد، فبعض جماعات المصالح الخاصة تزعم أن أهدافها تندرج تحت إطار المصلحة العامة، غير أنه لا توجد وسائل متفق عليها للحكم على مثل هذه المزاعم، كما يلاحظ أن الجماعات الحاكمة في كثير من الدول تستخدم مفهوم المصلحة العامة لتحقيق سيطرتها على المجتمع، فهي تطرح مصلحتها الخاصة باعتبارها تمثل المصلحة العامة، وقد تستخدم مثل هذا الاتجاه في إنكار حقوق وحريات جماعات معينة، وفي ظل سيادة نمط الحكم المطلق في كثير من الدول النامية حيث يصبح شخص الحاكم هو محور النظام السياسي في الدولة، يقع الخلط بين مصلحة الحاكم ومصلحة الدولة والمجتمع، فالحاكم :هو رب العائلة والمجاهد الأكبر و مواليمو - أي المعلم في إفريقيا - و القائد الضرورة.... الخ، وعليه فالفرد في هذا المجتمع يمكن أن يتبوأ أسمى المراكز ويغدق عليه من الخيرات بقدر ولائه لشخص الحاكم بغض النظر عن قدراته ومؤهلاته الموضوعية فضلا عن أن البعض يرى أن للفساد في الدول النامية آثاره الايجابية في عملية التنمية والتحديث فهو يكون حافزاً لإثارة النقد والمساءلة مما يؤدي إلى الكشف عن حالات الخلل في الأداء (20).
مما حدا ببعض الناس الى إطلاق مصطلح ( الفساد النافع ) حين يكون الفساد حافزاً للمطالبة بتغيير الحكومات غير الديمقراطية، إذ يرى بعض الدارسين أن أحد الفوائد المزعومة لظاهرة الفساد، هي تقوية الشعور لدى باقي فئات المجتمع وتحالفها لتمارس ضغطا على الجماعات الفاسدة، إن شأن هذا التفسير هو شأن تفسير النظرية الماركسية للنواحي الإيجابية لاستغلال الفئات الرأسمالية للطبقة العاملة الذي يوصلها إلى درجة تجعلها تثور على الأوضاع وتقوم بالتغيير (21).
فقد ذهب (دوركايم وجورج ميد ) الى أن الانحراف يلعب دوراً واضحاً كصمام امان للمجتمع فعندما يحدث الانحراف عن معايير المجتمع تبدأ الجماعة في مراجعة نفسها ثم يمارس أعضاء المجتمع الآخرون الضغط لحمل الجماعات المنحرفة على العودة (22) .
بل يرى البعض أن الفساد الإداري قد يساهم في خلق مناخ للاستثمار لأنه يسهل الحصول على تراخيص لإنشاء المشاريع التي لا يمكن تجاوز عقبات الروتين والتعقيد والتباطؤ في إصدارها إلا من خلال تقديم الرشاوى والمنافع لأصحاب النفوذ القادرين على استصدارها بوسائلهم الخاصة (23) .
ومهما يكن من اختلاف في تحديد مفهوم المصلحة العامة باعتباره مفهوماً مرناً أو واسعاً أو متغيراً حسب الزمان والمكان، فنحن نؤيد هذا الرأي، ذلك أن المصلحة العامة هي المعيار الأهم في وجود الفساد بكل أشكاله لأنه يضر بها حتماً. كما أن هذا المعيار يصلح للتطبيق إذا لم يكن معيار الوظيفة العامة كافياً، فقد يحدث الفساد من قبل أشخاص ليسوا موظفين كالمتعاقدين مع الحكومة أو القطاع الخاص في علاقته بالدولة ويسبب ذلك ضرراً بالمصلحة العامة.
ثالثاً:- اتجاه الرأي العام (24) .
يمثل هذا الاتجاه بديلاً للاتجاهات السابقة في تعريف الفساد، فالرأي العام في مجتمع ما هو الفيصل في تحديد السلوك الفاسد، ويبدو هذا الاتجاه لأول وهلة جذاباً ومثيراً للانتباه نظراً لأهمية الرأي العام في توجيه النشاطات الحكومية لمحاربة الفساد، غير أن مفهوم الرأي العام شأنه شأن مفهوم المصلحة العامة تواجهه مجموعة من الصعوبات فهو لا يعبر عن وحده واحده وإنما هو عبارة عن آراء متصارعة، ومن ناحية أخرى فأن ثمة مخاطر عديدة يمكن أن تنجم عن الاعتماد على القطاعات ذات التأثير السياسي القوي في تحديد الرأي العام، كما أن الرأي العام حقيقة متغيرة عبر الزمن ومن ثم فأن ما ينظر إليه اليوم على أنه عمل فاسد قد ينظر إليه في المستقبل على أنه عمل مشروع وقانوني ، كذلك يختلف الرأي العام من دولة لأخرى بل ويختلف من إقليم لآخر داخل الدولة الواحدة (25). ويجدر القول مع ذلك بأن هناك أفعالاً لا يمكن إلا وصفها بالفاسدة في المجتمعات كافة كالرشوة والاختلاس وتبذير المال العام واستغلال الوظيفة.... الخ.
