

تأملات قرآنية

مصطلحات قرآنية

هل تعلم


علوم القرآن

أسباب النزول


التفسير والمفسرون


التفسير

مفهوم التفسير

التفسير الموضوعي

التأويل


مناهج التفسير

منهج تفسير القرآن بالقرآن

منهج التفسير الفقهي

منهج التفسير الأثري أو الروائي

منهج التفسير الإجتهادي

منهج التفسير الأدبي

منهج التفسير اللغوي

منهج التفسير العرفاني

منهج التفسير بالرأي

منهج التفسير العلمي

مواضيع عامة في المناهج


التفاسير وتراجم مفسريها

التفاسير

تراجم المفسرين


القراء والقراءات

القرآء

رأي المفسرين في القراءات

تحليل النص القرآني

أحكام التلاوة


تاريخ القرآن

جمع وتدوين القرآن

التحريف ونفيه عن القرآن

نزول القرآن

الناسخ والمنسوخ

المحكم والمتشابه

المكي والمدني

الأمثال في القرآن

فضائل السور

مواضيع عامة في علوم القرآن

فضائل اهل البيت القرآنية

الشفاء في القرآن

رسم وحركات القرآن

القسم في القرآن

اشباه ونظائر

آداب قراءة القرآن


الإعجاز القرآني

الوحي القرآني

الصرفة وموضوعاتها

الإعجاز الغيبي

الإعجاز العلمي والطبيعي

الإعجاز البلاغي والبياني

الإعجاز العددي

مواضيع إعجازية عامة


قصص قرآنية


قصص الأنبياء

قصة النبي ابراهيم وقومه

قصة النبي إدريس وقومه

قصة النبي اسماعيل

قصة النبي ذو الكفل

قصة النبي لوط وقومه

قصة النبي موسى وهارون وقومهم

قصة النبي داوود وقومه

قصة النبي زكريا وابنه يحيى

قصة النبي شعيب وقومه

قصة النبي سليمان وقومه

قصة النبي صالح وقومه

قصة النبي نوح وقومه

قصة النبي هود وقومه

قصة النبي إسحاق ويعقوب ويوسف

قصة النبي يونس وقومه

قصة النبي إلياس واليسع

قصة ذي القرنين وقصص أخرى

قصة نبي الله آدم

قصة نبي الله عيسى وقومه

قصة النبي أيوب وقومه

قصة النبي محمد صلى الله عليه وآله


سيرة النبي والائمة

سيرة الإمام المهدي ـ عليه السلام

سيرة الامام علي ـ عليه السلام

سيرة النبي محمد صلى الله عليه وآله

مواضيع عامة في سيرة النبي والأئمة


حضارات

مقالات عامة من التاريخ الإسلامي

العصر الجاهلي قبل الإسلام

اليهود

مواضيع عامة في القصص القرآنية


العقائد في القرآن


أصول

التوحيد

النبوة

العدل

الامامة

المعاد

سؤال وجواب

شبهات وردود

فرق واديان ومذاهب

الشفاعة والتوسل

مقالات عقائدية عامة

قضايا أخلاقية في القرآن الكريم

قضايا إجتماعية في القرآن الكريم

مقالات قرآنية


التفسير الجامع


حرف الألف

سورة آل عمران

سورة الأنعام

سورة الأعراف

سورة الأنفال

سورة إبراهيم

سورة الإسراء

سورة الأنبياء

سورة الأحزاب

سورة الأحقاف

سورة الإنسان

سورة الانفطار

سورة الإنشقاق

سورة الأعلى

سورة الإخلاص


حرف الباء

سورة البقرة

سورة البروج

سورة البلد

سورة البينة


حرف التاء

سورة التوبة

سورة التغابن

سورة التحريم

سورة التكوير

سورة التين

سورة التكاثر


حرف الجيم

سورة الجاثية

سورة الجمعة

سورة الجن


حرف الحاء

سورة الحجر

سورة الحج

سورة الحديد

سورة الحشر

سورة الحاقة

الحجرات


حرف الدال

سورة الدخان


حرف الذال

سورة الذاريات


حرف الراء

سورة الرعد

سورة الروم

سورة الرحمن


حرف الزاي

سورة الزمر

سورة الزخرف

سورة الزلزلة


حرف السين

سورة السجدة

سورة سبأ


حرف الشين

سورة الشعراء

سورة الشورى

سورة الشمس

سورة الشرح


حرف الصاد

سورة الصافات

سورة ص

سورة الصف


حرف الضاد

سورة الضحى


حرف الطاء

سورة طه

سورة الطور

سورة الطلاق

سورة الطارق


حرف العين

سورة العنكبوت

سورة عبس

سورة العلق

سورة العاديات

سورة العصر


حرف الغين

سورة غافر

سورة الغاشية


حرف الفاء

سورة الفاتحة

سورة الفرقان

سورة فاطر

سورة فصلت

سورة الفتح

سورة الفجر

سورة الفيل

سورة الفلق


حرف القاف

سورة القصص

سورة ق

سورة القمر

سورة القلم

سورة القيامة

سورة القدر

سورة القارعة

سورة قريش


حرف الكاف

سورة الكهف

سورة الكوثر

سورة الكافرون


حرف اللام

سورة لقمان

سورة الليل


حرف الميم

سورة المائدة

سورة مريم

سورة المؤمنين

سورة محمد

سورة المجادلة

سورة الممتحنة

سورة المنافقين

سورة المُلك

سورة المعارج

سورة المزمل

سورة المدثر

سورة المرسلات

سورة المطففين

سورة الماعون

سورة المسد


حرف النون

سورة النساء

سورة النحل

سورة النور

سورة النمل

سورة النجم

سورة نوح

