أوضحنا في دراستنا السابقة توافر الخسائر الثورية في المجتمع الفرنسي في التناقضات بين الطبقات. أما النظرية الثورية فقد توافرت بشكل ما في صورة الأفكار والنظريات التي ظهرت في النصف الثاني من القرن الثامن عشر على يد بعض الفلاسفة والمفكرين.
ويهمنا توضيح الظروف الاقتصادية التي أفرزت هذه النظريات. فقد رأينا كيف تكونت الدولة الفرنسية على أنقاض النظام الإقطاعي، وكيف قامت هذه الدولة على أساس ولاء الفرد وولاء الأمة للملك الذي يمثل شخصية هذه الأمة. كما رأينا كيف لعبت البورجوازية التجارية دورا كبيرا في هدم النظام الإقطاعي وإقامة الدولة القومية.
ولكن بعد حركة الكشوف الجغرافية والاستعمار، أخذت كميات من الذهب والفضة تتدفق على أوروبا تدفقا مستمرا، الأمر الذي أدى إلى ازدياد ثراء الطبقة البورجوازية ثراء فاحشا واتساعها اتساعا كبيرا. وقد أدى هذا بدوره إلى تضاعف حاجة هذه الطبقة إلى المزيد من الحريات وكان لابد أن يكون ذلك على حساب سلطات الملك.
فبدأ من ثم معنى جديد للدولة القومية، يلغي المعنى الأول الذي يقوم على وجوب الولاء المطلق للملك، ويحل محله الولاء للحكومة التي تمنح الحريات للشعب. وكان هذا المعنى الجديد هو الذي عبرت عنه مجموعة الفلاسفة الذين ظهروا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر، والذين تمثل أراءهم ونظرياتهم في مجملها هجوما على الحكم المطلق، وعلى المؤسسات السياسية والدينية التي تلتف حول هذا النظام.
ففي عام 1748م ظهر كتاب مونتسكيو Montesquieu المسمى «روح القوانين» Esprit des Loits ، وهو بحث عام في أشكال الحكومة. وقد صار هذا الكتاب المعين الذي يتزود منه بالأفكار السياسيون الذين ألقيت على عاتقهم مهمة البناء السياسي لبلادهم. وقد تأثر به دستور الولايات المتحدة الأمريكية إلى حد بعيد، وإن كان الكتاب بدوره متأثراً لحد بعيد بالدستور الإنجليزي. وقد أثار فيه مونتسكيو نظرية فصل السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية ضمانا للعدالة وصونا للحرية، وقد أشاد فيه بالحكومة المقيدة التي تخضع فى تصرفاتها لمجموعة من الضوابط.
وفي عام 1764م نشر جان جاك روسو Rousseau، وهو فرنسي من أصل سويسري من مدينة جنيف، كتاب العقد الاجتماعي Le Contrat Social" وقد حاول فيه البرهنة على أن الصلة بين الفرد والدولة قد نشأت نتيجة تطور نقل الإنسان من نظام طبیعی Lat Naturel تغلبت فيه رغبات الفرد الذاتية إلى نظام اجتماعي Etat Social تنازل فيه الفرد عن رغباته وإرادته إلى المجتمع.
وقد ترتب على نزول جميع الأفراد عن رغباتهم وإراداتهم الخاصة إلى المجتمع أن أصبح هذا المجتمع نفسه الطرف الثاني في العقد الاجتماعي، في حين بقي الأفراد أنفسهم الطرف الأول في هذا العقد. ولأن الأفراد تنازلوا عن إراداتهم للمجتمع وليس لفرد أو لهيئة معينة، فانهم يكونون متمتعين بكامل حريتهم، لأن التنازل تم بمحض اختيارهم. وارادتهم فالعقد يكفل من هذه الناحية تحقيق الحالة الطبيعية الأولى.
وفي الوقت نفسه، تنشأ عن نزول كل فرد عن إرادته الخاصة ورغباته الخاصة، إرادة عامة volonté general هي التي يتمتع بها المجتمع وحده، ويصبح المجتمع هو وحده صاحب القوة والسلطان المطلق ومقر السيادة العليا Souverainte - أي تبقى القوة والسلطة العامة التي هي قوة وسلطة الإرادة العامة.
