لمّا انحنى النهار على ركبتيه معلناً ميلاد الغروب، كان آدم عليه السلام يرقب ولديه من بعيد.
كانت الأرض ساكنة، والهواء كأنّه يحبس أنفاسه، والملائكة تنظر من عليائها إلى أول امتحان للبشر بعد هبوطهم من جنان الخلد.
هابيل وقف في هدوء الراعي الحنون، وقد اختار كبشاً أبيض كالفجر، ممتلئاً بالعافية، يشعّ في عينيه نور الرضا.
أما قابيل فكان يقلب بيده سنابل يابسة، يلتقط أتعس ما خرج من زرعه، ثم يجمعه كأنّه يرمي بغيره لا بنفسه.
المشهد الأول: الهمس
في الطريق إلى محراب القربان، كان قابيل يشعر بثقلٍ غريب
فسمع صوتاً في داخله، صوتاً لم يسمعه من قبل، منخفضاً كهمس الريح، مُظلماً كأعماق الليل:
الشيطان:
"لِمَ تختار له أجمل زرعه، ولغيرك أردأه
أأخوك أحبّ إلى الله منك
ألم تكن أنت الأكبر والوارث الأول"
يتوقف قابيل، يتلفّت حوله، ولا يرى أحداً.
قابيل:
"من من أنت وكيف تدخل قلبي دون إذن"
الشيطان (ضاحكاً، يختبئ بين ظلال الأشجار):
"أنا من يعرف ما يختلج في صدرك
أنا من يسمع ما لا تقول
أنت مظلوم يا قابيل، لكنك لا تجرؤ"
كان للشيطان لسان من نار، يدخل من شقوق النفس، لا من شقوق الأذن.
المشهد الثاني: القربان
وصل الشقيقان إلى موضع القربان، ووضع كلٌّ منهما ما جهّز.
ثم رفع هابيل رأسه إلى السماء وقال:
هابيل:
"اللهم هذا فضلك، ومنك، وإليك
لا أبتغي به إلا رضاك."
نظر إليه قابيل بازدراء:
قابيل:
"أتبكي كالأطفال القربان عمل لا نية
يكفي أن يُؤدَّى"
هابيل (بابتسامة رقيقة):
"لو علمت يا أخي أن العمل لا يرفع صاحبه إلا بصدق قلبه
لعرفت أن الله غني عن زرعك وزرعي."
هنا عاد الصوت الخفي في قلب قابيل:
الشيطان:
"هل تسمع
يسخر منك يظهر فضله عليك
اقتله قبل أن يقتلك."
المشهد الثالث: النار النازلة
فجأة انشقّت السماء عن نار عظيمة، نورها لا يحرق، ولونها لا يشبه نيران البشر.
هبطت كالسهم على قربان هابيل، فأحرقته بصمتٍ مهيب، ثم صعدت إلى السماء بعمودٍ من ضياء.
بينما تركت قربان قابيل مكسوراً مهجوراً على التراب.
تحوّل وجه قابيل إلى الجمرة نفسها.
قابيل (يصرخ):
"لماذا لِمَ يتقبّل الله منه ولا يتقبّل مني
أأنا ناقص أم هو أكرم عليّ"
هابيل:
"يا أخي {إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ}.
ليس القربان ما ارتفع، بل التقوى."
الشيطان (يصرخ في صدر قابيل):
"أرأيت
يهينك علنا أمام الله ... أمام أبيك
اقتله، وستُغلق أبواب الإهانة إلى الأبد."
المشهد الرابع: الشجار
اقترب قابيل من أخيه، وعينه شرر يتطاير:
قابيل:
"لأقتلنك أقسمُ أني سأجعل القبول لِي وحدي"
لم يهرب هابيل، بل وقف أمامه كمن يقف أمام ريح عابرة.
هابيل:
"لِمَ تقتلني يا أخي أي ذنب جنيت
إن قتلتني، حملتَ إثمي وإثمك، وكنتَ من أصحاب النار."
قابيل:
"اصمت لا تتحدث إليّ كأبٍ يعظ ابنه
أنت سبب شقاء قلبي"
هابيل:
"قلبي لك، يا قابيل لكنك أغلقت بابه."
المشهد الخامس: الخطيئة
جرّ الشيطان قابيل إلى وادٍ بعيد، وهمس له بصوت كالحديد يُطرق على صخر:
الشيطان:
"الآن الآن يا قابيل
ارفع الصخرة أثبت أنك الأقوى
الله لا يحب الضعفاء"
رفع قابيل صخرة عظيمة، ورأى الشيطان يصفّق في الظل، والليل يقترب بحذر،،
ثم هوى بها على رأس أخيه
سقط هابيل، وارتفعت روحه كطائرٍ من نور.
وبكت الأرض، وسُجلت الجريمة الأولى في دفتر الزمان.
المشهد السادس: الندم
جلس قابيل يبكي قرب جثة أخيه:
قابيل:
"عد يا أخي تكلم اشتمُني اضربني
لكن لا تبقَ ساكناً هكذا"
ولا صوت إلا رجع الريح.
ثم بعث الله غراباً يبحث في الأرض، فحفر بمنقاره حفرةً، ثم وضع غراباً ميتاً وواراه.
اقترب قابيل وهو يرتجف:
قابيل:
"حتى هذا الطائر
أعقل مني"
ثم صرخ صرخة مزّقت الفضاء:
"يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَٰذَا الْغُرَابِ"
دفن قابيل أخاه بيدين مرتعشتين، وكل حفنة تراب كأنها تُهيل على قلبه هو لا على جسد هابيل.
وحين انتهى، وجد الشيطان خلفه يضحك ضحكة طويلة:
الشيطان:
"هنيئاً لك يا قابيل
لقد فتحت باب الدم،
وسيأتي من بعدك من يسير على خطاك."
هرب قابيل في الظلام،
ولكن ظل هابيل بقي يلاحقه
حتى آخر يوم من حياته.







وائل الوائلي
منذ يومين
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN