سلسلة مفاهيم في الفيزياء
الجزء المائة: ثبات سرعة الضوء: حقيقة علمية أم طريقة في القياس؟
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
27/03/2026
قد تبدو هذه الحسابات، عند النظر إليها لأول مرة، وكأنها لا تتجاوز كونها حيلة رياضية محضة. فمن الواضح أن الطريقة التي اعتمدناها في إسناد الإحداثيات قد بُنيت بحيث تجعل السرعة الإحداثية للضوء تساوي دقيقة ضوئية لكل دقيقة زمنية. فإذا اخترنا أن نقيس الزمن بالدقائق، والمسافة بالدقائق الضوئية، فإن النتيجة تبدو وكأنها مفروضة سلفًا: سيقطع الضوء دقيقة ضوئية واحدة خلال دقيقة واحدة. ومن هذا المنظور، قد يبدو أن النتيجة لم تُكتشف، بل تم تضمينها مسبقًا في تعريفنا للإحداثيات.
غير أن هذا الاستنتاج لا ينبغي أن يُفهم على أنه ضعف في البناء، بل هو في الحقيقة انعكاس مباشر للهدف الذي نسعى إليه. فنحن لا نحاول إعادة إنتاج مفاهيم نيوتن عن الزمان والمكان المطلقين، حيث تكون السرعات كميات قائمة بذاتها ومستقلة عن أدوات القياس، بل نحاول بناء فهم جديد يُستمد بالكامل من البنية الهندسية للزمكان ومن الوسائل الفيزيائية التي نستخدمها لوصفه. وفي هذا الإطار، لا يكون للحديث عن “سرعة مطلقة” — سواء للضوء أو لأي جسم آخر — معنى مستقل خارج نظام الإحداثيات الذي اخترناه.
ومن هنا، فإن عبارة “ثبات سرعة الضوء” لا ينبغي النظر إليها كمبدأ فيزيائي أساسي قائم بذاته، بل كنتيجة طبيعية لطريقة بنائنا للإحداثيات. فهي ليست حقيقة مفروضة من الخارج، بل خاصية تنشأ من التوافق بين تعريف الزمن، وتعريف المسافة، والطريقة التي نستخدم بها الضوء نفسه كأداة لقياس كل منهما.
ومع ذلك، ينبغي الحذر من الذهاب بعيدًا في الاتجاه المعاكس والقول إن المسألة مجرد اتفاق اعتباطي بالكامل. فصحيح أن السرعة الإحداثية للضوء تعتمد على نظام الإحداثيات، إلا أنها تبقى ثابتة في جميع أنظمة الإحداثيات اللورنتزية، أي تلك الأنظمة التي بُنيت وفق المبادئ الفيزيائية نفسها التي اعتمدناها. أما إذا قمنا بتركيب إحداثيات هجينة — كأن نأخذ الإحداثي الزمني من نظام لورنتزي معين، ونمزجه مع الإحداثيات المكانية لنظام آخر — فإن هذه البساطة قد تختفي، ولن تبقى السرعة الإحداثية للضوء ثابتة.
لكن ما يميّز إحداثيات لورنتز ليس مجرد بساطتها، بل ارتباطها العميق بسلوك الضوء والساعات. فحقيقة أن كل شعاع ضوء صادر عن حدث في الفراغ ينتشر على طول ما يُعرف بمخروط الضوء ليست مسألة اصطلاح أو اختيار اعتباطي، بل هي خاصية فيزيائية أساسية. وكذلك الأمر بالنسبة لوجود ساعات مشتركة في الحركة كما عرّفناها، فهي ليست افتراضًا شكليًا، بل نتيجة مباشرة للبنية التناظرية لزمكان مينكوفسكي. ومن هذا المنطلق، فإن افتراض هذه البنية نفسها يُعد توصيفًا لواقع فيزيائي، لا مجرد اتفاق رياضي.
