المخاطبون في الاية (191) من سورة البقرة ومسؤوليتهم
المؤلف:
الشيخ عبدالله الجوادي الطبري الآملي
المصدر:
تسنيم في تفسير القران الكريم
الجزء والصفحة:
ج 9، ص705-707
2026-07-23
74
المخاطب في الاية المفسرة هي الامة السلامية بمهاجريها وأنصارها لأن القرآن الكريم يعتبرها ذات حقيقة واحدة في المسائل المختلفة سواء ما يتعلق منها بالأرواح والأنفس والأموال والإعراض والكرامة أو التقاليد والتعاليم الدينية فخاطبها الله تعالى في الاية الشريفة بقوله (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) في حين أن مشركي مكة كانوا قد اخرجوا المهاجرين من تلك المدينة وليس الانصار واستند الطبري على ذلك في قوله: بأن المخاطب في الاية هم المهاجرون خاصة[1].
واستناداً الى الامر الإلهي توجب على المسلمين من المهاجرين والأنصار قتل المشركين أينما وجدوهم وطردهم من مكة كما طردوهم وليس لإخراج المشركين والكافرين من مكة وتهجيريهم أي وضع خاص فقد يكون ذلك أحيانا بالإبعاد وطردهم ونفيهم بصريح العبارة أو من خلال الحصار المفروض عليهم ومقاطعتهم اجتماعيا واقتصاديا وما شابه ذلك تمهيدا لخروجهم القسري وهو ما كان المشركون يفعلونه مع المسلمين حين كانوا يخرجونهم وينفوهم من مكة من دون ملاحظة أي وضع من أوضاعهم.
وفي الوقت الذي كان فيه المشركون أقوياء وكان المسلمون آنذاك قلة ضعيفة كانوا يجبرون المؤمنين على ترك الاسلام والارتداد والرجوع الى الشرك ويهددونهم بالطرد من مكة اذا هم لم ينصاعوا لأوامرهم فأما الشرك والكفر وأما الابعاد والتشريد ولما قويت شوكة المسلمين توجب عليهم معاملة المشركين بالمثل والقول لهم: إنما الاسلام أو التهجير إما أن تطهروا أنفسكم من أدران الشرك والوثنية والالتحاق بركب الاسلام وأما أنكم لا تستحقون البقاء في مدينة طاهرة مثل مكة وفي غير هذه الحالة مقتولون لا محالة والجدير بالذكر أن المسلمين في وقتها كانوا أوفياء لدينهم ويستحقون توفيق الله تعالى لهم فلم يستجيبوا لمطالب الكفار وفضلوا الخروج من مكة على تركهم لدينهم أو التخلف عن نصرة نبيهم ﷺ لكن المشركين لم يكونوا ليمتلكوا مثل هذه الغيرة والحماسة لعقيدتهم ولعل هذا الدستور الالهي هو الذي دفع النبي الاعظم ﷺ الى طرد البعض ممن لم يدخلوا الاسلام بعد فتح مكة[2].
ويقول القرآن الكريم في تعبير مشابه لهذه الاية: (فَإِذَا انسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ...[3]) حيث تبين هذه الاية بصراحة حكم أسر المشركين ومحاصرتهم كذلك وتؤيد الاية المذكورة أن معنى قوله تعالى: (ثَقِفْتُمُوهُمْ) هو وجدتموهم وفي آية اخرى بهذا الشأن يقول الله سبحانه وتعالى: (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً ۚ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ[4]).
إلماعة: تتضمن الاية المفسرة بشرى للمؤمنين وإنذار وتحذيرا للمشركين، وبعبارة اخرى وعدا لأهل الايمان ووعيدا لأهل الشرك لأن أمر الله عز وجل يماثل إذنه ولا بد الامتثال لأمره عند الإمكان ولو كان المسلمون مضطهدون في المدينة كما كانوا كذلك في مكة لعجزوا عن محاربة المشركين أصلا فما بالك بقتلهم واخراجهم؟ ويشير الامر الالهي المذكور بقتل بعض المشركين والتنكيل بهم وإخراج البعض الاخر وطردهم يشير بوضوح الى حتمية انتصار الدولة الاسلامية الفتية.
[1] جامع البيان: المجلد 2 ، 2 / 252. قال الطبري: وأما قوله: (وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) فإنّه يُعنى بذلك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ومنازلهم بمكة، فقال لهــم تعالى ذكره: اخرجوا هؤلاء الذين يقاتلونكم - وقد أخرجــوكـم مــن ديـاركـم ـ من مساكنهم وديارهم كما أخرجوكم منها.
[2] تفسير الكشاف. 1 / 236. قال الزمخشري قابلهم المشركون عام الحديبية في الشهر الحرام وهو ذو القعدة، فقيل لهم عند خروجهم لعمرة القضاء وكراهتهم القتال وذلك في ذي القعدة: (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ) أي هذا الشهر بذلك الشهر وهنكه بهتكه، يعني تهتكون حرمته عليهم كما هتكوا حرمته عليكم (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) أي وكل حرمة يجري فيها القصاص من هتك حرمة أي حرمة كانت اقتص منه بأن تهتك له حرمة، فحين هتكوا حرمة شهركم فافعلوا بهم نحو ذلك ولا تبالوا. وأكد ذلك بقوله (فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ) في حال كونكم منتصرين ممن اعتدى عليكم، فلا تعتدوا إلى ما لا يحل لكم.
0
0
لا توجد تعليقات بعد
ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى
الاكثر قراءة في مقالات قرآنية
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة