0
settings
الوضع الليلي
moon
انماط الصفحة الرئيسية arrow
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

القانون العام

القانون الدستوري و النظم السياسية

القانون الاداري و القضاء الاداري

القانون الاداري

القضاء الاداري

القانون المالي

المجموعة الجنائية

قانون العقوبات

قانون العقوبات العام

قانون العقوبات الخاص

قانون اصول المحاكمات الجزائية

الطب العدلي

التحقيق الجنائي

القانون الدولي العام و المنظمات الدولية

القانون الدولي العام

المنظمات الدولية

القانون الخاص

قانون التنفيذ

القانون المدني

قانون المرافعات و الاثبات

قانون المرافعات

قانون الاثبات

قانون العمل

القانون الدولي الخاص

قانون الاحوال الشخصية

المجموعة التجارية

القانون التجاري

الاوراق التجارية

قانون الشركات

علوم قانونية أخرى

علم الاجرام و العقاب

تاريخ القانون

المتون القانونية

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

الاستقلال من لوازم التوازن الاجرائي

المؤلف:  يقين كريم محيبس

المصدر:  التزام المحكم بضمان التوازن الاجرائي بين الخصوم في أطار العلاقات الخاصة الدولية

الجزء والصفحة:  ص 61-70

2026-10-15

37

+

-

20

غالبا ما يعتمد الاستقلال على مظاهر خارجية، على الرغم من أن رأي المحكم ينبع من ضميره وفكره الخاص، وليس مستوحى من أي شخص آخر. لذا، فأنّ الاستقلالية الذهنية تعد سمة أساسية يجب أن تتوفر فيمن يتولى مهمة الحكم، سواء كان قاضيًا أو محكمًا (1).
ليس من السهل وضع تعريف جامع مانع لاستقلال المحكم، لذا سيتم استعراض ما قيل بهذا الخصوص، فقد عرف الاستقلال "بأنّه عدم تأثر راي المحكّم بطرف ثالث طوعًا أو كرها أو مشاركة، أي انقطاع الصلة التبعية بين المحكّم وبين أي من الخصوم في الدعوى التحكيمية أو وكلائهم وبصورة تمنع تأثيرها على صدور قرار المحكم بشكل نزيه وعادل" (2) .
وعرف ايضا "بأنّه حرية القاضي في الفصل في الدعوى دون تحيز أو تأثير أو الخضوع لأي ضغوط أو اغراءات" (3) .وطبقًا لهذا التعريف يلزم لتحقق الاستقلال توافر الآتي: أن يكون القضاة مستقلين تجاه زملائهم ورؤسائهم وتجاه أي تسلسل تنظيمي في القضاء كما يتعين أن تكون السلطة القضائية مستقلة عن السلطتين التشريعية والتنفيذية.
وقد عرف أيضا بأنه انتفاء رابطة تبعية بين المحكّم وبين من اختاره من الخصوم، فلا يعمل لحسابه ولا يأتمر بأوامره وتوجيهاته، ولا يتعمد أن يحقق النتيجة التي يريدها هذا الطرف بحكم هذه الرابطة، وإن استقلال المحكَّم لا يقتصر على الطرف الذي اختاره ، بل يجب أن لا تربطه أي رابطة تبعية بالطرف الأخر "(4).
كما عرفه جانب اخر أن يمارس المحكَّم أو أعضاء هيئة التحكيم وظيفتهم القضائية بشكل مستقل عن أي تأثير خارجي أو داخلي من أطراف النزاع أو من أية مصالح شخصية أو مهنية"، أي بمعنى آخر القرار الذي يتخذه المحكَّمِ يُشترط أن يكون حرًا من أي تأثير يمكن أن يحول حكمه لصالح أحد الأطراف(5).
وإن القلق حول استقلالية المحكمين في نظام التحكيم الدولي كان واضحا خلال مفاوضات اتفاقية التجارة والاستثمار عبر الأطلسي (TTIP) بين الاتحاد الأوربي والولايات المتحدة، لقد وصف المحكمون في مجال تحكيم المستثمر الدولة بأنّهم قضاة خاصون يعملون بسرية، ويتحيزون لصالح الشركات متعددة الجنسيات الكبرى، ولا يأبهون بتضارب المصالح. وقد أظهرت مجريات مفاوضات الشراكة التجارية والاستثمارية عبر الأطلسي (TTIP) بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة إلى أي حد ينظر إلى نظام ISDS من خلال التحكيم على أنه غير عادل ومتحيز ( على الأقل في أوروبا) كرد فعل على هذه المخاوف العامة تجاه نظام ISDS، وقد صرحت مفوضة التجارة في الاتحاد الأوروبي، ما لمستروم في تدوينة" أريد سيادة القانون، لا سيادة المحامين"(6).