سورة النبأ

سورة النازعات

سورة النصر

سورة الناس


حرف الهاء

سورة هود

سورة الهمزة


حرف الواو

سورة الواقعة


حرف الياء

سورة يونس

سورة يوسف

سورة يس


آيات الأحكام

العبادات

المعاملات
اعتذار المنافقين الكاذب من رسول الله عند الرجوع من غزوة تبوك
المؤلف:
السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ
المصدر:
معرفة الإمام
الجزء والصفحة:
ج10، ص260-267
2026-03-03
30
انتهت رحلة غزوة تبوك، وعاد النبيّ الأكرم والمسلمون إلى المدينة. ولم يلحق المنافقين إلّا الخجل، والذلّ، والخيبة. فلا هم استطاعوا أن يقتلوا النبيّ في العقبة، ولا هم رأوا النبيّ والمسلمين أسرى مغلولين بالسلاسل والحبال عليه يد جنود الروم، ولا هم قدروا على إثارة الفتن والقلاقل في المدينة عند غياب رسول الله صلّى الله عليه وآله، ووجود مولى الموالي أمير المؤمنين عليه السلام. لقد طاش سهمهم، ومات أبو عامر، رئيسهم، واحترق مسجد ضرار، مسجدهم. وأضحوا وحيدين بلا ناصر ولا معين. ولا قوّة، ولا نظم، ولا عِدّة، ولا عُدّة. وفي مثل هذه الحالة، تكشف لنا الآيتان المباركتان الآتيتان حقيقتهم، قال جلّ من قائل: يُرِيدُونَ لِيُطْفِؤُا نُورَ اللَّهِ بِأَفْواهِهِمْ واللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ ولَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ، هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى ودِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ ولَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ[1].
فلهذا نقرأ أنّ المنافقين كانوا يأتون إلى النبيّ في المدينة بعد غزوة تبوك ويعتذرون إليه بصور وأشكال مختلفة. وكانت مجموعة منهم تقول: سنشارك في الغزوات إلى جانبك في المستقبل. فنزلت هذه الآية: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخالِفِينَ[2].
قال العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه: المراد بالخالفين المتخلّفون بحسب الطبع كالنساء، والصبيان، والمرضى، والزمنى. وقيل: المتخلّفون من غير عذر. وقيل: الخالفون هم المنافقون وأهل الفساد. وفي قوله: فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلى طائِفَةٍ مِنْهُمْ الآية، دلالة على أنّ هذه الآية وما في سياقها المتّصل من الآيات السابقة واللاحقة نزلت ورسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في سفره، ولمّا يرجع إلى المدينة، وهو سفره إلى تبوك[3].
ويعرض القرآن الكريم معاذيرهم وأيمانهم المؤكّدة وطلبهم من النبيّ أن يتغاضى عنهم، ويصفح عن ذنبهم، ويرضى عنهم، فيقول: يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبارِكُمْ وسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ ورَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلى عالِمِ الْغَيْبِ والشَّهادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ، سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ ومَأْواهُمْ جَهَنَّمُ جَزاءً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ، يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ[4].
قال العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه: قوله تعالى: يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ: هذا الحلف منهم كما كان للتوسّل إلى صرفكم عنهم ليأمنوا الذمّ والتقريع، كذلك هو للتوسّل إلى رضاكم عنهم! أمّا الإعراض فافعلوه؛ لأنّهم رجس لا ينبغي لنزاهة الإيمان وطهارته أن تتعرّض لرجس النفاق والكذب وقذارة الكفر والفسق. فلا تتعرّضوا لهم بالتقريع والعتاب ونحوهما. وأمّا الرضى، فاعلموا أنّكم إن ترضوا عنهم فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ. وعلى هذا يكون المعنى: أنّكم إن رضيتم عنهم، فقد رضيتم عمّن لم يرض الله عنه، أي: رضيتم بخلاف رضى الله! ولا ينبغي لمؤمن أن يرضى عمّا يسخط ربّه. فهو أبلغ كناية عن النهي عن الرضا عن المنافقين[5].
والشاهد على هذا المطلب ما جاء في تفسير عليّ بن إبراهيم لمّا قدم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من تبوك، كان أصحابه المؤمنون يتعرّضون المنافقين ويؤذونهم، فأنزل الله هذه الآية تنهاهم عن التعرّض لهم[6].
