اتضح لنا في ما سبق عدة نقاط، منها: أولاً: وجوب الإفاضة من عرفات، ولا تتحقق دون الوقوف فيها؛ فيكون الوقوف فيها واجباً، وما تأمل فيه أبو حيان الأندلسي لا محل له[1]. أما حدود الوقوف في عرفات فتعلم من سنة المعصومين عليهم السلام.
ثانياً: وجوب الإفاضة من المشعر، ولا تتحقق دون الوقوف فيه؛ فيكون الوقوف هناك واجباً. أما حدود ذلك فتعلم من الفقه.
ثالثاً: بطلان ما ابتدعته قريش وأهل الخمس - من عدم وقوفهم في عرفات وترك الإفاضة منها، ومن منع الآخرين من الوقوف في المشعر والإفاضة منه - ونسبة ذلك إلى الجاهلية الجهلاء.
وقد بين الله سبحانه كيفية الإفاضة إلى منى بقوله: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ)، أي إنّ عليكم أن تفيضوا بالكيفية التي يفيض فيها الناس، وأن تراعوا زمان ومكان وأسلوب إفاضتهم.
وقد اختلفت آراء المفسّرين حول المقصود من كلمة (النَّاسُ) على أقوال: 1. إن المقصود هو نبي الله إبراهيم عليه السلام، لأنه كان إماماً وقدوة للناس، وقد سمّي (أمّة): (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا[2]) كما سمّي (ناس)، فكأنه لوحده نوع خاص.
وعلى هذا الأساس يكون المعنى هو أن عليكم أن تتبعوا إبراهيم الخليل لل في إفاضتكم فتفعلوا ما كان يفعله عند الإفاضة من جهة الزمان والمكان والشروع والانتهاء[3].
ويؤيد هذا الوجه الرواية التي سنذكرها في البحث الروائي.
2. هو نبي الله آدم عليه السلام وتؤيد هذا الاحتمال قراءة بعض القراء[4].
3. هم أهل اليمن وربيعة وهما قبيلتان خاصتان[5]. وتؤيد احدى الروايات[6] هذا الاحتمال.
4. هم علماء الدين الذين يعرفون الدين ويعلمونه للناس[7].
5. هم من يمتلكون صلاحية اقتداء الناس وائتمامهم بهم ويعلمون حدود الحج وأحكامه ويعلمون بها وهذه الصلاحية لا تتوفر الا لدى نبي الله ابراهيم عليه السلام والانبياء الابراهيميين والمعصومين عليهم السلام والعلماء المتبعين لهم من الناحية العلمية والعملية والمدافعين عن الشريعة[8].
6. هم جماهير الناس والحجاج وزوار بيت الله[9].
وبعض هذه الوجوه المذكورة له الأرجحية ولكن ظاهر الاية الشريفة هو الاطلاق بحيث يمكن لجميع هذه الوجوه المذكورة أن تكون من مصاديقها الا اذا وجد ما يرجح أحد هذه الوجوه كالرواية التي طبقت {الناس} على نبي الله ابراهيم عليه السلام تطبيقا مصداقيا لا تفسيرا مفهوميا.
ومع الاخذ بنظر الاعتبار ظاهر الاية الشريفة التي تهدف الى تقديم الاسوة والنموذج لأحكام الحج التعبدية فمن المناسب أن يكون المقصود من {الناس} هم أولئك الذي تتوفر فيهم مستلزمات القدوة والامامة أمثال نبي الله ابراهيم عليه السلام والمعصومين من ذريته والعلماء العارفين بالدين ممن يتبعونه علما وعملا فنكون بذلك قد حافظنا على كونهم أسوة من جهة مع عدم اطلاق كلمة (الناس)على شخص واحد فقط من جهة أخرى.
[1] تفسير البحر المحيط، ج 2، ص 104 .
[2] سورة النحل، الآية 120؛ التبيان، ج 2، ص 169؛ مجمع البیان، ج 1 - 2، ص 528؛ تفسیر ابن كثير، ج 1، ص 250
[3] التفسير الكبير، مج 3، ج 5، ص 181 .
[4] راجع: مجمع البیان، ج 1 - 2، ص 528 ؛ التفسير الكبير، مج 3، ج 5، ص 181 ؛ الكشاف عن حقائق التنزيل، ج 1، ص 247 .
[5] راجع: مجمع البیان، ج 1 - 2، ص 528 .
[6] تفسير العياشي، ج 1، ص 97 - 98 .
[7] راجع: مجمع البيان، ج 1 - 2، ص 528 .
[8] تفسير ابن كثير، ج 1، 250؛ مواهب الرحمن، ج 3، ص 156 .
[9] تفسير العياشي، ج 1، ص 97؛ مجمع البيان، ج 1 - 2، ص 528 ؛ جامع البیان، مج 2، ج2، ص390.