وصف القرآن الكريم ذكر الله بالكثرة والزيادة (اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا[1])، مثلما وصف بالشدة: (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا).
وشدة ذكر الله تعني ذكره بقلب أكثر التفاتا.
ووصف ذكر الحق بالكثرة يراد به الكثرة الكمية الزمانية الى حد أن الانسان لا يغفل عن ذكر الله حتى لحظة واحدة لان الانسان يصير هدفا للشيطان بمقدار غفلته عن الله.
أما وصفه بالشدة فالمراد به كيفية الذكر لا شدة الصراخ والعويل لأن أدب ذكر الله يقتضي المحافظة على الهدوء والسكينة الى أقصى حد ممكن مع ذكره دون الجهر: (وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ[2])، (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً[3]) لان الله يعلم حتى ماهو أخفى من السر: (يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى[4]).
إذن فجملة (أَشَدَّ ذِكْرًا) هي بيان للصفة الكيفية والنفسانية لذكر الحق الذي يعود الى امر نفسي مثل (أَشَدُّ حُبًّا) في آية (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ[5]) التي هي صفة نفسية للمحبة وهذه الاية تبين أن محبة المؤمنين لله أكثر كثيرا وأشد من محبة الوثنيين لآلهتهم وأصنامهم.
تبيه: يشترك (أشد) و(شديد) في أصل الشدة ومعنى أفعل التفضيل هو افادة الزيادة في نفس المادة سواء كان متعلق المادة المشتركة فضيلة أم رذيلة وما لدينا هنا هو رذيلة تتمثل بذكر الاباء الغزاة والسافكين للدماء وفضيلة تتمثل بذكر الله سبحانه.
واذا ورد الامر بذكر الله ذكرا أشد من ذكر الاباء فليس معنى ذلك اقرار مبدأ تذكر الغزاة الجاهليين فما بالك اذا رافقه ترغيب في شدته؟
وهذا المطلب ورد حينا بصورة الخبر وان كان يتضمن الانشاء ايضا في آية (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ)، ولا تفيد هذه الاية اقرار محبة الصنم بأي حال من الاحوال.
كما ورد حينا آخر بصورة الانشاء: (أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا).
والخلاصة هي: 1. إنّ المذكورين يتفاوتان بالمدح والذم.
2. إن الذكرين مختلفان في الحسن والقبح، وأي واحد من هذين الأمرين ليس مادة مشتركة.
3. إنّ المقصود من كيفية الذكر هو من جهة الشديد والأشد.
[1] سورة الاحزاب الاية 41.
[2] سورة الاعراف الاية 205
[3] سورة الاعراف الاية 55
[5] سورة البقرة الاية 165