فالاستقلال لدى لجنة سيشيلي (7) ، وقد عرفت هذه اللجنة استقلال القضاء، بانه حرية القاضي في أن يحكم فيما يعرض أمامه من وقائع؛ طبقاً لإدراكه للحقائق ولفهمه للقانون، بعيداً عن أي تأثير آخر بالترغيب أو الضغوط المباشرة أو غير المباشرة من أي جهة أو لأي قصد وأن يستقل القضاء عن التنفيذ والتشريع المباشر أو من خلال إعادة النظر في كل المسائل ذات الصفة القضائية.
اما بخصوص تعريفه القضائي فعرفت محكمة استئناف القاهرة استقلال المحكم بأنه عدم ارتباطه بأي علاقة تبعية، سواء مع أطراف النزاع أو الدولة أو الغير، فضلاً عن غياب الروابط المادية والذهنية التي قد تتعارض مع استقلاله، الأمر الذي يشكل خطراً مؤكداً على انحيازه لأحد أطراف التحكيم (8)، كذلك قضت محكمة النقض المصرية أن المقصود باستقلال المحكّم هو عدم ارتباطه بأية رابطة تبعية أو مادية أو اجتماعيه أو مهنية مع أحد أطراف النزاع أو وكلائهم من شأنها أن تؤثر في قراراته(9).
كما ينقسم الاستقلال إلى نوعين هما:
- استقلال مؤسسي: ويعني استقلال هيئة التحكيم ذاتها من حيث الميزانية وطرق التعيين.
استقلال شخصي ما ينصب على الوظيفة ذاتها ويرتبط بصورة مباشرة بشخص المحكم (10).
وأخيرا تعرف الباحثة الاستقلال، أن يمارس القاضي أو المحكّم وظيفته القضائية بحرية تامة دون خضوع لأي تأثير أو ضغط أو مصلحة، وبما يضمن صدور قراره على أساس القانون والعدالة وحدهما.
أما في موقف التشريعات من استقلال المحكُّم فيلاحظ أنّ مشروع قانون التحكيم العراقي قد اتجه إلى تكريس هذا الشرط بصورة صريحة، إذ نصت المادة (13 / ثانيا) منه على أنه:" إذا كان أطراف التحكيم من جنسيات مختلفة، فعلى المحكمة المختصة عند تعيين المحكم مراعاة كونه مستقلاً ومحايداً ونزيها"، كما نصت المادة (14 / أولاً) على أنّه لا يجوز رد المحكَّم المعين إلا للأسباب التي يرد بها القاضي، أو إذا وجدت ظروف تثير شكوكاً جدية في شان حياديته واستقلاليته....."، وبذلك يكون المشروع قد جعل الاستقلال والحياد من الضمانات اللازمة لصحة تشكيل هيئة التحكيم واستقرار إجراءاتها.
ولابد أن نشير الى أن استقلال المحكّم في قانون المرافعات يتضح ذلك من عدة نصوص أشار إليها المشرع العراقي عند تنظيمه للتحكيم في قانون المرافعات المدنية وباستقراء نصوص قانون المرافعات المدنية العراقي، وتحديداً المادة (255) التي حظرت على القاضي تولي مهمة التحكيم إلا بإذن من مجلس القضاء، والمادة (261) التي نصت على جواز رد المحكَّم لذات الأسباب التي يرد بها القاضي؛ يتجلى لنا وجود ارتباط وثيق بين الطبيعة الوظيفية لعمل المحكّم وعمل القاضي. فالمشرع حينما ساوى بينهما في أسباب الرد، فأنّه يؤسس ضمناً لضرورة تمتع المحكّم بضمانات الحيدة والاستقلال التي يتمتع بها القاضي.
أما قانون التحكيم المصري رقم (27) لسنة 1994 فقد كأنّ أكثر وضوحاً، إذ نصت المادة (16/3) منه على أنّ قبول المحكّم لمهمته يكون كتابة، وأنّه يجب عليه أن يفصح عند قبوله عن أية ظروف من شأنها إثارة الشكوك حول استقلاله أو حيدته.