وقال في «مجمع البيان»: نزلت الآيات في جَدّ بنِ قَيسٍ ومُعَتَّب بْنِ قُشَيْرٍ وأصحابهما من المنافقين. وكانوا ثمانين رجلًا. ولمّا قدم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم المدينة راجعاً عن تبوك، قال (لأصحابه): لَا تُجَالِسُوهُمْ ولَا تُكَلِّمُوهُمْ، عن ابن عبّاس. وقيل: نزلت في عَبْدِ اللهِ بْنِ أبي، حلف للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يتخلّف عنه بعده، وطلب إليه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يرضى عنه، عن مقاتل[7].
وكذلك نزل في المنافقين من الأعراب قوله: [8] الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً ونِفاقاً وأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ، ومِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً ويَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ واللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ[9].
إلى أن قال: وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرابِ مُنافِقُونَ ومِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلى عَذابٍ عَظِيمٍ[10].
وكذلك يعرض القرآن الكريم أحوال المنافقين وتزلزلهم عند نزول سورة أو آية، فيقول: وَإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زادَتْهُ هذِهِ إِيماناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزادَتْهُمْ إِيماناً وهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ، وأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وماتُوا وهُمْ كافِرُونَ ، أَولا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ، وإِذا ما أُنْزِلَتْ سُورَةٌ (وبعضهم عند رسول الله طبعاً، وما يحدث لهم من شدّة القلق والاضطراب والتزلزل المشهود في سيماهم) نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ هَلْ يَراكُمْ مِنْ أَحَدٍ (وهل اطّلع على اضطرابكم أحد أو لا؟) ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ[11].
ويبيّن أحوال المنافقين أيضاً عند تقسيم الصدقات والزكاة الواجبة إذ كانوا يلمزون النبيّ: وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْها رَضُوا وإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْها إِذا هُمْ يَسْخَطُونَ ، ولَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا ما آتاهُمُ اللَّهُ ورَسُولُهُ وقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ ورَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ راغِبُونَ[12].
وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ ويَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ ورَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ والَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ ، يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ واللَّهُ ورَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كانُوا مُؤْمِنِينَ ، أَ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحادِدِ اللَّهَ ورَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نارَ جَهَنَّمَ خالِداً فِيها ذلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ[13].
قال العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه: يمكن أن يكون قوله: أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ من الإضافة الحقيقيّة؛ أي: سمّاع يسمع ما فيه خيركم حيث يسمع من الله سبحانه الوحي، وفيه خير لكم. ويسمع من المؤمنين النصيحة، وفيها خير لكم. ويمكن أن يكون من إضافة الموصوف إلى الصفة. أي: اذن هي خير لكم، لأنّه لا يسمع إلّا ما ينفعكم ولا يضرّكم! والفرق بين الوجهين أنّ اللازم على الأوّل أن يكون مسموعه خيراً لهم، كالوحي من الله، والنصيحة من المؤمنين. واللازم على الثاني أن يكون استماعه استماع خير، وإن لم يكن مسموعه خير، كأن يستمع إلى بعض ما ليس خيراً لهم لكنّه يستمع إليه فلا يردّه فيحترم بذلك قائله؛ ثمّ يحمل ذلك القول منه على الصحّة فلا يهتك حرمته ولا يسيء الظنّ به؛ ثمّ لا يرتّب أثر الخبر الصادق المطابق للواقع عليه، فلا يؤاخذ مَن قيل فيه بما قيل فيه. فيكون قد احترم إيمانه، كما احترم إيمان القائل الذي جاءه بالخبر.