وقد نشأ عن وجود هذا العقد الاجتماعي قيام الجدة السياسية، وتكوين الجثمان السياسي الذي هو دعامة الدولة Etat والذي تستند عليه الدولة فى تكوينها. ولما كانت الإرادة العامة هي القوة العامة، فللشعب أن يغير حكومته متى شاء، لأن كلمة الشعب في هذه الحالة إنما تعبر عن رغبته وارادته العامة.
ومن ذلك يتضح أن نظرية روسو قامت على افتراض العقد والحق في الثورة، وسيادة الشعب. وهذه النظرية تهدم نظرية الحق الإلهي للملوك في الحكم، وكل الحقوق التي استندت عليها الملكية.
وقد كانت تعاليم روسو الثورية الجارفة، شعار الطبقة البورجوازية وأصبحت إلهام كل الطبقات فى أثناء الثورة الفرنسية.
وفي 1751 نشر الفلاسفة أو الأنسيكلوبيديون - Diderot Albert - Helveuus - D'Holbach أول أجزاء موسوعتهم التي بلغت بين عامي 1751 - 1765 سبعة عشر جزءا. وقد بحثوا فيها موضوعات مهمة مثل: الأرستقراطية، والسلطة Autorité والديمقراطية والقانون، والحكومة والرق، والملكية والسياسة والسيادة العليا Souverainté وغير ذلك. وكانت أكثر بحوثهم مستقاه من كتاب مونتسكيو روح القوانين. وعندما تحدث الأنسيكلوبيديون عن «السلطة» هاجموا مبدأ حق الملوك الإلهي، واشترطوا الشرعية السلطة الملكية موافقة الشعب عليها، وهذه الموافقة الشعبية حتمية ولا سبيل إلى نبذها!
وفي عام 1773م نشر البارون دولباخ D'Holbach كتابه "النظام الاجتماعي Systeme Sociale، وقد تحدث فيه عن نظرية العقد الاجتماعي كما فعل روسو وكان مما قاله إن هناك عقدا بين الشعوب وقادتها أو رؤسائها، على أساس أن يتعهد هؤلاء القادة بحكم الشعب حكما طيبا، فإذا لم يفعلوا تحرر الشعب من ارتباطه وتعهده، وصار هذا الارتباط والعهد باطلا. ثم هاجم دولباخ الملكية وحمل حملة عنيفة على رجال الدين الذين اتحدوا مع الملوك الطغاة يستجدون منهم العطايا.
وفي عام 1765م نشر فولتير Voltaire كتيبا بعنوان: «آراء جمهورية»، وصف فيه المجتمعات التي تخضع لاستبداد فرد واحد أو عدد من الأفراد بأنها فقدت الشجاعة أو القدرة على حكم نفسها بنفسها (ومعنى ذلك حث المجتمعات على إظهار الشجاعة للتحرر من الاستبداد) وعرف الحكومة المدنية بأنها «إرادة الكل يقوم بتنفيذها شخص واحد أو جملة أشخاص تبعا لقوانين يدين الجميع بالخضوع لها». وعرف المساواة في كتابه «عن الطبائع» Es sai Sur Les Moeurs بأنها تمتع الأفراد جميعهم على قدم المساواة بحقهم في الحرية، وفى الملك، وفي حماية القانون لهم».
وإلى جانب هؤلاء الفلاسفة السياسيين قام فلاسفة اقتصاديون عرفوا في وقتهم باسم الاقتصاديين Economists وأطلق عليهم بعد ذلك بزمن طويل اسم الفزيوقراط Physiocrats أو الطبيعيون وعلى رأس هؤلاء فرنسواكسنای Francois Quesnay مؤسس هذه المدرسة. ثم مرسييه دى لا ريفييه Merciers de la Riviers الذي وضع مذهب الفزيوكرات في أسلوب علمي واضح. ثم الماركيزدی میرابو Marquis de Mudabeau أبو خطيب الثورة المشهور.
ويعتقد الطبيعيون أن القوانين الاقتصادية ماهي إلا قوانين طبيعية. فالقوانين التي تتحكم في الإنتاج والاستهلاك والتوزيع والأجور، تماثل القوانين التي تحكم التفاعلات الكيميائية وقوانين الجاذبية الأرضية وما إليه. وعلى ذلك يجب أن يقل تدخل الحكومة في الحياة الاقتصادية إلى أدنى حد ممكن.
