مواقف الأنبياء والأوصياء وجميع المصلحين: وعلى هذا جرى جميع الأنبياء والأوصياء صلوات الله عليهم وكل المصلحين، خصوصاً الأمميين الذين تعم دعوتهم العالم أجمع، ولا تختص بمدينة خاصة أو قبيلة خاصة أو شعب خاص. فإنهم بدعوتهم وتحركهم قد خالفوا المحيط الذي عاشوا فيه، وشقوا كلمة أهله، ولم يتيسر لهم غالباً أو دائماً توحيد كلمة المعنيين بدعوتهم وحركتهم، وكسب اتفاقهم لصالحهم. وأنجحهم من استطاع أن يوحد جماعة صالحة تتمسك بخطه وتعاليمه وتدعوا إليها في مقابل دعوة الباطل التي كان يفترض لها أن تنفرد في الساحة لولا نهضته وظهور دعوته. ولا مبرر لهم في ذلك إلا تنبيه الغافل، وإيضاح معالم الحق الذي يدعون له، وإقامة الحجة عليه، ليتيسر لطالب الحق الوصول إليه، كما قال الله عز وجل: "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُور" (الانسان 3)، وقال سبحانه: "ليَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَة " (الانفال 42).
قال الله عز وجل"كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ" (الرحمن 26-27)، و"كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ" (ال عمران 185) اي ان كل نفس لا بد لها ان تموت، وكما كل نفس تخرج للوجود لا بد ان تعيش الحياة. ولكن كما في الحياة يوجد انسان صالح عادل ويوجد انسان ظالم شرير"إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" (الانسان 3). كذلك فان موت عالم يختلف عن موت شخص ظالم او حتى شخص عادي يحوي الحسنات والسيئات. لما سئل الامام الصادق عليه السلام عن قول الله عز وجل"أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا" (الرعد 41) فقال فقد العلماء.
جاء في تفسير كتاب الله المنزل للشيخ مكارم الشيرازي عن سورة الانسان: هذه السورة رغم قصرها، فانَّ لها محتويات عميقة ومتنوعة وجامعة، ويمكن بنظرة واحدة تقسيمها إلى خمسة أقسام: القسم الأوّل: يتحدث عن إيجاد الإنسان وخلقه من نطفة أمشاج او مختلطة، وكذلك عن هدايته وحرية إرادته. القسم الثّاني: يدور الحديث فيه عن جزاء الأبرار والصالحين، وسبب النزول الخاص بأهل البيت عليهم السلام. القسم الثّالث: تكرار الحديث عن دلائل استحقاق الصالحين لذلك الثواب في عبارات قصيرة ومؤثرة. القسم الرّابع: يشير إلى أهمية القرآن وسبيل إجراء أحكامه ومنهج تربية النفس الشاق. القسم الخامس: جاء الحديث فيه عن حاكمية المشيئة الإلهية مع حاكمية الإنسان. ولهذه السورة أسماء عديدة، أشهرها إلانسان والدهر وهل أتى وهذه الكلمات وردت في أوائل السورة، وإن كانت الرّوايات الواردة في فضيلتها والتي سوف يأتي ذكرها، قد ذكرت اسم هل أتى لهذه السورة.
قال الله سبحانه وتعالى "هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَـنِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاً مَذْكُوراً (1) إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَـنَ مِن نُّطْفَة أَمْشَاج نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـهُ سَمِيعَاً بَصِيراً (2) إِنَّا هَدَيْنَـهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً (3) إِنَّآ أَعْتَدْنَا لِلْكَـفِرِينَ سَلَـسِلاَ وَأَغْلَـلاً وَسَعِيراً (4)" (الانسان 1-4) هل تأتي للاستفهام بمعنى أليس. قال الامام الباقر عليه السلام (كان الإنسان مذكوراً في علم الله ولم يكن مذكوراً في عالم الخلق) وهو تفسير لقوله تعالى "لَمْ يَكُن شَيْئاً مَذْكُوراً" (الانسان 1). والانسان ورد فيه تفاسير مختلفة منها النبي آدم عليه السلام في الاية الاولى"هَلْ أَتَى عَلَى الإِنسَـنِ" (الانسان 1) وفي الاية الثانية اولاده"إِنَّا خَلَقْنَا الإِنسَـنَ مِن نُّطْفَة أَمْشَاج" (الانسان 2). وفي تفاسير اخرى ان المقصود بالانسان العلماء غير المذكورين قبل شهرتهم وقد ذكروا بعد شهرتهم. امشاج جمع مشج على وزن نسج، او جمع مشيج على وزن مريض بمعنى مختلط كما ورد في روايات اهل البيت عليهم السلام، وهذا ما اثبته العلم الحديث حول علم الجينات. وهنالك تفسير عن الامشاج هو تطور النطفة في جنين الام. نبتليه يعني تحمل المسؤولية والاختبار بعد التكليف والمعرفة للوصول الى الهداية، وذلك باستخدام الجوارح كالعين"نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَـهُ سَمِيعَاً بَصِيراً" (الانسان 2) وهو المعنى الاصح من تفاسير اخرى تقول نبتليه اي التحولات في النطفة في جنين الام. وقسم العلماء الهداية الى هداية تكوينية وفطرية وتشريعية. وفي الاية المباركة "إِنَّا هَدَيْنَـهُ السَّبِيلَ" (الانسان 3) فان عدد من المفسرين يشيرون الى الهداية التشريعية. وفي تفسير"اِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً" (الانسان 3) اي إمّا يكون شاكراً وإمّا يكون كفوراً.
