تمتد جذور التناقض بين الإقطاع والملكية إلى العصور الوسطى، حين أخذت السلطة المركزية فى التدهور نتيجة للحروب الداخلية التي نشبت بين الممالك الجرمانية التي تأسست على أنقاض الإمبراطورية الرومانية، وظهرت طبقة جديدة من النبلاء من أتباع الملك حصلت على امتيازات واسعة، واستجمعت في يدها السلطات كالقضاء جميع وجمع الضرائب. وقد سارع كثير من صغار الملاك إلى التنازل لها عن أملاكهم حتى يعيشوا في حمايتها.
ومنذ ذلك الحين كان النزاع يدب بين الملكية وأمراء الإقطاع كلما ظهر ملك قوى الشخصية يرغب في تقوية سلطة التاج على حساب أمراء الإقطاع.
ولكن لما كان الإقطاع مرتبطا وقائما على أوضاع اقتصادية معينة وعلاقات اقتصادية معينة، فلم يكن من الممكن تحطيم سلطة أمراء الإقطاع إلا بعد تغيير هذه الأوضاع الاقتصادية وتغير العلاقات الاقتصادية معها.
وهو ما حدث بعد ظهور الطبقة البورجوازية، التي قامت على أساس التجارة والصناعة بدلا من الزراعة، وما صحب نشأة هذه الطبقة من قيام المدن التجارية التى اتسع نشاطها وازدهرت ازدهارا كبيرا. فقد وقع التناقض بين هذه الطبقة والطبقة الإقطاعية بسبب القيود والحواجز الإقطاعية التي تعرقل حركة التجارة. ولذلك فقد تحالفت الطبقة البورجوازية مع الملوك ضد الأمراء الإقطاعيين الذين أخذ نفوذهم في التدهور منذ الحروب الصليبية وهكذا راحت سلطات الأمراء الإقطاعيين تتجمع في يد الملك، وبدأت الملكيات تقوى وتتركز في الحدود التي تجمعها في معظم الأحيان لغة واحدة وجنس واحد ومذهب ديني واحد.
منذ ذلك الحين أخذ التناقض المزدوج بين الملكية واسراء الاقطاع من جهة، وبين البورجوازية وأمراء الإقطاع من جهة أخرى، يفعل فعله في حركة التاريخ.
ففيما يختص بالصراع بين الملكية وأمراء الإقطاع، فقد رفع أمراء الإقطاع شعار الديمقراطية في مواجهة الأوتوقراطية، أو شعار مشاركة الشعب فى الحكم فى مواجهة الحكم المطلق. ولكن الحكم الديمقراطي كان يعنى في نظرهم حكم طبقة النبلاء وحدها.
وفيما يختص بالصراع بين البورجوازية والإقطاع، فقد رفعت البورجوازية أيضا شعار الحكم الديمقراطي في مواجهة الحكم المطلق وحكم أمراء الاقطاع، ولكن الحكم الديموقراطي كان في نظرهم يعنى حكم طبقتهم وحدها دون غيرها من طبقات الشعب الأدنى مرتبة.
وقد شهد القرن السابع عشر صراعا داميا بين الملكية والإقطاع في عهد ريشيليو Richelieu ومازاران Mazarin، ولكن في القرن الثامن عشر كان الحكم المطلق في فرنسا يسير في طريق الاضمحلال. صحيح أن الجهاز الإداري الممركز الذي أنشأه ريشيليو ومازاران ولويس الرابع عشر ظل يحكم الدولة من فرساي، وأن «الإرادة الملكية» أو «الخطابات الممهورة) Lettre de Cachet ظلت أهم عامل في تقرير كل ناحية تقريبا من نواحي السياسة الخارجية والاقتصادية والدينية، ولكن نبلاء البلاط لم يلبثوا أن تسللوا إلى الحكم وأخذوا يحتكرون المناصب الوزارية وما وافي عام 1789م حتى كان جميع الوزراء من النبلاء، الا فردا واحدا هو نيكير المصرفي السويسري.
وفي والقت نفسه أحذت الأجهزة التي استخدمتها الملكية للسيطرة على الطبقة الأرستقراطية تتحول هي ذاتها الى أجهزة أرستقراطية.
ولعل (البرلمانات) أبرز مثال على هذا التحول. فهذه المحاكم الثلاث عشرة، التي كان من المهام الموكولة اليها أيضا تسجيل أوامر الملك، لم تلبث أن تطلعت الى حق النقض (الفيتو)، وأحذت المناصب الرئيسية في برلمان باريس، حتى في حكم لويس الرابع عشر، تتركز شيئا فشيئا في بعض الأسر القضائية العريقة كأسرة لاموانيون La Moignon وغيرها.
ومن جهة أخرى فقد خلع التاج ألقاب النبل القابل للنقل على جميع مستشاري برلمان باريس سنة 1644م. وقوى هذا الاتجاه في القرن الثامن عشر، وامتد حتى هبط إلى الموظفين القضائيين المختصين بنظر العرائض، وهم موظفو التاج الذين كانت تختار من بين صفوفهم الكثرة الغالبة من النظار أو المفتشين الملكيين - In endants. ونتيجة لذلك، فإن هؤلاء الموظفين الذين أوجدتهم الملكية وكلاء لها في السيطرة على نبلاء الأقاليم، أصبحوا أنفسهم نبلاء!
على أن طبقة النبلاء لم ترض عن وضعها، رغم الانتصارات المحدودة التي أحرزتها، لأن أداة الحكم المركزي المطلق ظلت سليمة لم يمسها سوء. فمجالس الطبقات التي ماتت في القرن السابع
عشر لم تبعث من قبرها، ونبلاء الأقاليم لم يزد نفوذهم السياسي.
وقد يكون المتصرف في سياسة الحكومة نبيلا كالدوق دى شوازيل ولكن أساليب الحكومة ظلت تعسفية شأنها من قبل. وكانت الإرادة الملكية أو الخطابات المختومة Lettre de Cachet ما يزال في وسعها الزج بالنبيل في سجن الباستيل. ولم يكن لنبلاء البلاط أنفسهم سيطرة جماعية على سياسة الدولة.
ومن ثم فقد شهد القرن الثامن عشر محاولة متزايدة من مختلف صفوف النبلاء لتحدى الحكومة الملكية، فقد ندد نبلاء الأسر الكبيرة الموجودون في فرساي «بالاستبداد الوزاري وزعمت البرلمانات أن لها حق نقض القوانين «غير الدستورية». أما نبلاء الأقاليم فطالبوا برد مجالس طبقاتهم الإقليمية.
يتضح إذن أن من أهم ألوان الصراع السياسي الذي ساد فرنسا في القرن الثامن عشر، هو كفاح النبلاء الإقطاعيين ضد سلطة الحكم الملكي. وفي الواقع إن هذا الصراع كان هو الذي
فجر الثورة الفرنسية. كما سوف نرى.