البناء والتركيب
ونقصد بالبنية النحوية لا الصيغة التي تكون عليها الأسماء والأفعال القابلة للصياغة فقط بل أيضا صيغة كل حملة ويسمى سيبويه وشيوخه بنية الكلمة المتصرفة بناء (ج أبنية). قال: فالأفعال تكون من هذا على ثلاثة أبنية على فعل ويفعل وفعل يفعل وفعل يفعل ... وقد جاء بعض ما ذكرنا على فعول (2/ 215) وسترى أن للبناء مدلولا عندهم هو أخص من البنية
والصيغة ويأتي تمثيل هذه الابنية بالمثال كما وضحناه في كتابنا منطق العرب. وينطبق مفهوم المثال على الكلمة المتصرفة وعلى الجملة على حد سواء. قال سيبويه: وعلى هذا المثال جاء مررت بأخيك زيد (1/ 39) وقال أيضا: وكيف أنت وزيد وأنت وشأنك مثالهما واحد (1/ 152).
إلا أنهم أرادوا أن يخصصوا الكلمة المفردة المتصرفة باصطلاح بدل على الصيغة وهي كلمة وزن أو زنة (الكتاب 2/32) فللحمل مثل كما أن للكلم مثلا إلا أن لكل واحد منهما خصوصية لاختلاف المستوى.
ويعني النحاة بالبناء كمصدر التركيب والتأليف لعدد من العناصر المؤدي إلى إنشاء وحدة جديدة على صيغة معينة وتكون منتمية إلى المستوى الذي هو فوق العناصر التي تأتلف منها. ولهذا قال أحدهم وهو ابن حني: إن التركيب يحدث للمركبين حكما مستأنفا ويخلقه خلقا مرتحلا (المحتسب 2/ 312). ثم إن التركيب اللغوي هو متداخل عموديا على طبقات ومستويات وأسفلها هي الوحدات الصوتية وأعلاها هي التراكيب المسماة بالجمل.
وهي مستويات مختلفة. ولا يستعمل سيبويه وشيوخه ومعاصروه كلمة تركيب ومشتقاته إطلاقا. ولم ترد في كتابه ولا في مجاز القرآن لأبي عبيدة وستظهر لأول مرة عند المتكلمين في نهاية القرن الثاني وعند الجاحظ خاصة كما سيأتي.
أما استعمال النحاة بعد سيبويه لكلمتي بناء وتركيب فقد كان كالتالي: احتفظوا بلفظة بناء أولا في وصفهم الكلمة غير المعربة بأنها مبنية ثم فيما يخص دراسة الكلمة المفردة وجعلوا دراسة أبنية الكلم قسما قائما بنفسه منفصلا عن أبنية الكلام وذلك منذ أن ألف المازني (المتوفي في 249) كتاب التصريف. وهم على صواب إلا أنهم أخرجوا كلمة بناء من دراسة أبنية الكلام تماما وأبقوها فيما سموه بعلم التصريف. وبذلك صارت المركبات تقابل المفردات (وقالوا في هذا المعنى إفرادا وتركيبا. وذلك على الرغم من استعمالهم التركيب بمعناه الأصلي وتطبيقهم إياه على كل تأليف سواء كان تركيبا إسناديًا كما يقولون أم لا. وقد تم هذا التحول نهائيا عند المتأخرين.
وقد حدد النحاة كل أنواع البني، وأدق ما وصل إلينا من ذلك هو تحديد الرضي لبنية الكلمة وقد سبق أن ذكرناه ولا بأس بإعادته لأهميته. قال: المراد ببناء الكلمة ووزنها وصيغتها هيئتها التي يمكن أن يشاركها فيها غيرها وهي عدد حروفها المرتبة وحركاتها المعينة وسكونها على اعتبار الحروف الزائدة والأصلية كل في موضعه (شرح الشافية 1/ 2-3).
أما البنى النحوية الخاصة بالكلام فإنها لا تنحصر فيما فهمناه من كلام الخليل وسيبويه، في المستوى المتضمن للبينيتين فعل وفاعل مبتدأ وخبر لوجود مستوى أعلى منه يمكن أن تتحد فيه هاتان البنيتان في بنية واحدة تكون أعم وأشمل وهو أهم ما سنتطرق إليه في كتابنا هذا إن شاء الله.
هذا ولابد للفظ الدال أن يختلف عن غيره من الألفاظ الدالة ليقوم بوظيفته البيانية ولا يلتبس بشيء آخر. إلا أن العلماء العرب لا يرون أن التباين يتم في المستويات التي فوق الوحدات الصوتية بالصفات المميزة بل بالأبنية خلافا للبنيويين في زماننا ويرى العلماء العرب أن في ذلك اقتصادا كبيرا. قال أبو حيان في شرح التسهيل هذا الصدد: إن الحروف قليلة وأنواع المعاني لا تكاد تتناهى فخصوا كل تركيب بنوع منها ليفيدوا بالتراكيب والهيئات أنواعا كثيرة.
ولو اقتصروا على تغاير المواد حتى لا يدلوا على معنى الإكرام والتعظيم إلا بما ليس فيه من حروف الإيلام والضرب لمنافاتهما لهما لضاق الأمر جدا و لاحتاجوا إلى ألوف حروف لا يجدونها. بل فرقوا بين معتق ومعتق حركة واحدة حصل بها تمييز بين ضدين وما فعلوه أخصر وأنسب وأخف (ذكر في المزهر 1/ 347) فنظام اللغة عند العلماء العرب مبنى على التباين في البنية من جهة وعلى التكافؤ فيها من جهة أخرى وفي كل مستوى انطلاقا من مستوى تراكيب الحروف الأصول للكلم. ثم إن للبنية جانبا رياضيا لتدخل التركيب في إحداثها وضرورة وجود عدد من العناصر وغير ذلك. ولهذا يتصف نظام اللغة في رؤية الخليل بأوصاف خاصة لها علاقة بالمفاهيم الرياضية وهي ما يسمى بعد سيبويه بقسمة التركيب في اللغة (1) وما تقتضيه من تصرف.
وسننظر في كل واحدة من هذه الصفات كما تصورها النحاة العرب باختصار شديد لأننا قد تناولناها بالدراسة في كتابنا منطق العرب وفي أماكن متفرقة فتقدمها الآن مجمعة حتى يدرك القارئ الكريم العلاقات الوثيقة القائمة بينها إن شاء الله.
_______________
(1) يقابلها عند العلماء الرياضيين الغربيين ما سموه ب: Combinatory أو Combinatoire. وهو مفهوم عربي أصيل.