استنجدت الحكومة الكورية بالقوات الصينية للقضاء على الانتفاضات الشعبية، فأبلغت اليابان الحكومة الصينية اعتزامها إرسال قوات عسكرية إلى كوريا، فحاولت الصين — عبثًا — منع الصدام المرتقب عن طريق طلب الوساطة من الدول الكبرى، واقترح رئيس الوزراء الياباني إرسال لجنة صينية-يابانية مشتركة إلى كوريا، ولكن الصين رفضت الاقتراح بحجة قدرتها وحدها على إخماد الانتفاضات ووعدت بالانسحاب فور انتهاء المهمة من كوريا ورفضت اليابان اقتراحَين أحدهما بريطاني والآخر روسي بانسحاب قوات الطرفَين من كوريا، والحق أن أحدًا لم يأخذ التهديد الياباني مأخذ الجد، سواء في ذلك الصين أو الدول الأوروبية الكبرى.
وفي يونيو 1894م وصل الوزير المفوض الياباني إلى العاصمة الكورية على رأس قوة عسكرية تمثل جميع فروع القوات المسلحة اليابانية، وقابل ملك كوريا وأملى عليه شروطًا لإصلاح الحكومة، وأجبر الملك الكوري على إعلان إلغاء المعاهدة الكورية-الصينية، وأن يطلب من اليابانيين طرد القوات الصينية من بلاده.
ورغم ذلك ظل حكام الصين يستهينون باليابان، ولا يعتقدون في قدرتها على خوض غمار حرب من أجل كوريا، واعتقدوا أن اليابان ليست جادة في تهديداتها، وعندما التقت ثلاث سفن حربية صينية — كانت تتولى حراسة ناقلة جنود صينية على متنها 1200 جندي — بثلاث سفن حربية يابانية في طريقها إلى كوريا (25 مايو)، أطلقت عليها النار، فنشبت معركة بحرية صغيرة راحت ضحيتها ناقلة الجنود الصينية بمن عليها، وأُسِرت إحدى السفن الحربية الصينية، وأعقب ذلك هجوم القوات اليابانية في كوريا على القوات الصينية، وألحقت بها هزيمة ساحقة دون أن تعلن الحرب رسميًّا.
وجاء إعلان الحرب من جانب اليابان في أول أغسطس، وتبعه إعلان الحرب من جانب الصين، وآثرت الدول الكبرى الوقوف على الحياد ظنًّا منها أن الصراع سينهك الطرفين لمصلحتها، فإذا بالجيش الياباني ينزل إلى كوريا ويتجه إلى منشوريا ويستولي على المواقع الصينية الهامة، ويقيم حكومة عسكرية في الإقليم، وفي نفس الوقت، اتجه جيش ياباني آخر إلى شبه جزيرة لياوتونج، استولى على أهم مواقعها واتجه إلى شبه جزيرة شانتونج فاستولى على أهم مدنها، واضطُر الأسطول الصيني أن يستسلم للأسطول الياباني (12 فبراير 1895م).
وفي مارس، اتحد الجيشان اليابانيان، وزحفا صوب بكين حيث استوليا على أهم المدن في الطريق، وتوالت الهزائم على الصين دون أن يلوح في الأفق أمل تحول المد لصالحها، ولجأت الحكومة الصينية إلى الروس والإنجليز طالبةً التدخل لوقف إطلاق النار دون جدوى.
وبعد محاولات فاشلة من جانب الصين لفتح باب المفاوضات مع اليابان حول الصلح، التقى نائب الإمبراطور الصيني مع رئيس الوزراء الياباني في ميناء شيمونوسيكي (الياباني) حيث توصل الطرفان إلى اتفاق حول هدنة بلا قيد أو شرط (19 مارس) وتم التوقيع على معاهدة الصلح في 17 إبريل، وخلال المفاوضات قدم الأمريكيون والإنجليز النصح والمشورة للطرفين.

الانتفاضات الكورية ضد اليابانيين (عن مشهد مسرحي).
وبموجب معاهدة الصلح، اعترف الطرفان باستقلال كوريا استقلالًا تامًّا، وتنازلت الصين لليابان عن شبه جزيرة لياوتونج، وجزيرة فرموزا، وجزر البسكادور، وتعهدت بدفع تعويض مالي كبير، كما وافقت على فتح أربع مدن صينية أمام التجارة اليابانية.