وقد اعتبر الطبيعيون أن الأرض هي أساس الثروة، أما الصناعة فهي مجرد تحويل المادة الأولية التي تنتجها الأرض ، وبدونها لا توجد الصناعة. وكذلك التجارة، فماهي الا عملية نقل السلعة من مكان لآخر.
وبنوا على ذلك أن الطبقة الوحيدة المنتجة في الدولة هي طبقة الفلاحين، وبما أن أصحاب الأراضي هم الطبقة التي تحصل على الناتج الصافي للزراعة، فيجب أن تتحمل هذه الطبقة وحدها عبء دفع الضرائب للحكومة.
ولما كان الإنتاج الزراعي هو أساس الثروة، فيجب على الحكومة تشجيع هذا الإنتاج عن طريق فتح الأسواق للمنتجات الزراعية، وإزالة جميع العراقيل التي تقف في وجه التجارة الداخلية، وأهمها إزالة الحواجز الجمركية وضرائب المرور بين المقاطعات. ولذلك كان شعار الطبيعيين هو «دع التجارة تمر».
كما طالب الفزيوقراط بإلغاء النقابات الطائفية، التي تحصر العمل في فئة معينة هى أهل الحرفة أو الطائفة، وإطلاق حرية العمل، مطلقين بذلك الشعار الثانى «دعه يعمل» Laissez faire.
وفي رأيهم أن الحقوق الطبيعية للأفراد، التي تتعلق بالتملك أو الملكية، هى (أولا) حق الفرد في امتلاكه نفسه، بمعنى حرية الإنسان في استخدام كل مواهبه وكفاءاته والتصرف فيها.
ويستتبع
هذا الحق حق آخر هو حق العمل»، أي حق الفرد في أن يعمل. (ثانيا) حق الفرد في الملكية، أي ملكية الأشياء التي أنتجها عمله وكانت ثمرة هذا العمل. (ثالثا) حق الفرد في الملكية العقارية Proprieté Fonciere أي ملكية الأرض.
ولذا كان «تيرجو» Turgot أحد الذين اعتبروا من مدرسة الاقتصاديين أو الطبيعيين، ولو أنه كان صاحب آراء أكثر اتصالا بمبادئ آدم سميث في كتابه «ثروة الأمم» الذي اعتبر أن الأرض ليست وحدها مصدر الثروة، بل إن العمل. Labour ورأس المال Cap ital من مصادر الثروة كذلك. وقد تولى وظيفة مفتش في الأقاليم Intendant ثم مراقبا عاما للمالية (وزيرا) سنة 1774م. وقد اقترح إطلاق حرية تجارة، الغلال، وإلغاء المكوس الداخلية بين مختلف المقاطعات والغاء السخرة (تسخير الفلاحين في إصلاح الطرق) وإلغاء نقابات الطوائف والحرف.
ولكن برلمان باريس (الذي كان قد عطله لويس الخامس عشر شدة نضاله ضده، ونفى جميع قضاته، ثم أعاده لويس بسبب السادس عشر والبرلمانات الاقليمية في أغسطس 1774م) - رفض تسجيل هذه القوانين واستخدم الملك حقه المعروف باسم (سرير العدل Lit de Justice) في إرغام البرلمان على تسجيل هذه الأوامر والمراسيم، وذلك بالذهاب بنفسه إلى البرلمان، واعلان رئيس المجلس بحضوره رغبة الملك في أن تصبح الأوامر قوانين.
على أن عصبة من البلاط أسهمت فيها ماري أنطوانيت تأمرت على تيرجو، ولم يكن للويس السادس عشر من قوة الشخصية ما يسمح له بمساندة وزيره بعد أن فقد محبة البلاط فأعفاه من منصبه وعين نيكير مراقبا للمالية بدلا منه في 1776م.