ومن هنا يظهر أنّ الأنسب بسياق الآية هو الوجه الثاني لما عقبه بقوله: يُؤْمِنُ بِاللَّهِ ويُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ[14].و قال تعالى في بخل المنافقين وعدم التزامهم بوعودهم، ولمزهم المؤمنين في الصدقات: ومِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ ولَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ[15] ، فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وتَوَلَّوْا وهُمْ مُعْرِضُونَ ، فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وبِما كانُوا يَكْذِبُونَ ، أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ ونَجْواهُمْ وأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ، الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ والَّذِينَ لا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ ولَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ[16].
قال الشيخ الطبرسيّ: قيل: نزلت (هذه الآية) في ثعلبة بن حاطب. وكان من الأنصار، فقال للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: ادع الله أن يرزقني مالًا! فقال (رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم): يَا ثَعْلَبَةُ! قَلِيلٌ تُؤَدِّي شُكْرَهُ خَيْرٌ مِنْ كَثِيرٍ لَا تُطِيقُهُ؛ أ مَا لَكَ في رَسُولِ اللهِ اسْوَةٌ حَسَنَةٌ؟! والذي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أرَدْتُ أنْ تَسِيرَ الجِبَالَ مَعِي ذَهَبَاً وفِضَّةً لَسَارَتْ! ثمّ أتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله! ادع الله أن يرزقني مالًا! والذي بعثك بالحقّ لئن رزقني الله مالًا، لأعطينّ كلّ ذي حقّ حقّه! فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: اللهمّ ارزق ثعلبة مالًا! فاتّخذ ثعلبة غنماً فنمت كما ينمو الدود، فضاقت عليه المدينة، فتنحّى عنها. فنزل وادياً من أوديتها. ثمّ كثرت نموّاً حتّى تباعد عن المدينة.
فاشتغل بذلك عن (صلاة) الجمعة والجماعة. وبعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إليه المصدق ليأخذ الصدقة. فأبى، وبخل، وقال: مَا هَذَا إلَّا اخْتُ الجِزْيَةِ.
فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا ويح ثعلبة! يا ويح ثعلبة! فنزلت هذه الآيات فيه. وروي ذلك عن أبي أمامة الباهليّ مرفوعاً.
وقيل: إنّ ثعلبة أتى مجلساً من الأنصار فأشهدهم فقال: لئن آتاني الله من فضله، تصدّقت منه، وآتيتُ كلّ ذي حقّ حقّه، ووصلتُ منه القرابة، فابتلاه الله. فمات ابن عمّ له، فورثه مالًا، ولم يفِ بما قال: فنزلت. عن ابن عبّاس، وسعيد بن جبير، وقتادة.
وقيل: نزلت في ثعلبة بن حاطب، ومُعَتّب بن قشَير، وهما من بني عمرو بن عوف قالا: لئن رزقنا الله مالًا لنصّدّقنّ. فلمّا رزقهما الله المال، بخلا به. عن الحسن، ومجاهد[17].
وقال العلّامة الطباطبائيّ رضوان الله عليه بعد ذكر هذه الرواية: ما ذكره من الروايات لا يدفع بعضها البعض؛ فمن الجائز أن يكون ثعلبة عاهد النبيّ بذلك ثمّ أشهد عليه جماعة من الأنصار، وأن يكون معه في ذلك غيره، فتتأيّد الروايات بعضها ببعض[18].
[1] الآيتان 8 و 9، من السورة 61: الصفّ.
[2] الآية 83، من السورة 9: التوبة.
[3] تفسير «الميزان» ج 9، ص 378؛ و تفسير «مجمع البيان» ج 3، ص 56.
[4] الآيات 94 إلى 96، من السورة 9: التوبة.
[5] تفسير «الميزان» ج 9، ص 382.
[6] «الميزان» ج 9، ص 388.
[7] «مجمع البيان» ج 3، ص 61؛ و «الميزان» ج 9، ص 388.
[8] قال الراغب الإصفهانيّ في مفرداته: العرب وُلدْ إسماعيل، و الأعراب جمعه في الأصل؛ و صار ذلك اسماً لسكّان البادية.
[9] الآيتان 97 و 98، من السورة 9: التوبة.
[10] الآية 101، من السورة 9: التوبة.
[11] الآيات 124 إلى 127، من السورة 9: التوبة.
[12] الآيتان 58 و 59، من السورة 9: التوبة.
[13] الآيات 61 إلى 63 من السورة 9: التوبة.
[14] تفسير «الميزان» ج 9، ص 329.
[15] ذكر في تفسير «الميزان» ج 9، ص 370 و 371، عن تفسير «الدرّ المنثور» أنّه أخرج عن البخاريّ، و مسلم، و الترمذيّ، و النسائيّ، عن أبي هريرة أنّ رسول الله صلّى الله عليه و آله و سلّم قال: آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، و إذا وعد أخلف، و إذا ائتمن خان.
[16] الآيات 75 إلى 79، من السورة 9: التوبة.
[17] تفسير «مجمع البيان» ج 3، ص 53؛ و تفسير «الميزان» ج 9، ص 369 و 370.
[18] «الميزان» ج 9، ص 370.
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)