لم تتمكن الدول الكبرى من الحيلولة دون تحقيق اليابان لهذا النصر فقد كانت العمليات الحربية اليابانية تُدار بكفاءة عالية وتنسيق تام؛ برًّا وبحرًا، وخلال ثمانية أشهر هزمت تلك الدولة الجزرية الصغيرة إمبراطورية الصين العريقة ذات التعداد السكاني الهائل والموارد المتنوعة، وقضت على قواتها العسكرية، واضطرتها إلى الإلحاح في طلب الصلح وكان ذلك كله بعيدًا عن تقدير الدول الكبرى لمدى ما بلغته اليابان من قوة ففضلت الوقوف على الحياد، ولكنَّ نتيجة الصراع جاءت مخيبة لتوقعاتها.
وهزت الهزيمة النظام الإمبراطوري الصيني ليسقط نهائيًّا بعد عقدين من الزمان، على حين حققت الحرب لليابانيين الكثير فانبهر المراقبون الأجانب بمستوى الأداء العسكري للجيش والبحرية، وأخذ العالم يتقبل اليابان كواحدة من الدول الحديثة وأيقنت الدول الكبرى أن اليابان قوة لا يمكن تجاهلها عند رسم سياستها الخاصة بالشرق الأقصى.
وبذلك أعلنت الحرب الصينية-اليابانية عن مولد قوة إمبريالية جديدة، تنتمي إلى الشرق وليس إلى الغرب، وكان معيار النجاح الذي يمكن أن تحققه هذه القوة الجديدة (اليابان) يتوقف على مدى تقبُّل القوى الإمبريالية الأخرى لها، وخاصة تلك التي لها مصالح في الشرق الأقصى، أما بريطانيا فقد عبَّرت عن ترحيبها بالنصر الياباني وارتياحها لنتائجه؛ لأن من مصلحتها أن تلعب اليابان دور المناوئ للوجود الروسي في المنطقة الذي كان موضع ضيق الإنجليز، وأما روسيا فكانت أكثر الدول استياء من نتيجة الحرب لأنها تعرقل مخططاتها الخاصة بكوريا ومنشوريا، وتضع العقبات في طريق تحقيق الأطماع الروسية في الشرق الأقصى، لذلك حثت فرنسا وألمانيا على مساندتها في معارضة استحواذ اليابان على شبه جزيرة لياوتونج.
وأيدت فرنسا المطالب الروسية لارتباطها مع روسيا بحلف ثنائي، أما ألمانيا فقد أعطت تأييدها لروسيا حتى تصرفها عن الاهتمام بالشئون الأوروبية، وتستنفد طاقتها في الصراع حول الشرق الأقصى، رغم أن ألمانيا — بدورها — كانت تطمع في أن تنال نصيبًا من الامتيازات التجارية في الصين.
ولذلك تقدمت الدول الثلاث: روسيا وألمانيا وفرنسا بمذكرة إلى الخارجية اليابانية قبل تبادُل وثائق التصديق على معاهدة الصلح بعشرة أيام، طالبت فيها اليابان بالتنازل عن شبه جزيرة لياوتونج، ولما كان الرفض يعني الدخول في حرب مع الدول الثلاث مما قد يحرم اليابان مِن جَني ثمار انتصارها على الصين، وافقت اليابان على تعديل نص المعاهدة مقابل زيادة التعويض المالي الذي تدفعه الصين.
ولكن التدخل الثلاثي أصاب الرأي العام الياباني بصدمة قاسية، جعلته يشعر بأن الدول الثلاث قد امتهنت كرامة اليابان، وحوَّل العسكريون ودعاة التوسع هذا السخط إلى موجة عداء عارمة ضد روسيا، كما استغلت الحكومة هذا السخط لزيادة الإنفاق العسكري، فتقرر زيادة الجيش من سبع فرق (عام 1894م) إلى 13 فرقة (عام 1903م) وزيدت قدرة الأسطول من 63٫1 ألف طن إلى 153 ألف طن، وبذلك أصبحت ميزانية الدفاع تستحوذ على 55٫6٪ من الموازنة العامة للدولة بعد أن كانت تمثل 29٫5٪ من الموازنة واستمر الإنفاق العسكري في استئثاره بالقسط الأكبر من الإنفاق الحكومي بعد ذلك.