_____________
1- انظر موقع البنك الدولي: www.worldbank.org
2- أنظر - Towards a Model for Building Curbing Corruption Rick Stapenhurst &Sahr J. Kpundeh
p1.،1999، Washington، The World Bank National Integrity
3- أنظر د. محمود شريف بسيوني، الجريمة المنظمة عبر الوطنية، ماهيتها ووسائل مكافحتها دولياً وعربياً، ط 1، القاهرة، دار الشروق، 2004 ، ص ،29، كما يلفت الاستاذ بسيوني النظر الى أنه وإن درج استعمال كلمة فساد كمرادف للرشوة لتشمل أي إجراءات غير سليمة داخل القطاع الخاص فأن الغالب اقتصار مدلول اصطلاح الفساد على ما يتعلق بالإدارة العامة فقط، نفس الصفحة.
4- د. صلاح الدين فهمي محمود الفساد الإداري كمعوق لعمليات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، دار النشر بالمركز العربي للدراسات الامنية والتدريب بالرياض، 1994 ص 38.
5- داود خير الله، الفساد كظاهرة عالمية وآليات ضبطها، ندوة الفساد والحكم الصالح في البلاد العربية التي أقامها مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت بتاريخ 20.23 ايلول 2004 منشور في مجلة المستقبل العربي، العدد 309 السنة/27، تشرين الثاني 2004 ص67.
6- الفصل الثالث من الإتفاقية المواد من 15 25 التي ذكرت هذه الأفعال ومنها رشوة الموظفين العموميين الوطنيين والأجانب وموظفي الحسابات الدولية العمومية، اختلاس الممتلكات أو تبديدها أو تسريبها...... لمزيد من التفصيل، أنظر اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد الموقعة في كانون الأول/ 2003 على الموقع: www.transparency.org
7- د. السيد علي شتاء الفساد الإداري ومجتمع المستقبل، المكتبة المصرية الاسكندرية، 2003، ص 42.
8- مايكل جونستون، المسؤولون العموميون والمصالح الخاصة والديمقراطية المستدامة، محرر كمبرلي أن اليوت، الفساد والإقتصاد العالمي، ط1 ترجمة محمد جمال امام مركز الاهرام للترجمة والنشر القاهرة 2000، ص 92.
9- الفساد في الحكومة تقرير الندوة الإقليمية التي عقدتها دائرة التعاون الفني للتنمية ( DTCD ) ومركز التنمية الإجتماعية والشؤون الإنسانية (CSDHA ) بالامم المتحدة، لاهاي، 1989، ص 5.
10- أنظر بيتر أيغن شبكات الفساد العالمية ترجمة محمد جديد ط1 ، قدمس للنشر والتوزيع دمشق 2005 ، ص 191.
11- د. احمد رشيد الفساد الإداري، الوجه القبيح للبيروقراطية المصرية، القاهرة، مطبوعات دار الشعب، شباط، 1976، ص 23 ونرى أن الفساد بحد ذاته هو انحراف وليس هدفه الانحراف كما سيأتي.
12- د. صلاح الدين فهمي محمود الفساد الإداري كمعوق لعمليات التنمية الاجتماعية والاقتصادية، دار النشر بالمركز العربي للدراسات الامنية والتدريب بالرياض، 1994 ، ص 38 وما بعدها.
13- للمزيد انظر: د. حمدي عبد الرحمن حسن الفساد السياسي في إفريقيا. القاهرة، دار القارئ العربي، ط1، 1993 ، ص 16.
14- د. حمدي عبد الرحمن حسن الفساد السياسي في إفريقيا. القاهرة، دار القارئ العربي، ط1، 1993 ، ص 17.
15- Jeremy Pope Confronting Corruption، the Elements of a National Integrity System ،2000،p2.
16- د. حمدي عبد الرحمن حسن الفساد السياسي في إفريقيا. القاهرة، دار القارئ العربي، ط1، 1993 ، ص 17 وما بعدها.
17- د. حمدي عبد الرحمن حسن الفساد السياسي في إفريقيا. القاهرة، دار القارئ العربي، ط1، 1993، ص 19.
18- د. حمدي عبد الرحمن حسن الفساد السياسي في إفريقيا. القاهرة، دار القارئ العربي، ط1، 1993 ، ص20 و 21
19- د. حمدي عبد الرحمن حسن الفساد السياسي في إفريقيا. القاهرة، دار القارئ العربي، ط1، 1993 ، ص 21 وما بعدها.
20- أنظر:- د. حمدي عبد الرحمن حسن الفساد السياسي في إفريقيا. القاهرة، دار القارئ العربي، ط1، 1993 ، ص 23.
21- أنظر : د. محمد قاسم القريوتي، الإصلاح الإداري بين النظرية والتطبيق، الطبعة الأولى دار وائل للنشر، عمان، 2001، ص 42
22- أنظر : د. السيد علي شتاء الفساد الإداري ومجتمع المستقبل، المكتبة المصرية الاسكندرية، 2003، ص 49.
23- أنظر- د. محمد قاسم القريوتي المصدر السابق، ص 18
24- عن دور الرأي العام والإعلام في الكشف عن الفساد إنظر - سوزان و روز أكرمان الفساد والحكم، ترجمة فؤاد سروجي، ط1، الأهلية للنشر، عمان، 2003، ص 294
25- أنظر:- د. حمدي عبد الرحمن حسن، مصدر سابق، ص 23
الاكثر قراءة في القانون الاداري
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)