ولقد كان إلى جانب هؤلاء الفلاسفة والمصلحين الليبراليين مفكرون آخرون اشتراكيون مثل آبيه دي مابلي L'Abbé de Mably وموريللي Morelly ممن اعتبروا الملكية الفردية وخصوصا ملكية الأرض، أساس كل الشرور الاجتماعية والسياسية، وقد أدى بهم البحث إلى اقتراح أنظمة شيوعية واشتراكيه لعلاج هذه المساوئ. وقد تأثر ما بلى بجمهورية أفلاطون»، ثم بكتابه الآخر «عن القوانين ودعا إلى شيوعيه الملك على أساس أن تصبح الدولة وحدها هي المالكة الفعلية لكل شيء، فتقوم بتوزيع ما تملكه على الأفراد على قاعدة: «لكل حسب حاجته» دون نظر إلى مواهبه أو كفاءته أو طاقته.
وكان عن طريق ما بلي وما بسطه من آراء ونظريات أن صار لأفلاطون تأثير مباشر على الثورة الفرنسية ذاتها، ذلك أن «نادى اليعاقبة» كان يتخذ كتابات «مابلي» مرجعا أساسياً يعتمد عليه في دعم آرائه وتأييد نشاطه، وبخاصة عندما كانت عقيدة اليعاقبة المهمة إلزام الدولة بإنشاء نوع من الحكم تسود فيه «الفضيلة» وكانت آراء اليعاقبة الاشتراكية هى اعتبار الملكية الفردية أساس الشرور التي يعاني منها المجتمع.
أما رينال Raynal فلم يكن ذا آراء اشتراكية بارزة، ولكنه هاجم عدم المساواة في توزيع الثروة، واعتبره منشأ البلاء في كتابه الذي نشره 1770م عن التاريخ الفلسفي والسياسي لمراكز التجارة الأوروبية فى الهند الشرقية والغربية». كما هاجم رجال الدين والنبلاء والنظام الملكي في فرنسا، وطالب بتطويع الدين للدولة.
وكان أهم ما تأثر به معاصرو «رينال» آراؤه عن الحرية، التي قسمها إلى طبيعية ومدنية وسياسية، واعتبرها أفضل نعم الله على الإنسان. كما هاجم فكرة الحق الإلهي للملوك، التي أذاعها رجال الدين، وقال إن هذا الزعم ليس سوى قيود من حديد تربط أمة بأسرها بقدمي رجل واحد، وفي وسعها أن تفرض الذل والهوان على أي شعب إذا سمينا أحد الطغاة «أبا» لهذا الشعب، ودعمنا بفضل هذا اللقب استبداده به».
على كل حال فإن قيمة هذه الكتابات للمفكرين أنها قدمت - كما ذكرنا - للثورة الفرنسية النظرية التى تهتدى بها في عملها، والتي بدونها كان من المحتم أن تضل طريقها وتفقد هدفها. فضلا عن ذلك فقد كان لهذه الكتابات دور آخر لا تقل أهميته، هو أنها أحيت روح النقد في الشعب الفرنسي، فأخذت الأوضاع والتقاليد التي كان ينظر إليها نظرة احترام وتقديس تفقد احـتـرامـهـا وقدسيتها لديه، حتى إذا نبذ الناس التقاليد المرعية انهار البناء الاجتماعي دفعة واحدة.
ولقد كان أخطر تأثير لهذه الأفكار على النبلاء أنفسهم، الذين كانوا، رغم الامتيازات الهائلة التي يستحوذون عليها، يعتبرون أنفسهم محرومين من السلطة التي هي في يد الملك.
فصارت هذه الطبقة تشجع البحوث والدراسات الخاصة بنظريات العقد الاجتماعي وحقوق الانسان كما تشجع التمثيليات التي تظهر مساوئ المجتمع، وتنقـد الامتيازات، وتحمل على السلطان المطلق، وتسخر من عجز رجال الحكم والدين على السواء.
وعندما حانت ساعة التغيير الثوري، بلورت الثورة أهدافها في الشعار الثلاثي الحرية، المساواة، الإخاء.
وكانت الثورة تقصد بالحرية بادئ الأمر، تأمين الفرد إزاء تصرفات الدولة. وبالمساواة المساواة في الحقوق المدنية أمام القانون وإلغاء الامتيازات الخاصة. أما الإخاء فقد تمثل في نظرهم في الإخاء بين الأفراد والطبقات.