وكما رأينا سابقًا أن الإحداثيات المختلفة يمكن أن تُظهر ما يُعرف بالتمدد الزمني المعتمد على الإحداثيات، فإن إحداثيات لورنتز تُظهر أيضًا ظاهرة موازية تُعرف بتقلص لورنتز–فيتزجيرالد المعتمد على الإحداثيات. وهذه الظاهرة لا تعني أن الأجسام “تنكمش” فعليًا بمعزل عن الوصف، بل تعكس الطريقة التي تتغير بها المسافات المكانية عند الانتقال من نظام إحداثي إلى آخر.
بالعودة إلى المثال الذي ناقشناه، نعلم أن الساعة المشتركة في الحركة الواقعة إلى اليسار في نظام إحداثيات الساعة الرئيسية تمتلك الإحداثيات x = −1، y = 0، z = 0، أي أنها تحافظ — ضمن هذا النظام — على فصل مكاني ثابت مقداره دقيقة ضوئية واحدة عن الساعة الرئيسية. هذا الثبات ليس نتيجة لقوة أو تفاعل، بل هو انعكاس لكون المسارين الزمنيين متوازيين في هذا الإطار.
وبالطريقة نفسها، تحافظ الساعة الواقعة إلى اليمين على فصل مكاني ثابت مقداره دقيقة ضوئية واحدة عن الساعة الهدف 2، ولكن هذه المرة ضمن نظام الإحداثيات المرتبط بتلك الساعة. غير أن هذا الوصف يعتمد كليًا على معنى “الفصل المكاني” كما يُعرّف داخل كل نظام إحداثي على حدة.
فمع أن الساعتين تتحركان على مسارات زمنية متوازية، وتحافظان على علاقة هندسية ثابتة في الزمكان، إلا أن مقدار الفصل بينهما — كما يُقاس مكانيًا — ليس كمية مستقلة عن الإحداثيات، بل يعتمد على كيفية اختيار شرائح التساوي في الزمن التي نقيس بالنسبة لها هذا الفصل. ولذلك لا يكون من الواضح مباشرة، عند النظر من نظام إحداثيات الساعة الرئيسية، ما هو مقدار الفصل المكاني بين الساعة الهدف 2 وساعتها المشتركة.
غير أننا أصبحنا الآن نملك من الأدوات المفاهيمية ما يكفي لحل هذه المسألة بدقة، شريطة أن نحدد المسار الزمكاني للساعة الهدف 2 تحديدًا واضحًا. ولنفترض، على غرار الجزء الأول من رحلة التوأم في مفارقة التوأم، أن الساعة الهدف 2 تتحرك على خط مستقيم يبدأ من الأصل ويمر بالحدث ذي الإحداثيات (5, 4, 0, 0) في نظام إحداثيات الساعة الرئيسية.
في هذا الوصف، تعني هذه الإحداثيات أن الزمن المنقضي على محور t يساوي خمس دقائق، بينما الإزاحة المكانية على محور x تساوي أربع دقائق ضوئية. وإذا أردنا ترجمة ذلك إلى قراءة فعلية للساعة، فإنها ستشير إلى 12:05 بدلًا من الرقم 5، لأننا بدأنا العد من 12:00، غير أننا نحتفظ بهذه الصيغة المبسطة للإحداثيات لتسهيل التحليل.
وبهذا، نجد أن الساعة الهدف 2 تقطع مسافة مقدارها أربع دقائق ضوئية خلال خمس دقائق زمنية، أي أنها تتحرك بسرعة تساوي 0.8 من سرعة الضوء ضمن هذا النظام الإحداثي. وهذه النتيجة لا تعبّر عن “سرعة مطلقة”، بل عن علاقة محددة بين الإحداثيات المكانية والزمانية داخل هذا الإطار، وهي خطوة تمهيدية ضرورية لفهم كيفية ظهور تأثيرات مثل التقلص الطولي عند الانتقال بين أنظمة إحداثية مختلفة.
يتبع في الجزء 101…







اسعد الدلفي
منذ 4 ساعات
حوار من عالم آخر مع احد الناجين من "فيروس كورونا"
في فقه الاستماع
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
EN