بذلك انتهى عهد حكومة الإدارة، وبدأ عهد القنصلية The Con sulate، أو جمهورية القنصلية، التي كانت إنهاء للثورة الفرنسية. فوضع دستور جديد يقضى بوضع السلطة التنفيذية في يد ثلاثة قناصل ينتخبون بواسطة مجلس الشيوخ لمدة عشر سنوات، وتقرر أن تعهد هذه السلطة في المدة الأولى إلى بونابرت، وكامباسيريه Cambacérés ولوبران Lebrun على أن يكون بونابرت قنصلا أول ويكون له حق إعلان الحرب، وإمضاء المعاهدات، وإبرام القوانين وانتخاب الوزراء وكبار الموظفين، ورئاسة الجيش والإدارة بفروعها.
وكان القنصلان الآخران بمثابة مساعدين له.
ولم يلبث بونابرت أن وجه همه لمحارية النمسا وإنجلترا اللتين بقيتا، بعد انسحاب روسيا من الحلف الدولي الثاني، تناصبان فرنسا العداء.
وبالنسبة للنمسا التي حلت محل الروس في إيطاليا، فـقـد اجتاز بونابرت جبال الألب من سويسرا، وانحدر إلى سهول لومباردي، فهدد مواصلات النمساويين، واضطرهم إلى التراجع ثم لاقاهم في سهل مارينجو Marengo حيث دارت معركة من أكبر معارك التاريخ انتهت بهزيمة النمساويين في 14 يونية 1800م. فارتدوا في اليوم التالى إلى ما وراء المنشيو Mincio وأخلوا لومباردي وبيدمونت بمقتضي اتفاق الكسندرا يوم 15 يونية 1800 م.
وأعاد بونابرت تأسيس جمهورية ما وراء الألب Cisalpine في 17 يونيه 1800م وهي التي اتسعت بضم إقليم نوفاريه Novarais. وعين الجنرال جوردان حاكما على بيدمونت. وفي 8 أغسطس تمكن بونابرت من تأكيد سياسته السويسرية، فأمر بحل حكومة الإدارة في الجمهورية الهلفتية وعين رينهارد Reinhard مندوبا ساميا.
وفي الوقت الذي زحف بونابرت بجيشه عبر جبال الألب ليحرز نصر مارينجو الحاسم، كان جيش آخر بقيادة الجنرال مورو Mo reau، وهو جيش الراين يعهد إليه بالتوغل في ألمانيا والزحف بطريق نهر الدانوب إلى فينا. وقد قام بمناورات بارعة في بافاريا حتى وصل إلى أولم Ulm في 19 يونية 1800م، وتمكن من قطع خط الرجعة على الجيش النمساوي بقيادة الجنرال كراي Kray، الذي طلب مرغما في 15 يوليـة 1800م وقف العمليات العسكرية حتى يخلى بافاريا وعندئذ عرض الإمبراطور فرانسيس الثاني Francis II عقد مؤتمر للصلح تدعى إليه إنجلترا، وهوما وافق عليه الفرنسيون.
وقد عقد هذا المؤتمر فى لونيفيل Luneville يوم 24 أغسطس. وعندما طال أمد المفاوضات أمر بونابرت باستئناف العمليات العسكرية، فاستطاع الجنرال مورو إلحاق الهزيمة بالجيش النمساوي في واقعة هو هينليندين Hohenlinden في 3 ديسمبر 1800م، وعندئذ انفتح الطريق إلى فينا، وفي الوقت نفسه كان جيش الجنرال برين Brune (جيش ما وراء الألب) قد تقدم حتى تريفيزو Treviso في إقليم البندقية في 15 يناير 1801م، في حين كان الجنرال مورا Murat يدعم قوات الاحتلال الفرنسي في تسكانيا.
وفي يوم 9 فبراير 1801م تم إبرام صلح لونيفيل Luneville وبمقتضاه تنازلت الإمبراطورية الرومانية المقدسة (الجرمانية) عن كل الشاطئ الأيسر لنهر الراين لفرنسا، وتعويض الأمراء عن أراضيهم في أملاك الكنيسة الكاثوليكية في ألمانيا، وجدد الإمبراطور التنازل عن المقاطعات البلجيكية والأراضي حتى حد نهر الراين.
واعترف باستقلال جمهورية ما وراء الألب، التي ضمت إليها إقليمي فيرونيه Veronais وحوض البو Poiésine، وذلك بعد أن كانت قد ضمت إليها إقليم نوفاريه Novarais، الذي اقتطع من بیدمونت حتى يفتح لجمهورية ما وراء الألب طريق ممر «سيمبلون» Simplone. كما ضمت إليها المقاطعات البابوية (أو الرسولية) -Le. gations
واعترفت النمسا باستقلال جمهوريات Batavia باتافيا (هولندا) و «هلفتيا» Helvetia سويسرة، وليجوريا Liguria (جنوة)، وحصل دوق مودينا، الذي كان قد فقد دوقيته فى صلح كامبو فورميو، على برايسجاو Breisgau في ألمانيا.