ويحسب للمشرع المصري حسن استخدامه لعبارة من شأنها الواردة في المادة (16/3) من قانون التحكيم المصري، إذ تعكس هذه الصياغة توجها واضحًا نحو الأخذ بمعيار موضوعي في تطبيق النص لا معيار شخصي فالعبرة لا تكون بتقدير المحكم الذاتي لما قد يراه مثيرًا للشكوك وإنما تناط بطبيعة الوقائع والظروف ذاتها ومدى قابليتها بحسب معيار موضوعي معقول لإثارة الشك في استقلال المحكّم من عدمه. وبذلك، لا يعتد بمكانة المحكّم أو صفته ولا بظروف أطراف النزاع أو مراكزهم وإنما ينظر إلى الوقائع مجردة في ذاتها وما قد تثيره من شكوك مشروعة.
كما نصت المادة (18/1) على أنه: "لا يجوز رد المحكَّم إلا إذا قامت ظروف تثير شكوكاً جدية حول حيدته أو استقلاله ، وبذلك قرن المشرع المصري بين الاستقلال والحياد وجعل الإخلال بهما سبباً لرد المحكم.
أما القانون الفرنسي فقد كرس هذا الالتزام في المادة (1456) من قانون الإجراءات المدنية، إذ أوجبت على المحكم، قبل قبول مهمته، أن يكشف عن كل ظرف من شأنه أن يؤثر في استقلاله أو حياده، كما ألزمه بالإفصاح دون تأخير عن كل ظرف مماثل يطرأ بعد قبول المهمة، وتسري هذه القاعدة كذلك في التحكيم الدولي بموجب الإحالة الواردة في المادة (1506) من القانون ذاته.
وعليه، يتضح أن التشريعات المقارنة تتجه إلى عد استقلال المحكَّم ضمانة جوهرية لصحة الخصومة التحكيمية، غير أنّ مشروع قانون التحكيم العراقي والمصري والفرنسي نصوا عليه صراحة، بينما بقي موقف قانون المرافعات المدنية العراقي النافذ مستفاداً ضمناً من قواعد رد المحكم.
وبما ذهب اليه قانون الأونسترال (11) فأوجب على المحكَّم أولا: "أن يكون قبول المحكم القيام بمهمة التحكيم كتابة ويجب عليه أن يفصح للأطراف عند قبوله مهمة التحكيم عن أي ظروف من شأنها إثارة الشكوك حول استقلاله (12).
تأسيساً على ذلك، ولما كأنّ استقلال القضاء مبدأ دستورياً راسخاً بموجب المادة 88 من الدستور العراقي لسنة 2005 ، والمادة 2 من قانون التنظيم القضائي رقم 160 لسنة 1979، اللتين أكدتا أن "القضاء مستقل لا سلطان عليه لغير القانون"؛ فإننا نرى سريان هذا المبدأ على المحكم أيضاً بصفته يتولى وظيفة قضائية تتمثل في فض النزاعات، الأمر الذي يستوجب استقلاله عن أطراف الخصومة(13). كما نصت المادة 30 (14) من لائحة القواعد المنظمة لإجراءات التحكيم بالمركز الدولي للتحكيم التجاري بالإسكندرية، كما نصت المادة (2/7) (15) من لائحة غرفة التجارة الدولية السارية من اول يناير 1998 وقد أنتهجه المشرع الفرنسي في المادة (1663) من قانون الإجراءات المدنية، وما استقرت عليه أحكام القضاء الفرنسي محكمة استئناف باريس (1989) الى ضرورة استقلال المحكّم عند نظره للنزاع (16) ، وعلى الصعيد الدولي ألزمت قواعد القانون النموذجي للتحكيم الأونيسترال 1985المحكّم بالإفصاح عن أي ظروف قد تثير شكوكاً حول استقلاله.
فقد نص أيضا في نظام التحكيم لغرفة التجارة الدولية بباريس في المادة السابعة من النظام على وجوب أن يكون المحكّم مستقلا عن أطراف النزاع وأن يظل كذلك حتى صدور الحكم" (17) .
أما بخصوص اتفاقية نيويورك لعام 1958 لم تنص بصورة صريحة على التزام المحكم بالاستقلال؛ لأنها تُعنى أساسًا بالاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية ، وتنفيذها، وليس بالتنظيم التفصيلي لشروط المحكم. ومع ذلك، وفرت حماية غير مباشرة لسلامة تشكيل هيئة التحكيم، ولا سيما في المادة الخامسة/1/د، التي تجيز رفض الاعتراف بالحكم وتنفيذه إذا كان تشكيل الهيئة مخالفًا لاتفاق الأطراف أو، عند غياب الاتفاق، لقانون بلد التحكيم. أما الالتزام الصريح بالاستقلال فقد ظهر بصورة أوضح في قانون الأونسيترال النموذجي وقواعد التحكيم والتشريعات الوطنية.
وقد ذهب جانب آخر إلى أن الغاية من هذه الصياغة التشريعية تتمثل في الحد من التوسع في طلبات رد المحكمين وما قد يترتب عليها من تعطيل لسير إجراءات التحكيم غير أن هذا التوجه لا يفهم منه بأي حال من الأحوال إجازة قبول تحيز المحكّم أو إسقاط حق الخصوم في الاعتراض على مسلكه متى توافرت أسباب جدية تمس استقلاله (18).
لذا، فأن تقييم مدى ملاءمة هذه الشكوك بشأن استقلال المحكم وإمكانية رده من عدمه يُعهد إلى هيئة التحكيم التي يُقدم إليها طلب الرد في البداية (19) . وعلى أية حال، يلاحظ أن مفهوم الاستقلال بالنسبة المحكم يختلف عن مفهومه بالنسبة للقاضي، وهنا تثار الإشكالية نظرا لما يتمتع به خصومة التحكيم من مرونة تستقل بها عن الخصومة القضائية، فالاستقلال بالنسبة للقاضي يعني الاستقلال الإداري والفني سواء في مواجهة الدولة أو الخصوم، فالقاضي لا بد أن يكون مستقلا استقلالا تاما ومطلقا على الأقل.
من حيث الاستقلال الفني، ألا أن العلاقة الشخصية التي تربط بين المحكمين والمحتكمين تضع الاستقلال بناء على معاير مرنة(20).
لذا يعد الاستقلال مسألة موضوعية يمكن ملاحظتها وقياسها بحيث أن مفهوم الاستقلال نسبي ومرن، بمعنى أنّ ما يمكن اعتباره انحيازا في واقعة تحكيمية ما لا يعد كذلك في واقعة أخرى، فالمحكمة تبحث في كل واقعة من هذا النوع على حيدة بحيث لا تكون بعلاقة معينة مثلا ذات الحكم في جميع الوقائع التي تعرض على المحكمة (21).
وتطبيقا لذلك، نجد أن لجنة الأمم المتحدة لقانون التجارة الدولية وضعت مجموعة من القواعد أطلقت عليهم مصطلح سلوكيات المحكّم تتمثل في:
1- لا يجوز للمحكم الاتصال بأطراف التحكيم للسعي نحو التعيين أو الاختيار للمحكم. 2- لا يجوز للمحكم قبول التعيين أو الاختيار كمحكم إلا بعد التأكد من القدرة والصلاحية لأداء المهمة دون تمييز من إمكان تخصيص الوقت والاهتمام اللازمين لذلك. 3- يجب على من يرشح ليكون محكما أن يصرح لمن يتصل به في أمر الترشيح بكل الظروف التي من شأنها احتمال إثارة شكوك حول حياده أو استقلاله(22).
وكما لا يجوز للمحكم أن يخرج في حكمه عن مفهوم الاستقلال، فلا يجوز له أن يكون ممثلا لاحد المحتكمين وقد تلقى تعليمات منه، أو تكون له مصلحة في النزاع، كأن يكون خصمًا أو كفيلا أو دائنا أو ضامنا لاحد المحتكمين (23) ، ومن خصائص الاستقلال تتمثل في الطابع الموضوعي أولا، ثم في سهولة الاثبات ثانيا (24).
كما سنقوم باستعراض بعض السوابق القضائية الامريكية حيث تعرضت لهذا الموضوع، إذ الغت المحكمة العليا الأمريكية حكم تحكيم بعد إن اتضح لها أن أحد المحكمين كأن يعمل في فترة سابقة كمستشار للطرف الذي اختاره، ولم يفصح عن هذه الواقعة للطرف الآخر، فالمحكم يجب الا يكون متحيزا فحسب، بل يجب عليه أن يتجنب أي مظهر من مظاهر المحاباة الا أن وجود علاقة سابقة بسيطة بين المحكمين واحد الاطراف لا تؤدى الى عدم تنفيذ الاحكام الدولية، ويظهر ذلك في بعض السوابق الامريكية، حيث رفضت المحكمة الجزئية الفدراليه الامريكية الادعاء بالتحيز المبنى على وجود علاقة بين أحد المحكمين والطرف الذي عينه، إذ ادعى الطرف الآخر بأن أحد المحكمين عمل في تحكيم سابق مع هذا الطرف (25).
وخلاصة القول إن استقلال المحكَّم يعدّ ضمانة أساسية لتحقيق العدالة التحكيمية وصون ثقة الأطراف في نظام التحكيم، وقد حرصت التشريعات واللوائح الدولية على تكريسه باعتباره معيارا موضوعيًا يقاس بمدى إثارة الوقائع لشكوك مشروعة في حياد المحكم.
