تحول ما جاء في الكتاب عبر الزمان
(1) تغيير خاطئ لتعريف سيبويه الحروف المعاني
جاء في كتاب سيبويه الكلم اسم وفعل وحرف جاء المعنى وليس باسم ولا فعل" (1،1). فقد غير المبرد هذا التعريف واختصره وقد يكون الأخفش أو المازني أو الجرمي قد فعل ذلك
قبله. قال: فالكلام كله اسم وفعل وحرف جاء معنى المقتضب (1/3). فأهم تغيير في هذا هو استعمال الكلام بدلا من الكلم وهذا غير دقيق لأن المقصود ههنا هو تقسيم الكلم يقطع النظر عن الكلام وسار تلميذه ابن السراج على هذا النهج فقال: "الكلام يأتلف من ثلاثة أشياء: الاسم والفعل والحرف الأصول (1/ 36). وهكذا فعل أبو علي الفارسي (الإيضاح (1/1). فمن التقسيم سرنا إلى تأليف الكلام. فالذي حصل أولا هو اختصار كلام سيبويه تعشقا لأن بعض الأسماء تأتي معنى وكذلك الأفعال الناسخة فهي تأتي لا للدلالة على ذات أو حدث في أثناء حدوثه بل على ما يدل عليه حرف المعنى. ثم لفظة حرف يريد منها سيبويه ها هنا الكلمة لأن كل واحد من الثلاثة عنصر ووحدة (1). والدليل على ذلك قول سيبويه: بدلا من حرف هو من نفس الحرف (2/ 345) أي بدلا من حرف هو من نفس الكلمة. هذا والمقصود من المعنى هاهنا ليس هو مدلول اللفظ عامة بل المدلول المجرد أو الاعتباري مما احتص به حرف المعنى وهو غير الذات ولا الحدث الحادث وذلك مثل التعجب والاستفهام والتأكيد والنفي والشك واليقين وهو يدخل فيما يسميه سيبويه وبعض النحاة بـ المعاني وذلك ما قاله ابن يعيش: الأصل في إفادة المعاني إنما هو الحروف (شرح 7/ 143) (تطرقنا إلى ذلك في منطق العرب). وقول السيرافي بأنه ما يدل على معنى في غيره أخذ من تعريف أرسطو للأدوات غير الأسماء والكلم الأفعال في اصطلاحه وشيعه الفارابي في بداية القرن الرابع (2).
2) تحديد الاسم متوقف على تقسيمه
هذا وقد حدد ابن السراج الاسم بالتعريف التالي: الاسم ما دل على معنى مفرد وذلك المعنى يكون شخصا وغير شخص (الأصول نفسه). وأخذ منه أكثر النحاة بعده هذا التعريف وتصرف فيه بعضهم وجمع تلميذه الزجاجي تعريفات الاسم للنحاة الذين سبقوه في كتابه الإيضاح مبينا في ذلك اختلافهم. فأما ما أخذ من أرسطو فكون الفعل (3) يدل على زمان زيادة على ما يدل عليه واستعمل الكثير من النحاة بعد ابن السراج هذه الصفة. وقد حدد سيبويه
الاسم العام والعلم هكذا: هذا الذي كل واحد من أمته له هذا الاسم (1/ 204) للاسم العام (اسم الجنس بعد سيبويه). و: اسم وقع عليه فيعرف هو بعينه دون سائر أمته للعلم. ويمكن أن يستنتج من ذلك مفهوم الاسم فهو علامة تقع على شيء ليعرف بها إما هو بعينه وإما كواحد من سائر أمته (4). ففي هذين الصنفين يدل الاسم على ذات مبهمة في جنسها أو على ذات معينة بعلامة خاصة.
وهذا لم ينتبه إليه الذين تناولوا موضوع تحديد الاسم وتعريف سيبويه أدق من كل ما جاءوا به لأنه يميز بين الاسمين الجنس والعلم ويذكر المرجع في ذلك وهو الانتساب إلى أمة بالإمام أو بالتعيين. ويستنتج من هذا أن مدلول الاسم هو ذات في مقابل الحدث الحادث في زمان (وهو مدلول الفعل). ولا بد أن يكون المبرد أو شيخاه أدركوا هذا الفرق لأنه قال: لأنك تغير عن الذات (المذكر والمؤنث 107) وقال أيضا: الأسماء لأنها تدل على ذات الشيء (الكامل 33:1). أما اختلاف النحاة في تعريفهم للاسم فقد بينا فيما سبق (5) أن أكثرهم لم يدركوا ما قاله سيبويه ومن فهمه جيدا ممن جاء بعده. فقد قسم سيبويه الأسماء إلى لازمة لمسماها وغير لازمة (1/ 209).
فزيد وعمرو ورجل وفرس هي أسماء تدل على ذوات بكيفية لازمة وهي أصول الأسماء. أما الظروف والضمائر وأسماء الإشارة وغيرها فلا تدل على شيء معين في خارج التخاطب ولا تدل على ذلك إلا في الخطاب فأين ومتى يدلان على أي مكان وأي زمان وأنا وأنت يصلح الأول لأي متكلم والثاني لأي مخاطب ثم يتعين كل هذا في الخطاب لوجود متكلم ومخاطب معينين فيه، فكل هذه الأسماء تدل على شيء غير معين في الوضع فهي غير لازمة المسماها فلا يمكن أن يعرف الاسم بمجرد ذكرنا المدقولة فحيث وجين وغير لا تدل على ذات مع أنها أسماء لأنها تأتي في موضع الأسماء. ولذلك يجب أن تميز بين أصول الأسماء وهي اللازمة المسماها وما لا يلزم مسماه فلا يمكن على هذا أن يعرف الاسم على التحديد الأرسطي (6) إذ يمكن أن يحدد بالموضع (كما سنفعله في هذا الكتاب) أيا كان صنفه وهذا تناساه الزجاجي.
3) الصفة تابعة للاسم كتمام له
هذا وقد أدخل النحاة وأولهم ابن السراج الصفة في فئة التوابع وفيها التوكيد والبدل وعطف البيان وعطف النسق فصحيح أن الصفة تابعة لموصوفها في الإعراب خاصة لكنها ليست مماثلة لما سمي بالتوابع إلا من هذه الجهة فقط. وذلك لأنها لا تأتي منفردة عن موصوفها ويقول سيبويه في ذلك: إن الصفة تمام الاسم 1/ 45). وقال عن البدل: لأن الوصف تابع للاسم وأما البدل فمنفرد (1/ 393) ولم يتساءل ابن السراج ماذا هو منفرد. وقال سيبويه أيضا: رأيت قومك أكثرهم على أنه أراد: رأيت أكثر قومك... ولكنه ثنى الاسم توكيدا (1/ 57). أراد بالتبعية ههنا كون الصفة جزءا من الاسم وقد صرح بذلك عند قوله هو من اسمه وأنها تمام للاسم فالصفة داخلة في وحدة (سرى أهمية ذلك). أما البدل فهو منفرد عن هذه الوحدة لأنه تثنية في موضع الاسم وكذلك هو العطف والتوكيد. فهي كلها تكرار الشيء في موضعه. قال المبرد عن هذا المعطوف على الشيء يحل محله لأنه شريكه في العامل .... وقبل ذلك: البدني في جميع العربية يحل محل المبدل عنه (المقتضب 4/ 211) وليست كذلك الصفة لأنها جزء من اسم واحد وليست تكرارا ولا تثنية. ويشهد على ذلك قول سيبويه: فإن أطلت النفي فقلت: مررت برجل عاقل كريم مسلم فأجره على أوله (1/ 210). فــــ عاقل هو نعت وما تكرر بمعنى الصفة فهو بدل فالصفة ليست في ذاتها إطالة كالبدل والعطف وغير ذلك. وسنذكر من ذلك الكثير إن شاء الله وقد مر من ذلك في كتبنا السابقة (7).
______________________
(1) ودليل آخر هو اختيار المترجمين كلمة حرف الترجمة الكلمة اليونانية اسطقسوس وهو العصر عندهم.
(2) انظر كتاب الحروف له.
(3) وهي الكلمة في ترجمة كتاب العبارة والحرف في ترجمة عبد الله بن المقفع (انظر كتابنا منطق العرب).
(4) الأمة يعني كما الجنس أي الفئة من الأشياء.
(5) ويشه مفهوم الذات مفهوم الشخص الذي جاء في تعريف ابن السراج الاسم إلا أن الشخص يقابل به غير الشخص وهو يعني المسمى غير المحسوس أما من استعمل لفظة الذات من النحاة ففي مقابل أحدث الفعلي ومعنى الحرف معا.
(6) التعريف التحقيق عند أرسطو (أي بالجوهر).
(7) أي زيادة على اسم نصير معه كاسم واحد