تعهد القضاء بالمنازعات كطرف مراقب تعهد غير مباشر
يتولى القضاء، إلى جانب تعهده أصالة بفض منازعات الاستثمار، مراقبة ما يصدر بشأنها بموجب القرارات التحكمية في حالات مضبوطة (القسم الأول) ويتدخل لحماية الاستثمار (القسم الثاني)
مبدأ الطعن وأسبابه:
يتداول البعض في قبول مبدأ الطعن (الفقرة الأولى) وفي أسبابه (الفقرة الثانية).
الفقرة الأولى: مبدأ الطعن
1: المبدأ:
نتحدث عن المبدأ بوجه عام (1) وعن تفعيله (2)
تختلف الدول في اعتماد طرق الطعن فبعضها يتيح للخصوم اللجوء إلى طرق متعددة ومختلفة، وفق شروط وقيود محددة، أو اللجوء إلى بعضها أو إلى أحداها دون بعضها الآخر.
ومن المعلوم أن طرق الطعن المتعارف عليها في الأنظمة الإجرائية هي الاستئناف والاعتراض من الغير، والتماس إعادة النظر، والتعقيب.
أما الطعن في الأحكام التحكيمية فانه يخضع لأحكام خاصة. ذلك أن بعض التشريعات لا تأخذ بالطرق العادية وتربطه في أحيان بصور خاصة فاستئناف الحكم التحكيمي مثلاً في تونس مقيد بشرط التنصيص عليه في اتفاقية التحكيم لان الفصل 39 من مجلة التحكيم ينص على ما يلي:
"لا يجوز الطعن بالاستئناف 1 / في أحكام المحكمين المصالحين.
2/ في أحكام التحكيم ما لم تنص اتفاقية التحكيم على خلاف ذلك"
يعكس التضييق في الطعن الاتجاه التشريعي الذي يرغب في المحافظة على مزايا التحكيم وخاصة منها السرعة في فصل النزاعات، وحتى يكون مستقلاً عن القضاء العدلي.
ومن المفيد بيان انه لا يجوز الطعن بالاستئناف في مجال التحكيم الدولي، فالمشرع في تونس لم يأخذ إلا بوسيلة طعن وحيدة وهي الإبطال التي يجوز استبعادها من الأطراف وفق شروط الفصل 6/78 من مجلة التحكيم. يمكن تفسير الحد من الطعون بقاعدة منطقية مفادها أن ميدان التحكيم يتسم بخصوصية تمتع الأطراف بحرية كبيرة في تنظيم التحكيم وهي خصوصية تبرر التقليص في حق الطعن في القرارات الصادرة في مادة التحكيم (1).
وعلى هذا الأساس ينتقد البعض مبدأ الطعن والرقابة اللاحقة للقرارات التحكيمية قولاً بأنها:
ـ تعيق التنفيذ وتطيل إجراءاته
ـ تشكل نوعاً من الازدواجية في العدالة (التحكيمية والقضائية) التي قد تنتهي إلى تغليب القضائية منها على التحكيمية.
ومما لا شك فيه أن طرق الطعن في القرارات التحكيمية، تظل رغم انتقاداتها أمراً طبيعياً تمليه المبادئ العامة للتقاضي بشكل عام، وضرورات الرقابة القضائية على أحكام المحكمين لتأمين حسن سير العدالة.
ولذلك لا ينظر إلى الرقابة كآلية طعن تؤدي إلى إفراغ التحكيم من أصل النزاع، مقصده الأساسي، وهو استبعاد القضاء العدلي من النظر في وإنما كصيغة توفيقية بين موقفين موقف الخصوم الذين تخلوا منذ البداية عن ولاية المحاكم القضائية بإرادتهم وبترخيص من المشرع، وبين دور القضاء في استعادة سلطته على النزاع في مرحلة لاحقة لمراقبة مدى تطابق الفصل فيه مع الإجراءات والشكليات المستوجبة في الحكم التحكيمي (2).
وباعتبار إن الطعن في القرارات التحكيمية يمثل نوعاً من الرقابة القضائية اللاحقة لها، فان بعض الدول تتشدد في ممارسته في حين تتساهل أخرى في تحديد شروطه وإجراءاته.
ويمكن القول حالياً: إن دعوى بطلان حكم المحكمين أصبحت في كثير من الدول، ولاسيما العربية هي السبيل الوحيد المتاح للطعن بهذه الأحكام، ولاسيما تلك المتأثرة بالقانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي كلياً أو جزئياً، سواء في التحكيم الداخلي أو الدولي.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 ـ يراجع في هذا المعنى القرار عدد 33 الصادر عن محكمة الاستئناف بتونس بتاريخ 26 اكتوبر 1999، مجلة القضاء والتشريع عدد 4، ابريل 2001 الصفحة 205 و222.
2 ـ وبموجب الحق في ممارسة الطعن يمكن للخصوم سلوك طريق الطعن بالإبطال في القرار التحكيمي، ولأسباب تتصل بحالات التعهد، وتشكل الهيئة، والنظام العام... وهي لا تتعلق بالوقائع وبأصل الدولي النزاع.