ومن ثم، فإنّ الالتزام بالإفصاح وتجنب كل ما يمس الاستقلال يظل حجر الزاوية في سلامة إجراءات التحكيم ومشروعية أحكامه.
وذهب جانب من الفقه (26) في، أن حياد المحكَّم هو ذاته استقلال المحكم، أي أنهما مصطلحان مترادفان ولا يختلقان الا في درجة عدم استطاعه الحكم بغير ميل ودليل ذلك ما فسره القانون المصري من التسوية في الحكم بين عدم الحيدة وعدم الاستقلال، فيما نصت عليه المادة 1118 من قانون التحكيم المصري رقم (27) لسنة 1994(27).
ويلاحظ أن النص لم يعين مظاهر او أسباب عدم حياد المحكَّم او عدم استقلاله، الامر الذي ترك أسباب كل منهما لتقدير هيئة التحكيم (28) . بينما يذهب جانب اخر (29) بالتفرقة بينهما، فعدم الحيدة يتمثل موقفا موقفا شخصيا لتعلقه بالعاطفة التي ترجع الى علاقة المحكّم بأحد الخصوم كالمودة أو الكراهية، في حين يتمثل عدم الاستقلال موقفا موضوعيًا يرجع مثلا الى الضغط الذي قد يباشره الخصم على المحكّم.
ونظرا للأهمية الكبيرة التي يكتسبها المحكّم في تحقيق العدالة والمساواة بين الخصوم، ولكي تكتمل الصورة عن استقلال المحكّم لابد أن نبين مظاهر استقلال هيئة التحكيم في مواجهة كل من الدولة والمحكمين وذلك كما هو آت:
أولا- استقلالية المحكّم أو هيئة التحكيم عن الدولة
انطلاقا من الطبيعة القضائية للتحكيم، فإن استقلال القضاء في مواجهة السلطتين التشريعية والتنفيذية لا يثير إشكالا عند تطبيقه على التحكيم، متى ما عُدَّ المحكم قاضيًا خاصا يتولى الفصل في النزاع المعروض عليه.
ذلك أن المحكم، وأنّ كان مستقلا عن الدولة من حيث مصدر ولايته، فأن هذا الاستقلال لا ينال من مشروعية وظيفته القضائية؛ لكون التحكيم قضاء اختياريًا يستمد سلطته من إرادة الخصوم وليس من التنظيم القضائي الرسمي للدولة (30).
وبناءً على ذلك، فأن استقلال المحكَّم عن الدولة يعد استقلالا نسبيًا، مصدره اتفاق الأطراف، وليس استقلالا مؤسسيًا بالمعنى المقرر للقضاء الرسمي.
ومن ثم، فأن هيئات التحكيم، سواء أكانت دولية أم إقليمية لا تتبع عادة مؤسسات الدولة القضائية، الأمر الذي قد يفهم منه للوهلة الأولى انتفاء استقلال هذه الهيئات غير أن هذا الفهم مردود عليه، إذ أنّ التحكيم متى كأنّ اختياريًا فأنّ لجوء الخصوم إليه يتم بإرادتهم الحرة، سواء من خلال اختيار المركز التحكيمي الذي يلجؤون إليه، أو من خلال اختيار المحكمين من القوائم المعتمدة لدى تلك المراكز وهي قوائم يجرى إعدادها وتنظيمها وفق قواعد وإجراءات خاصة بطبيعة التحكيم المؤسسي.
كما أن هذه القواعد توزع على الخصوم عند تقديم طلب التحكيم متضمنة بيان ترتيب الأفضلية في اختيار الهيئة أو المركز التحكيمي، بما يتيح للأطراف اختيار من يثقون في كفاءتهم واستقلالهم بدرجة أكبر (31).
أما في حالة التحكيم الإجباري فأنّ الوضع يختلف، إذ لا يُعدّ التحكيم في هذه الحالة قضاء بالمعنى الدقيق نظرًا لافتقاده العنصر الجوهري المتمثل في الرضا فضلا عن كونه يشكل قيدا على الحق الطبيعي في اللجوء إلى القاضي الطبيعي، وهو حق أصيل كفلته المبادئ العامة للقضاء.
وعلى الرغم من استقلال حكم التحكيم وهيئة التحكيم، فأنّ ولاية القضاء الرسمي لا تنتفي تماما عن منازعات التحكيم، بل تظل قائمة في إطار علاقة تكاملية بين القضاء والتحكيم، تتجلى مظاهرها بصفة خاصة في تدخل القضاء عند فشل الأطراف في تعيين المحكّمين، أو عند اتخاذ التدابير الوقتية والتحفظية اللازمة، فضلا عن رقابة القضاء على حكم التحكيم في حدود ما يقرره القانون(32).
ثانيا- استقلالية هيئة التحكيم او المحكم في مواجهة الخصوم