كما نص على أن ينال دوق توسكانيا تعويضا في ألمانيا يتمثل في مطرانية سالزبورغ Salabourg بعد تحويلها إلى إمارة علمانية ذات صوت في انتخاب الإمبراطور. وأما غراندوقية توسكانيا Tus cany ذاتها فقد أُنشئت منها مملكة إتروريا Etruria وأعطيت إلى لويس دوق بارما. ومن ناحية أخرى احتفظت النمسا بأملاكها القديمة في البندقية حتى نهر الأديج.
ولم تذكر معاهدة «لونيفيل» شيئاً عن ملك نابولي، أو ملك سردينيا (بيدمونت) أو البابا، الأمر الذي جعل مصيرهم ومصير بلادهم في يدبونابرت.
وعلى ذلك امتدت حدود فرنسا حتى نهر الراين، فأنشئت مديريات أربع جديدة باسم مديريات الراين منذ 19 مارس 1801م، وهي مديريات الرور، Roer، والسار Saar والراين - موزیل، Rhine Moselle - ومونت تونير Mont - Tonnerre.
وكان بونابرت في الوقت الذي كان يتهيأ فيه لمفاوضات الصلح في لونيفيل قد عقد معاهدة مع أسبانيا في سان الديفونسو -San Il defonso، وتنازلت أسبانيا بمقتضاها لفرنسا عن لويزيان Lui siana، فى أمريكا الشمالية، نظير أن ينال لويس دوق بارما، وهو ابن شقيق ملكة أسبانيا ماريا لويزا، وعدا بإنشاء مملكة إيطالية له تتألف من توسكانيا والمقاطعات البابوية فى أول أكتوبر 1800م. وفى 20 مارس 1801م بعد صلح لونيفيل، ابرم معاهدة أرانخویز ملك أسبانيا شارل الرابع، تأكدت بها شروط معاهدة Aranjuez مع الديفونسو.
وفي 18 مارس 1801م أبرم فرديناند الأول ملك نابولي معاهدة فلورنسا Florance التي تنازل بمقتضاها عن الأقاليم التي كانت له في تسكانيا وعن جزيرة إلبا Elba، ووافق على احتلال الفرنسيين لقلاعه، وعلى إغلاق موانيه في وجه السفن الإنجليزية.
ونظرا لضعف الأسطول الفرنسي، وعدم قدرته على التغلب على الأسطول الإنجليزى، ألف بونابرت حلفا بحريا في يناير 1801م مع روسيا والدنمارك والسويد وبروسيا، التي أحفظها توقيف إنجلترا لسفنها وتفتيشها بحثا عن مهربات إلى فرنسا، وقد عرف باسم الحلف الشمالي The Northern Convention. ولكن القيصر بول أغتيل في 23 مارس 1801م، وضرب الأسطول الإنجليزي مدينة كوبنهاجن في 3 أبريل، وحطم الأسطول الدنماركي، فانفرط عقد الحلف الشمالي على الأثر.
ولما كان التباطؤ في إبرام الصلح مع فرنسا لا يخدم المصالح الإنجليزية في العالم الجديد، بعد أن أعطت أسبانيا فرنسا لويزيانا لتتخذ منها قاعدة لمناوأة تجارة الإنجليز فى أمريكا، فلذلك وقعت إنجلترا مع فرنسا صلح أميان Amiens فى 25 مارس 1802م، وبه تنازلت إنجلترا عن كل فتوحاتها في أثناء الحرب إلى فرنسا، وحلفائها، فيما عدا ترينيداد Trinidad التي تنازلت عنها اسبانيا وسيلان التي تنازلت عنها باتافيا، واعترفت فرنسا بجمهورية الجزر السبعة الأيونية، ووعدت إنجلترا بعودة جزيرة مالطة إلى فرسان القديس يوحنا، وأن تضمن استقلال هذه الجزيرة كل من بريطانيا والنمسا وأسبانيا وروسيا وبروسيا . ثم حصل الاتفاق على أن تعود مصر إلى تركيا، وتعهدت فرنسا بإخلاء مملكة الصقليين أي نابولي)، وإعادة أملاك البرتغال.
وقد آثار صلح أميان سخط البرلمان الإنجليزي، في الوقت الذي أرضى فرنسا، فاتخذ مجلس التربيون قرارا جماعيا يوم 6 مايو 1802م، بتوجيه الشكر والتقدير للقنصل الأول، وفي 8 مايو قرر مجلس الشيوخ (السناتو) مد قنصلية بونابرت عشر سنوات أخرى تبدأ مباشرة بعد انقضاء السنوات العشر الأولى، ولكن بونابرت أصر على أن يكون للأمة صوت فى تولية منصبه مدى الحياة، وهو ما تم الاستفتاء عليه وأعلن مجلس الشيوخ نتيجته يوم 2 أغسطس 1802م.