جاء في كتاب عصمة المعصوم عليه السلام وفق المعطيات القرآنية لمؤلفه الشيخ جلال الدين الصغير: العصمة وضرورات الهداية الربانية: خلق الله المكلّف بمهمة محددة هي عبادته جلّ وعلا، وذلك وفقاً لما أشار إليه قوله تعالى: "وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ" (الذاريات 56)، وهذا التكليف المجهّز بخيار الاختيار الإرادي، حيث لا يمكن تعقّل وجود التكليف من دون هذا الخيار، قد وضع على مفترق طريقين لا ثالث لهما: "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً" (الانسان 3) وطريقا الشكر أو الكفر هما فيالواقع نتاج تركيبة محتواه الخَلْقي، المعبّر عنه تارة عن خليط الروح الإلهية مع عنصر التكوين الآخر كالطين في حال البشر، والنار في حال الجن، وأخرى باعتبار ان نفسه قد ألهمت بخيارين متناقضين هما خيار التقوى أو الفجور"وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا" (الشمس 7-8).
قال الله تبارك وتعالى " إِنَّا هَدَيْنَـهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً" (الانسان 3) جاء في موقع دار السيدة رقية للقرآن الكريم: إنّ الله قد خلق الإنسان لهدف الإبتلاء والإختبار والتكامل، فأوجد فيه المقدمات لكي يصل بها إلى هذا الهدف، ووهبه القوى اللازمة لذلك، وهذه هي الهداية التكوينية، ثمّ جعل في أعماق فطرته عشقاً لطي هذا الطريق، وأوضح له السبيل عن طريق الإلهام الفطري، فسمي ذلك بـ الهداية الفطرية، ومن جهة أُخرى بعث القادة السماويين والأنبياء العظام لإراءة الطريق بالتعليمات والقوانين النيّرة السماوية، وذلك هو الهداية التشريعية، وجميع شعب الهداية الثلاث هذه لها صبغة عامّة، وتشمل جميع البشر. وعلى المجموع فإنّ الآية تشير إلى ثلاث مسائل مهمّة مصيرية في حياة الإنسان: مسألة التكليف، ومسألة الهداية، ومسألة الإرادة والإختيار والتي تعتبر متلازمة ومكمّلة بعضها للبعض الآخر. التعبير بـ شاكراً وكفوراً يعتبر أفضل تعبير ممكن في هذه الآية، لإنّه مَنْ قابل النِعَمِ الإلهية الكبيرة بالقبول واتخذ طريق الهداية مسلكاً، فقد أدّى شكر.
جاء في اعراب القرآن الكريم: قوله تعالى "إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا" (الانسان 3) إِنَّا (إِنَّ) : حَرْفُ تَوْكِيدٍ وَنَصْبٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ اسْمُ (إِنَّ) :. هَدَيْنَاهُ فِعْلٌ مَاضٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ لِاتِّصَالِهِ بِنَا الْفَاعِلِينَ، وَ(نَا) : ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ فَاعِلٌ، وَ"هَاءُ الْغَائِبِ" ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ مَفْعُولٌ بِهِ أَوَّلُ، وَالْجُمْلَةُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ خَبَرُ (إِنَّ) :. السَّبِيلَ مَفْعُولٌ بِهِ ثَانٍ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. إِمَّا حَرْفُ تَفْصِيلٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. شَاكِرًا حَالٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ. وَإِمَّا "الْوَاوُ" حَرْفُ عَطْفٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ، وَ(إِمَّا) : حَرْفُ تَفْصِيلٍ مَبْنِيٌّ عَلَى السُّكُونِ. كَفُورًا حَالٌ مَنْصُوبٌ وَعَلَامَةُ نَصْبِهِ الْفَتْحَةُ الظَّاهِرَةُ.







اسعد الدلفي
منذ 4 ساعات
تَهدِيمُ [البقيع] إِرهابٌ [حَضارِيٌّ]!
من قتل علياً عليه السلام ؟
الرسول محمد وابنته فاطمة الزهراء -عليهما السلام- حاضران في واقعة الطف
EN