(فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا ۗ فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ * وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ * أُولَٰئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُوا ۚ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ)
خلاصة التفسير: إن على الحجاج بعد أداء مناسك الحج في منى أن يذكروا الله بقلب منفتح ذكرا يكون أشد من ذكرهم لأسلافهم.
إن الناس الذين يمدون أيدي الفاقة الى الله المنان - سواء كانوا حجاجا أم غيرهم على نوعين: فقسم منهم غافلون عن التقرب الى الله والآخرة وجميع القيم المعنوية ولا هم لهم إلا ضمان دنياهم وهؤلاء لا حظ لهم مهما كان في الاخرة.
أما القسم الثاني فسيرتهم العلمية والعملية دوماً هي التفكير في القرب من الله والآخرة، وهدفهم هو الفوز بحسنة الدنيا والآخرة والنجاة من نار جهنم؛ و (الحسنة) تشمل جميع المواهب المادية والمعنوية. وكل ما تناله هذه الجماعة في الدنيا سوف تناله في الآخرة أيضاً.
وسواء كان الدعاء للدنيا أم للآخرة فتأثيره مشروط بالكسب والسعي والعمل الصحيح، فأفعال الله في الدنيا والآخرة تقوم على أساس المحاسبات الدقيقة، وهذه المحاسبات الدقيقة تتم بسرعة في الآخرة بسبب حضور كافة الأعمال وأعمال كل الناس وحضور الكتاب الجامع والكامل والكافل وحضور الشهود الداخلي والخارجي وإحاطة الله سبحانه العلمية بجميع الشؤون العلمية والعملية للأفراد.
وتهديد المجرمين بسرعة الحساب إنما يعود إلى سرعة عقابهم.
تفسير المفردات: قَضَيْتُمْ: (القضاء) ناقص يائي بمعنى فَضل الأمر قولاً كان ذلك أو فعلاً، وكل واحد منهما على وجهين إلهي وبشري. فمن القول الإلهي قوله: (وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ[1]) أَي أَمَرَ بذلك. ومن الفعل الإلهي قوله: (فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ[2]) إشارة إلى إيجاده الإبداعي والفراغ منه.
ومن القول البشري نحو قضى الحاكم بكذا؛ فإن حكم الحاكم يكون بالقول.
وقوله سبحانه وتعالى: (فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا[3]) إنما هو تعبير عن الفعل البشري[4].
وإطلاق القضاء على أداء العمل الذي لم يؤدّ في وقته المعين له، هو اصطلاح فقهي خاص.
والقضاء له معنى جامع يتضمن مصداقاً تكوينياً واعتبارياً[5].
نَصِيبٌ: هو الحظ من الشيء، والنصب إقامة الشيء وأهدافه في استواء كنصب الرمح وغيره. وإنّما يقال نصيب الشخص أي حظه فكان ذلك الشيء رفع له وأهدف فصار الشيء الوحيد البارز والواضح له[6].
سريع: السرعة بمعنى العجلة، والمفهوم العام يشمل السرعة في الأمور المادية والمعنوية من خير أو شر و سريع، على صيغة فعيل تعطي معنى ثبات و دوام سرعة الفاعل، بمعنى أن الله سبحانه يتولّى على الدوام محاسبة عباده دون أدنى تأخير[7].
[1] سورة الإسراء، الآية 23 .
[4] مفردات ألفاظ القرآن، ص 674 - 675، ق ض ى.
[5] النبيان، ج 2، ص 170. بتصرف بسيط.
[6] معجم مقاييس اللغة، ج 5، ص 434، ن ص ب .
[7] التحقيق في كلمات القرآن الكريم، ج 5، ص 121 - 122، س رع.