أن استقلال المحكَّم عن الخصوم لا يُعدّ ضمانة لعدالة المحكَّم فحسب، وإنما يشكل كذلك ضمانة جوهرية لحماية الخصوم في مواجهة الحكم التحكيمي، تأكيدًا لمبدأ استقلال القاضي الذي يعد من الحقوق الأساسية للإنسان (33).
ومن ثم، فأن تحديد الطبيعة القانونية للتحكيم ينعكس بالضرورة على نطاق وضمانات استقلال المحكم.
فإذا قيل بالطبيعة التعاقدية للتحكيم تعذر القول باستقلال المحكَّم استقلالا تاما، لاسيما في علاقته بالخصوم، إذ يترتب على هذه الطبيعة أنّ المحكَّم متى ما لم يقف موقف الحياد في مواجهة أطراف النزاع لا تطبق عليه قواعد أنّكار العدالة، كما لا يخضع لقواعد السلوك القضائي ويظل استقلاله محل شك (34).
أما إذا أضفيت الطبيعة القضائية على التحكيم، فأن ذلك يؤدي بالضرورة إلى تمتع المحكم بالاستقلال على نحو مماثل للقاضي في القضاء العادي، دون تمييز (35).
وقد أحسن المشرع العراقي حينما أجاز رد المحكّم بعد تعيينه للأسباب ذاتها التي تجيز رد القاضي، وهو ما يسهم في تعزيز استقلال التحكيم وضمان حياد وعدالة المحكم، كما لا يفوت التنبيه إلى أن من أهم الضمانات اللازمة للمحافظة على استقلال المحكم عدم جواز عزله بعد تعيينه إلا باتفاق الخصوم وهو ما أكده المشرع العراقي صراحة، إذ قضى بعدم جواز عزل المحكم إلا بإجماع أطراف النزاع. (36)
وبناءً على ذلك، لا يملك الخصم الذي انفرد باختيار المحكّم عزله لاحقا بإرادته المنفردة، بل لا يكون ذلك إلا باتفاقه مع الخصم الآخر ويعد هذا القيد من أقوى الضمانات المقررة لاستقلال المحكم ومن ثم ضمان عدالته، إذ لا جدوى من استقلال المحكّم إذا كان مهددًا بالعزل في أي وقت من قبل أحد الخصوم ولهذا اشترط المشرع صراحة انتفاء هذا التهديد كضمانة أساسية لاستقلال هيئة التحكيم وسلامة إجراء ها(37).
كما يجدر بالذكر، أن هناك ضمانات تؤكد استقلال المحكَّم لم يتناولها المشرع العراقي، وهي الشكوى من المحكَّم، ونعتقد أنّه كما أجاز المشرع رد المحكَّم وفق حالات رد القاضي، كان عليه أن يجيز الشكوى من المحكَّم في الأحوال التي يجوز فيها الشكوى من القضاة(38).
كما لا بد أن نشير الى ما وضعه المحكّمون في قضية (39) Suez v. Argentina تفرقة بيت الحياد والاستقلال حيث قرروا أنّ الاستقلال يتعلق بغياب الروابط أو العلاقة بين المحكم والخصوم حتى لا تؤثر العلاقة بينهم على الحكم الصادر عن المحكّم في حين أنّ الحياد يعني غياب التحيز أو العقيدة المسبقة تجاه أحد أطراف النزاع".
ویری جانب آخر (40)، إن الحياد والاستقلال كلاهما معنيان بذات المسائل، إلا أنهما ليسا مترادفان، فالحياد على عكس الاستقلال كون الأخير ينصب على التأكيد على غياب أي تحيز أو موقف مسبق من المحكم تجاه إما طرف معين، أو موضوع النزاع، وعليه فمن هذا الجانب يعد الحياد التزاما على المحكمين، فيجب على المحكمين أن يعتمدوا في مسلكهم الحذر والنزاهة وصولا الى تقليل الظروف التي من شأنها أن تشكل أسبابًا جدية تبرر رد المحكّم ويتضح إنّ الاستقلال أوسع وأشمل من الحياد، كما تجدر الإشارة إلى كون القاعدة المستقرة تذهب بأنّ الاستقلال مفترض أساسي للحياد، الامر الذي يجعل من الصعب جدًا الفصل بينهما (41).
يؤيد الباحث الاتجاه الفقهي الذي يذهب إلى التمييز الدقيق بين مفهومي الحياد، والاستقلال رغم التلازم الوثيق بينهما، تأسيسا على تباين طبيعة كل منهما ومعيار قياسه، فالحياد يمثل الجانب الذاتي أو النفسي للمحكم، ويعني تجرد عقيدته الداخلية من أي ميل أو هوى تجاه أحد الأطراف أو موضوع النزاع، وهو بذلك التزام غايته طمأنينة الأطراف لعدالة الحكم.
