بعد أن انتهينا في إيجاز من عرض التناقض بين الطبقة الإقطاعية والطبقة البورجوازية، ننتقل لعرض التناقض بين الطبقة الإقطاعية والفلاحين.
كان أكثر من عشرين مليونا من السكان الفرنسيين البالغ عددهم 26 مليونا، يعيشون على الأرض الزراعية في أواخر القرن الثامن عشر. وكانت المسألة الزراعية فيها على جانب كبير من التعقيد.
فقد تفردت فرنسا عن غيرها من دول أوربا بوجود الامتيازات الإقطاعية جنبا إلى جنب مع طبقة من الفلاحين الذين يعتبرون ملاكا لأراضيهم إلى حد كبير. وكان قلة منهم فقط هي التي ملكت من الأرض ما يكفي لإعالة أسرهم على مدار السنة، أما الغالبية الكبرى فكانوا من الفلاحين الإجراء، أي الذين يملكون مساحة من الأرض لا تكفيهم غلتها ويضطرون إلى العمل أجراء - جزءاً من السنة، وكانت نسبة منهم قادرة على استئجار مساحة من الأرض إذا أضيفت إلى الأرض التي يملكونها كفتهم غلتها.
أي كان هناك ثلاث فئات مالك تكفيه غلة أرضه، ومالك قادر على استئجار أرض إلى جانب أرضه، ومالك مضطر إلى تأجير عمله.
وكان إطعام أسرة واحدة يقتضي زرع عشرين فدانا من الأرض الجيدة، ولما كانت غالبية الفلاحين أفقر من أن تستطيع استئجار أراض إلى جانب الأراضي التي تملكها، وعاجزة عن اقتناء البهائم والأدوات الزراعية، فقد أصبح معظمهم مشاركين للمالك يعملون بطريقة المزارعة merayers، أي يزودهم بالبهائم والأدوات مقابل نصف المحصول وقدر من الخدمة في أرضه عادة. وكان على الفلاحين أن يؤدوا كثيرا من الواجبات ذات الأصل الإقطاعي التي كانت تمثل فى وقت من الأوقات العلاقة القائمة بينهم وبين سادتهم الإقطاعيين، ولكنها أصبحت الآن، بعد أن فقدت كل معناها الاجتماعي، مجرد أعباء مثيرة للسخط.
وكانت الامتيازات الإقطاعية نوعين: نوع يتعلق بالأرض، ونوع يتعلق بالأشخاص.
أما النوع الذي يتعلق بالأرض فيتمثل في الرسوم التي تدفع عند بيع قطعة أرض، أو التي تدفع عند تعيين حدود كل مزرعة، أو الرسوم المحصلة عينيا على مختلف المحصولات وقت الحصاد.
أما النوع الثاني الذي يتعلق بالأشخاص، فيتمثل في احتكار الشريف للطاحون ومعصرة النبيذ والمخبز، ومنع الغير من ذلك، وفي المحاكم الإقطاعية التي تعزز سلطة الشريف، فضلا عن مده بمورد للدخل، وفي حق برج الحمام الذي يخول للشريف إطعام حمامه على حساب الفلاح، ثم حقوق الصيد التي كانت أهميتها تتمثل في إتلاف أرض الفلاح. هذا فضلا عن جباية المكوس عند عبور الجسور أو السير في الطرق، والخدمات العسكرية والمدنية وأنواع الخدمات التي كان مكلفا بها أهل الإقطاعية.
ولقد كانت هذه الامتيازات الإقطاعية تمثل بالنسبة للشريف الإقطاعي مورد دخل إضافي، ووسيلة للهيمنة على الجماعات الفلاحية، وسلاحا لنزع أملاك الفلاحين الذين أغرقتهم متأخرات الإيجار المتراكمة عليهم في الديون لسادتهم الإقطاعيين.
وكانت لوائح الأطيان Terries التي تعدد حقوق السيد، تجدد باستمرار منعا لسقوط الحقوق القديمة بالتقادم، وأحيانا لتحويل التقليد إلى سابقة قانونية وتمكن بعض الاقطاعيين الذين استعانوا
بمحامين تخصصوا في القضاء الإقطاعي من اكتشاف حقوق لم تنفذ منذ سنوات كثيرة، فاستطاعوا أن يطا لبوا بمتأخراتها.
وقد أسفر هذا الضغط «الإقطاعي» المتزايد عن سيل من الاتهام والقضايا، وأعمال العنف من جانب الفلاحين، فتفاقمت بذلك التوترات الاجتماعية في الريف.
هذا على كل حال يمثل جانبا واحدا من التناقض بين الفلاحين والنبلاء، وهو الحقوق الإقطاعية. أما الجانب الآخر فيتمثل في عدم المساواة في الحقوق والواجبات أمام القانون.
فقد أشرنا إلى أن النبلاء كانوا يعفون من ضريبة التاي Taille، وهي الضريبة العقارية المفروضة على الأراضي والمسكن ومن السخرة الملكية لبناء الطرق وصيانتها، وضريبة الرءوس Cap itation وضريبة الدخل Vigntieme. وبذلك تعدى سخط الفلاحين النبلاء إلى النظام نفسه: نظام العلاقة الإنتاجية الذي يسند مصالح هؤلاء النبلاء.
فإذا ما بلغنا سنة 1789م وجدنا جانبا كبيرا من الريف قد تهيأ للثورة. لقد كان العدو الحقيقي لأغلب الفلاحين هو الأرض الكبير، نبيلا كان أو بورجوازيا أو مزارعا حرا، الذي يهددهم جشعه بانتزاع أراضيهم.
ولكن أهم مالك في القرية هو الشريف الإقطاعي، الذي كان مسئولا عن عبء الرسوم الإقطاعية المتزايد. وكان إعفاؤه من الضرائب الملكية وعدم دفع نصيبه الكامل منها، سببا في زيادة وطأتها وثقلها على كاهل الفلاحين.
وكانت المحاكم الإقطاعية تسند الشريف، الذي كان استغلاله للامتيازات الطبقية استغلال المحترفين عبئا ثقيلا على كواهل الفلاحين، في حين لم تكن الإدارة الملكية تغير تظلمات الفلاحين إلا أذنا صماء. وهكذا تهيأ الريف للثورة.