الكبرياء: أخلاق الوقوف في زمن الانحناء
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
10/02/2026
ليس الكبرياء ذلك الشعور الغامض الذي يلتبس بالتعالي، ولا تلك الحالة النفسية التي تدفع الإنسان إلى احتقار غيره، بل هو، في جوهره الإنساني، أخلاق الوقوف حين يصبح الانحناء هو القاعدة، والامتناع عن التنازل حين يُسوَّق التنازل بوصفه حكمة، أو واقعية، أو حسن تدبير. فالكبرياء ليست رغبة في العلو، بل رفضٌ للسقوط، وليست ادعاء تفوّق، بل حماية للكرامة من التآكل الصامت.
ولهذا، كان الخلط بين الكبرياء والكِبْر من أخطر ما أصاب الوعي الأخلاقي في المجتمعات. فالكِبْر مرضٌ يُقصي الآخر، ويُغلق العقل، ويمنع صاحبه من رؤية الحق إذا جاءه من غيره، أما الكبرياء فهي حالة وعي تمنع الإنسان من أن يقبل الظلم ولو جاءه في ثوب النصيحة. المتكبّر يعجز عن الاعتراف بخطئه، أما صاحب الكبرياء فيعترف، لكنه يرفض أن يُهان. الأول يعلو على الناس، والثاني يقف أمامهم دون أن ينحني.
وفي معناها العميق، ترتبط الكبرياء ارتباطًا وثيقًا بالوعي. فالإنسان الذي لا يعرف قيمته يسهل كسره، والذي لا يدرك حدوده يسهل إغواؤه. الكبرياء هنا ليست انفعالًا، بل معرفة؛ معرفة بالذات، وبما لا يجوز التفريط به، وبالخط الفاصل بين المرونة المشروعة والتنازل المُهين. ولهذا، لا تكون الكبرياء صخبًا، بل صمتًا ثابتًا، ولا استعراضًا، بل موقفًا يُتَّخذ حين يغيب الضجيج وتبقى الخيارات عارية.
وفي الرؤية القرآنية، يُدان الكِبْر بوصفه خروجًا عن الحق، لا الكبرياء بوصفها كرامة. فالقرآن لا يهاجم عزة الإنسان، بل يهاجم ادعاء الألوهية المقنّع في النفس: ﴿إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ﴾، لأن المستكبر لا يرفض الظلم فقط، بل يرفض الاعتراف، ويرفض السجود للحق. وفي المقابل، يقرّر القرآن أن العزة ليست صفة شيطانية، بل قيمة إيمانية: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾، عزة لا تقوم على القهر، بل على الامتناع عن الذل، ولا تُبنى على إقصاء الآخر، بل على عدم التفريط بالحق.
ولهذا، لا يفصل القرآن بين الكبرياء والمسؤولية. فالعزة التي لا تُضبط بالقيم تتحول إلى استبداد، والكبرياء التي تنفصل عن العدل تنقلب إلى طغيان. ومن هنا، لا يكون الامتحان الحقيقي للكبرياء في لحظة القوة، بل في لحظة الضعف، حين يُخيَّر الإنسان بين حفظ كرامته أو شراء السلامة المؤقتة بثمنها.
وفي مدرسة الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام، تتجلّى الكبرياء بوصفها امتناعًا واعيًا لا تعاليًا أعمى. فقد عاش الإمام زاهدًا في السلطة، لكنه كان أشدّ الناس صلابة في وجه الظلم، لأن كبرياءه لم تكن نابعة من موقعه، بل من مبدئه. كان يرفض الذل حتى وهو في أضعف حالاته السياسية، ويواجه الانحراف وهو يعلم كلفة المواجهة. ولهذا، لم تكن كبرياء الإمام استعراضًا للقوة، بل أخلاقًا للوقوف حين يصبح الانحناء سياسة عامة.
وحين نبلغ تجربة كربلاء، تتحول الكبرياء إلى موقف وجودي كامل. فقول الإمام الحسين عليه السلام «هيهات منّا الذلّة» ليس شعارًا انفعاليًا، بل خلاصة وعي أخلاقي يرى أن الحياة بلا كرامة شكل آخر من أشكال الموت. لم يكن رفض الذل طلبًا للألم، ولا بحثًا عن المجد، بل رفضًا لتحويل الإنسان إلى تابع بلا إرادة. هنا، تتجاوز الكبرياء حدود الفرد لتصبح معيارًا إنسانيًا يُقاس به معنى الحياة نفسها.
وعلى المستوى السياسي، تُستهدف الكبرياء قبل الحقوق. فالأنظمة المستبدة لا تبدأ بقمع الأجساد، بل بترويض النفوس، ولا تفرض الانحناء بالقوة فقط، بل تُقنع الناس أن الوقوف ضرب من التهوّر. يُعاد تعريف الحكمة لتصبح صمتًا، والواقعية لتصبح خضوعًا، حتى يفقد المجتمع حساسيته تجاه الإهانة ويعتاد ما كان يرفضه. وينسحب هذا المنطق ذاته على العلاقات بين الدول، حيث لا تُنتزع السيادة دفعة واحدة، بل تُستنزف تدريجيًا، عبر تطبيع التنازل، وتسويق الارتهان بوصفه شراكة، وربط الكرامة الوطنية بلغة المصالح لا بمعايير الحق. وقد شهد العالم نماذج لدول لم تُهزَم عسكريًا، لكنها انحنت سياسيًا، حين قُدِّم لها الاستقرار بديلاً عن الاستقلال، والدعم الاقتصادي ثمنًا للصمت، فتحوّل القرار السيادي إلى ملف قابل للتفاوض، لا قيمة عليا غير قابلة للمساومة. وحين تُكسَر الكبرياء الجمعية، سواء داخل الدولة أو في موقعها بين الأمم، يصبح استرداد الحرية أكثر كلفة، لأن المجتمع الذي اعتاد الانحناء لم يعد يثق بقدرته على الوقوف، ولا بجدوى الوقوف أصلًا.
وفي زمننا المعاصر، تتعرض الكبرياء لتشويه من نوع آخر. فثقافة الاستهلاك والظهور السريع تُغري الإنسان بأن يقايض كرامته بصورة، أو موقفه بقبولٍ عابر، أو صمته بأمان هش. وعلى شبكات التواصل الاجتماعي، قد يتوهّم الإنسان أنه حرّ لأنه يتكلم، بينما تُدار ذائقته، ويُوجَّه غضبه، ويُختزل موقفه في تفاعل عابر. هنا، لا يُطلب من الإنسان أن ينحني علنًا، بل أن يتنازل داخليًا، وأن يسخر من قيمه أو يبرّر ما كان يرفضه، باسم المرونة أو «مجاراة العصر».
وعلى المستوى الفردي، تُختبر الكبرياء في التفاصيل الصغيرة أكثر مما تُختبر في اللحظات الكبرى: في القدرة على قول «لا» دون عدوان، وفي الامتناع عن تبرير الخطأ، وفي رفض الامتياز غير العادل حتى لو كان متاحًا. فالكبرياء ليست عنادًا، بل اتساقًا، وليست تصلّبًا، بل وضوحًا مع الذات. وقد يكون الإنسان متواضعًا في سلوكه، بسيطًا في عيشه، لكنه شديد الكبرياء حين يتعلّق الأمر بكرامته أو قناعته.
ولعل أخطر ما يواجه الكبرياء اليوم هو تحويلها إلى تهمة. يُتَّهم صاحب الموقف بأنه متشدّد، ويُوصم الرافض للذل بأنه غير واقعي، ويُدفع الإنسان إلى الشك في نفسه كلما حاول أن يقف مستقيمًا. وهنا، يصبح الدفاع عن الكبرياء دفاعًا عن الحد الأدنى من الإنسانية، لا عن امتياز أخلاقي زائد.
وفي الختام، لا تكون الكبرياء نقيض التواضع، بل شرطه الصحيح. فالتواضع بلا كبرياء يتحول إلى استسلام، والكبرياء بلا تواضع تنقلب إلى كِبْر. وحين يلتقي الوعي بالكرامة، والعقل بالثبات، والحرية بالمسؤولية، يولد الإنسان القادر على الوقوف دون صراخ، وعلى الرفض دون قسوة، وعلى حفظ إنسانيته في زمن يُكافئ الانحناء ويعاقب الوقوف. هكذا، لا تكون الكبرياء ترفًا أخلاقيًا، بل ضرورة وجودية، وأخلاقًا للنجاة في عالم يُكثر من اختبارات السقوط.







د.فاضل حسن شريف
منذ 1 ساعة
عناوين أم عنوانات؟
كيف قتلت الدارونية (50) مليون من البشر؟!
الموت من أجل الولادة
EN