في حين ينصرف مفهوم الاستقلال إلى الجانب الموضوعي والمادي، ويقصد به انتفاء الروابط القانونية أو الاقتصادية أو الاجتماعية بين المحكم والأطراف، وهو بذلك يمثل المظهر الخارجي للنزاهة. وترتيباً على ذلك، نرى أنّ الاستقلال ليس مرادفاً للحياد، بل هو السياج الموضوعي والضمانة الأولية لتحقيقه فكل انتقاص من استقلال المحكّم يُعد قرينة قوية على انتفاء حياده، الامر الذي يبرر مسلك المشرع والفقه في اعتبار الشك في الاستقلال مدخلاً رئيساً ومبرراً كافياً لرد المحكم.
____________
1- وفاء فاروق محمد حسني، مسئولية المحكم، أطروحة دكتورا، كلية الحقوق جامعة عين الشمس، 2008 ، ص87
2- إيعمرانن كريمة، بلعربي سميرة، استقلالية المحكم التجاري الدولي، مذكرة لنيل شهادة الماستر في القانون، جامعة مولود معمري كلية الحقوق والعلوم السياسية، 2014، ص20.
3- محمد يحيى أحمد عطية، حياد المحكم ونزاهته كأساس لعدالة حكم التحكيم في القانون المصري والأنظمة المعاصرة، جامعة الازهر كلية الشريعة والقانون، دار المنظومة، 2015، ص34.
4- محمود مصطفى يونس، المرجع في قانون التحكيم المصري والمقارن دار نهضة، 2015، ص306.
5- Stefanie Schacherer, Independence and Impartiality of Arbitrators: A Rule of Law Analysis, SMU Law Research Paper No. 3949 (2018) available at:
https://ink.library.smu.edu.sa/sol research/3949
6- "Investment arbitrators have been called "private judges" who operate in secrecy, are biased in favor of big multinational companies and have no regard for conflicts of interest. The course of the negotiations on the Transatlantic Trade and Investment Partnership between the European Union (EU) and the United States, highlighted to what extent ISDS through arbitration is perceived as unfair and biased (at least in Europe). As a reaction to the general concerns to ISDS, EU Trade Commissioner Malmström stated in a blog post: "I want the rule of law, not the rule of lawyers."
7- محمد يحيى ، أحمد عطية، حياد المحكم ونزاهته كأساس لعدالة حكم التحكيم في القانون المصري والأنظمة المعاصرة، مصدر سابق، ص 35.
8- نقلا عن فتحي والي استئناف القاهرة، دائرة 91 تجاري، جلسة 29/4/2003، في الدعوى رقم السنة 120ق. ص 314 ، هامش 1 .
9- نقض مدني، جلسة 22/2/2022، طعن رقم 13982 ، ص 81ق ، وكذلك القرار نقض مدني، جلسة 11/6/2019 طعن رقم 18116، س88ق.
10- فاطمة عادل سعيد عبد الغفار، حياد واستقلال المحكّم في تحكيم منازعات الاستثمار، مجلة كلية الحقوق للبحوث القانونية والاقتصادية، جامعة الإسكندرية، العدد (2)، المجلد (2)، 2019، ص 1851.
11- إبراهيم احمد إبراهيم، التحكيم الدولي الخاص، ط 2 ، القاهرة، دار النهضة العربية، 2010، ص157.
12- مادة (16/3) من قانون التحكيم المصري، كما نص قانون اليمني للتحكيم على ذلك أنّ على المحكم أن يصرح لمن ولاه الثقة بكل الظروف التي من شأنها أن تثير شكوكا حول حيدته واستقلاله ..... .
13- تقابلها المادة (2) من قانون السلطة القضائية في إقليم كوردستان.
14- المادة (30) يجب أن يكون المحكم مستقلا عن كل من طرفي النزاع وأن يظل كذلك حتى الفصل نهائيا في النزاع".
15- المادة (2/7) " يجب أن يكون كل محكم تعينه هيئة التحكيم او تثبته مستقلا عن الاطراف في التحكيم وأن يظل كذلك، وعلى المحكم المرشح قبل تعيينه او تثبيته من قبل هيئة التحكيم أن يعلم امينها العام كتابة بكل الوقائع والظروف التي قد يكون من طبيعتها التأثير على استقلاله في نظر الاطراف، وبمجرد أن يتلقى الامين العام لهيئة التحكيم هذا الاعلام، يبلغه كتابة الى الاطراف ويحدد لها مهلة لتقديم ملاحظاتها المحتملة".
16- Code de procedure civile, 5 edition, 1991, dalloz, paris, P 650.
17- مهند احمد الصانوري، دور المحكّم في خصومة التحكيم دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2005، ص70.
18- هدى محمد مجدي عبد الرحمان دور المحكّم في خصومة التحكيم وحدود سلطاته، جامعة الإسكندرية، كلية الآداب اقتصاد 1997 ص 106.
19- (19/1) تحكيم مصري.
20- طلعت محمد دويدار ضمانات التقاضي في الخصومة التحكيم، ط 2 ، دار الجامعة الجديدة 2009، ص91.
21- مصعد القطاونة، شروط المحكم، ص 4 ، متوفر على الموقع: www.aatawineh.laws.com تاریخ النشر 20141518، تم الاطلاع عليه، يوم 9/1/2026
22- مهند احمد الصانوري، دور المحكّم في خصومة التحكيم دار الثقافة للنشر والتوزيع، عمان، 2005، ص71.
23-Walton and Victoria, Russel on arbitration 20 the ed, 1982, p.233.
24- أسماء السيد أحمد عبد الله إسماعيل، مفهوم المحكم واستقلاله" دراسة مقارنة"، المجلة القانونية، كلية الحقوق جامعة الزقازيق، مصر ص 1315.
25- Stephen M. Schwebel and Susan G.lahne, policy nadiral procedure opacity, p211
26- حسني المصري، التحكيم التجاري الدولي، في ظل القانون الكويتي والقانون المقارن ط1 مطبعة عباد الرحمن الكويت 1996 ، ص 184
27- المادة (18/1) " لا يجوز رد المحكم ألا إذا قامت ظروف تثير شكوك حول حيدته أو استقلاله".
28- حسني المصري، التحكيم التجاري الدولي، مرجع سابق، ص184.
29- عزمي عبد الفتاح، قانون التحكيم الكويتي، ص180.
30- وجدي راغب، هل تحكيم نوع من القضاء دراسة انتقادية لنظرية الطبيعة القضائية للتحكيم، بحث منشور في مجلس الحقوق جامعة الكويت، العدد 1 و 2، 1983، ص150.
31- علي سالم إبراهيم ولاية القضاء على التحكيم دار النهضة العربية القاهرة، 1997، ص 176.
32- سومان عزيز عبد الله، ضمانات عدالة المحكّم كلية القانون، جامعة دهوك، ص572.
33- أحمد فتحي سرور ، استقلال القضاء حق من حقوق الأنسان في القانون المصري، بحث منشور في مجلة القانون والاقتصاد، جامعة القاهرة، عدد خاص، 1980، ص 173
34- احمد أبو الوفا التحكيم في القوانيين العربية، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2020، ص44.
35- فتحي والي، قانون التحكيم في النظرية والتطبيق، ط1، منشأة المعارف، الإسكندرية، 2007، ص 204.
36- تنظر المادة (261/1) من قانون المرافعات المدنية العراقي.
37- تنظر المادة (260) من قانون المرافعات المدنية العراقي.
38- آدم وهيب النداوي، طاولة مستديرة حول قانون الاثبات العراقي رقم 107 لسنة 1979 ، بحث منشور في مجلة العدالة، العدد (2)، 198 ص 345.
39- Suez, Sociedad General de Aguas de Barcelona, S.A. and Interagua Servicios Integrales de Agua, S.A. v. Argentine Republic CSID Case No. ARB/03/17, available at.
40- فاطمة عادل سعيد عبد الغفار، حياد واستقلال المحكّم في تحكيم منازعات الاستثمار، كلية الحقوق، جامعة عين الشمس، ص 1852
41- محمد رشید رجا اطرش دور المحكمة المساندة لهيئة التحكيم في التحكيم الدولي والداخلي" دراسة مقارنة"، رسالة ماجستير، الجامعة العربية الامريكية، فلسطين، 2017، ص 61.

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد