تميزت هذه المرحلة بتخلي شارل الخامس عن فكرة ربط ممتلكاته على حساب فرنسا، والعمل على المحافظة على مصالح أسرة الهابسبرج في كل من إيطاليا وألمانيا. ويرجع السبب في ذلك إلى انشغال الإمبراطور بالمشاكل التي ترتبت على حركة الإصلاح الديني فى ألمانيا، وعلى توسع العثمانيين المطرد في حوض نهر الدانوب الذي كان يخترق أملاك الإمبراطورية، في عهد سليمان القانوني، الأمر الذي جعله يقدم اهتمامه بحركة الإصلاح الديني والمحافظة على أملاك أسرته في حوض الدانوب على المنافسة القديمة مع ملك فرنسا، وجعله يظهر بعد عام 1529م في مظهر الإمبراطور الذي تهمه مصلحة الإمبراطورية المباشرة قبل أي اعتبار آخر.
على أن فرانسوا الأول من الجانب الآخر كان ساخطا على صلح كامبرى الذي أخرجه من إيطاليا، فعمد إلى الاستفادة من مشاكل الإمبراطور في ألمانيا ومع العثمانيين في استعادة دوقية میلان فتقرب من اللوثريين في ألمانيا، وعقد المعاهدات مع العثمانيين ضد الإمبراطور شارل الخامس.
وقد أدى ذلك الى اتساع نطاق الحروب الإيطالية في هذه المرحلة باشتراك العثمانيين. ففي نوفمبر 1535م توفى فرنسسكو سفورزا دوق ميلان، وهو آخر سلالة هذه الأسرة، فتنازع على
وراثتها كل من شارل الخامس وفرانسوا الأول الذي طلبها لابنه. ونتج عن هذا النزاع أن عبر الجيش الفرنسي الألب، واحتل تورين فهجم جيش الإمبراطور على بروفانس، ولكنه اضطر إلى الارتداد.
وفي عام 1537م غزا الفرنسيون أرتوا، وفي الوقت نفسه أرسل حليفهم السلطان سليمان القانوني قوة لمهاجمة نابولي، الأمر الذي أزعج أوروبا.
وقد ترتب على إنهاك الحرب قوة كل من شارل الخامس وفرانسوا الأول، أن اضطرا في يونيه 1538م إلى عقد «هدنة نيس Nice» لمدة عشر سنوات، وبها تأيد صلح كامبري، وتخلى الطرفان عن حلفائهما، واحتفظ كل منهما بما في يده من الفتوح.
على أن هذه الهدنة لم تستمر أكثر من أربع سنوات، ففي عام 1541م قتل السفير الفرنسي حينما كان يعبر ميلان في طريقه إلى القسطنطينية، وفي السنة التالية 1542م أعطى شارل الخامس دوقية ميلان إلى ابنه فيليب، فنشبت الحرب بين الفريقين في عام 1542م. وفيها تحالف هنري الثامن ملك إنجلترا مع شارل الخامس.
وقد انتصرت القوات الفرنسية في بيدمونت، ولكن قوات كل من شارل الخامس وهنري الثامن تمكنت من إخضاع لوكسمبورج، كما توغلت قواتهما في فرنسا حتى هددت باريس. على أنه نظرا لعدم اطمئنان شارل الخامس لحليفه هنري الثامن، ولرغبته في فصم التحالف بين فرانسوا والعثمانيين عرض على فرانسوا الأول الصلح، وتم ذلك بمعاهدة كرسبي Crespy في سبتمبر 1544م، وبمقتضاها تركت الفتوح التي حصل عليها الطرفان بعد «هدنة نيس»، وتنازل شارل عن ادعاءاته في برجندى، كما تنازل فرنسوا عن ادعاءاته في نابولي وعن سيادته على الفلاندرز وأرتوا واتحد الطرفان في الدفاع عن المسيحية ضد العثمانيين، وإعادة السلم والوحدة للكنيسة ضد البروتستانت.
على أنه في مارس 1547م توفى فرانسوا الأول، وخلفه على العرش ابنه هنري الثاني، وبذلك انتهت المرحلة الثالثة. من الدور الثاني من الحروب الإيطالية، وبدأت المرحلة الرابعة.