وزارة الاتصالات بين معركة الإصلاح وجدران السياسة
قراءة في مخاوف ما بعد التغيير الإداري وإشكاليات الإصلاح المؤسسي في العراق
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
23/05/2026
من يتابع تصريحات وزيرة الاتصالات السابقة ومواقفها بعد مغادرتها المنصب يلحظ بوضوح حجم القلق الذي تبديه تجاه مستقبل الوزارة التي أدارتها خلال السنوات الماضية. فهذا القلق لا يبدو مرتبطًا بمجرد انتهاء مسؤولية إدارية أو انتقال السلطة إلى إدارة جديدة، بل يرتبط – وفق ما تطرحه الوزيرة – بمخاوف من أن تتعرض الإجراءات التي اتخذتها لمكافحة الفساد والتصدي لمراكز النفوذ داخل الوزارة إلى التراجع أو الإلغاء. وفي الأنظمة الإدارية الحديثة غالبًا ما يُنظر إلى استمرار الإصلاحات بعد مغادرة المسؤول لمنصبه بوصفه المعيار الحقيقي لنجاح تلك الإصلاحات، لأن الإنجاز المؤسسي لا يُقاس بما يتحقق خلال فترة المسؤول فحسب، بل بقدرته على الصمود والاستمرار بعد رحيله.
ومن الإشكاليات اللافتة في السياق الإداري العام، ذلك الميل المتكرر لدى بعض المسؤولين التنفيذيين إلى الاعتقاد بأن المؤسسة التي يديرونها قد تتعرض للاهتزاز أو التراجع بمجرد مغادرتهم لمواقعهم. ويقوم هذا التصور على فكرة ضمنية مفادها أن الإصلاحات التي تُنجز خلال فترة المسؤولية مرتبطة بشخصه أكثر من ارتباطها بالبنية المؤسسية للدولة.
غير أن هذا التصور، من منظور علم الإدارة العامة، يُعد إشكالية في فهم طبيعة المؤسسة نفسها؛ إذ إن المؤسسات الحديثة لا تقوم على الأشخاص بقدر ما تقوم على النظم والإجراءات والقوانين التي تضمن استمراريتها بغض النظر عن تداول المواقع. فالمؤسسة العامة – من الناحية النظرية – سابقة على شاغل المنصب ولاحقة له، بمعنى أنها لا تبدأ به ولا تنتهي عند خروجه.
ومع ذلك، فإن هذا الشعور لدى بعض المسؤولين يمكن تفسيره بعدة عوامل، من أبرزها ضعف الثقة باستمرارية النظام الإداري، وغياب الضمانات المؤسسية الكافية لحماية القرارات الإصلاحية من التغيير أو الإلغاء مع تبدل الإدارات. كما أن تدخلات القوى السياسية في إدارة المؤسسات العامة قد تعزز هذا الإحساس، بحيث يصبح المسؤول الإصلاحي مدركًا أن كثيرًا من قراراته قد تُعاد صياغتها أو التراجع عنها ليس لأسباب فنية، بل نتيجة تغير موازين النفوذ.
ومن زاوية أخرى، يرتبط هذا التصور أيضًا بعامل نفسي يتمثل في اندماج المسؤول مع موقعه الوظيفي إلى درجة تجعل الإنجاز الإداري يُنسب إلى شخصه لا إلى المؤسسة، وهو ما يخلق نوعًا من “الشخصنة غير المقصودة” للعمل المؤسسي، حتى وإن كان الخطاب المعلن يقوم على خدمة المصلحة العامة. وفي المقابل، فإن ترسيخ مبدأ الدولة المؤسسية يتطلب تعزيز الوعي بأن الإصلاح الحقيقي ليس ما يُنجز خلال وجود شخص معين في المنصب، بل ما يمكن أن يستمر بعده دون أن يتأثر بتبدل الأفراد. فنجاح أي تجربة إصلاحية يُقاس بقدرتها على التحول من “إنجاز فردي” إلى “سياسة مؤسسية دائمة”.
وخلال فترة إدارتها للوزارة، قدمت الوزيرة نفسها بوصفها صاحبة مشروع إصلاحي يستهدف معالجة الاختلالات المتراكمة في واحدة من أكثر الوزارات حساسية وتأثيرًا في الحياة اليومية للمواطنين. وتشير الوقائع التي تحدثت عنها إلى اتخاذ إجراءات إدارية وقانونية بحق عدد من الموظفين والمسؤولين الذين وُجهت إليهم اتهامات تتعلق بمخالفات وظيفية أو شبهات فساد، فضلاً عن إحالة عدد منهم إلى لجان تحقيقية مختصة. كما أثار قرارها بفصل أحد المسؤولين البارزين في الوزارة اهتمامًا واسعًا، ولا سيما بعد حديثها عن وجود دعم سياسي يحظى به هذا المسؤول، الأمر الذي جعل قرار الفصل يُقدَّم على أنه اختبار حقيقي لقدرة الإدارة على تطبيق القانون بمعزل عن الاعتبارات السياسية والحزبية.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في السياق العراقي، حيث ظل ملف مكافحة الفساد أحد أكثر الملفات تعقيدًا منذ عام 2003، نتيجة التشابك بين البنية الإدارية للدولة وشبكات النفوذ السياسي والحزبي. ولهذا فإن أي مسؤول يتخذ إجراءات تمس مصالح أطراف نافذة يجد نفسه في مواجهة ضغوط متعددة، تبدأ من الحملات الإعلامية ولا تنتهي عند محاولات تعطيل الإجراءات القانونية أو الالتفاف عليها. ومن هذا المنطلق يمكن فهم حجم التحديات التي واجهتها الوزيرة، سواء اتفق المراقبون مع تقييمها لأدائها أم اختلفوا معه.
كما ارتبطت فترة إدارتها بمحاولات تطوير الخدمات التي تقدمها الوزارة، ولا سيما خدمات الاتصالات والإنترنت التي أصبحت اليوم جزءًا أساسيًا من البنية التحتية الاقتصادية والتعليمية والإدارية للدولة. ورغم تعرضها لانتقادات عديدة، فإنها كانت ترى أن جزءًا من تلك الانتقادات لا يرتبط بالجانب المهني بقدر ارتباطه بتضرر بعض الجهات من الإجراءات التي اتخذتها داخل الوزارة. ولذلك كانت تقدم نفسها بوصفها طرفًا يخوض معركة إصلاحية ضد مراكز نفوذ متجذرة، وهي معركة لم تكن نتائجها محل إجماع، لكنها شكلت جزءًا مهمًا من الخطاب الذي رافق إدارتها للوزارة.
وتبدو مخاوف الوزيرة أكثر وضوحًا بعد مغادرتها المنصب، خصوصًا عندما أشارت إلى عودة أحد المسؤولين الذين سبق أن تعرضوا لعقوبات انضباطية إلى موقع مؤثر داخل الوزارة. فبالنسبة إليها، لا تمثل هذه العودة مجرد قرار إداري، بل تعكس احتمال عودة الأنماط السابقة من الإدارة والعلاقات التي سعت إلى تفكيكها. وهنا يبرز سؤال جوهري يتعلق بمدى قدرة مؤسسات الدولة العراقية على حماية قراراتها الإصلاحية من التأثيرات السياسية، ومدى استقلالية الجهاز الإداري عن موازين القوى الحزبية. فإذا كانت القرارات الإدارية والقانونية قابلة للتعطيل أو الإلغاء بمجرد تغير الإدارة أو تبدل موازين النفوذ، فإن ذلك يضعف الثقة بقدرة المؤسسات على تحقيق إصلاحات مستدامة.
ومن هذا المنظور يرى بعض المتابعين أن الوزيرة كانت تستحق فرصة إضافية لاستكمال مشروعها الإصلاحي، ليس بالضرورة لأن تجربتها كانت خالية من الأخطاء، بل لأن عمليات الإصلاح الإداري تحتاج عادة إلى فترات زمنية طويلة تتجاوز الدورة الحكومية الواحدة. فالمؤسسات التي تعاني من تراكمات الفساد لعقود لا يمكن إصلاحها بقرارات سريعة أو إجراءات مؤقتة، وإنما تحتاج إلى استمرارية في الرؤية والسياسات والرقابة.
أما فيما يتعلق بالإدارة الجديدة، فإن تصريحات الوزيرة السابقة تكشف عن عدم اطمئنانها إلى قدرتها على مواصلة النهج الذي بدأته. وهذا التقييم يعكس وجهة نظر سياسية وإدارية تستحق النقاش، خصوصًا في ظل الجدل الدائر حول معايير اختيار القيادات العليا في الدولة العراقية. فإدارة وزارة بحجم وأهمية وزارة الاتصالات تتطلب مزيجًا من الخبرة الفنية والقدرة الإدارية والرؤية الاستراتيجية، وهي متطلبات لا يمكن تعويضها بالحضور الإعلامي أو النشاط السياسي وحدهما.
وقد برز خلال السنوات الأخيرة نمط جديد من العمل السياسي يعتمد بصورة كبيرة على الحضور المكثف في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حتى بات بعض السياسيين يقاس حضورهم الجماهيري بعدد المتابعين والتفاعلات أكثر مما يقاس بإنجازاتهم المؤسسية والتشريعية. غير أن التجربة العملية أثبتت أن الشعبية الإعلامية لا تشكل بالضرورة دليلًا على الكفاءة الإدارية أو القدرة على إدارة مؤسسات الدولة. فالمواطن لا يحاكم المسؤول على حجم ظهوره الإعلامي، بل على النتائج الملموسة التي تنعكس على حياته اليومية ومستوى الخدمات التي يتلقاها.
وهنا تبرز إشكالية أوسع تتعلق بفهم الدور الحقيقي للنائب البرلماني في النظام الديمقراطي. فالنائب ليس مسؤولًا تنفيذيًا ولا مديرًا لمشاريع خدمية، وإنما هو جزء من السلطة التشريعية والرقابية التي يفترض أن تضع القوانين وتراقب أداء الحكومة وتحاسبها عند التقصير. ولذلك فإن معيار نجاح النائب ينبغي أن يقاس بمدى مساهمته في تطوير المنظومة التشريعية، وعدد المبادرات القانونية التي قدمها، وحجم دوره في كشف ملفات الفساد وتعزيز الرقابة على السلطة التنفيذية. أما تحويل الإنجازات الخدمية المحلية إلى المعيار الأساسي لتقييم الأداء النيابي، فإنه يعكس في كثير من الأحيان خلطًا بين وظائف السلطات المختلفة داخل الدولة.
وفي سياق أوسع، أثارت الوزيرة السابقة جدلًا سياسيًا عندما انتقدت العملية الانتخابية، معتبرة أن نتائجها لا تعكس بصورة حقيقية إرادة الناخبين بسبب هيمنة مجموعات سياسية محددة على مفاصل القرار. ويعبر هذا الطرح عن أزمة ثقة متنامية بين قطاعات من الرأي العام والنظام السياسي القائم، حيث يشعر كثيرون بأن الانتخابات لا تؤدي دائمًا إلى التغيير الذي يتطلعون إليه. ومع ذلك فإن معالجة هذه الأزمة تتطلب البحث عن حلول دستورية ومؤسساتية واضحة، لأن التشكيك بالعملية السياسية دون تقديم آليات قانونية قابلة للتطبيق قد يؤدي إلى تعميق حالة الإحباط العام.
ومن بين المقترحات التي طرحتها الوزيرة فكرة جمع عشرين مليون توقيع بهدف تغيير الدستور العراقي. ورغم أن هذا المقترح يعكس رغبة في إشراك المواطنين بصورة مباشرة في عملية الإصلاح السياسي، إلا أن السؤال الجوهري يتعلق بالمسار الدستوري والقانوني الذي يمكن من خلاله تحويل هذه التواقيع إلى إجراء ملزم للدولة. فالدساتير لا تُعدَّل عادة بمجرد جمع التواقيع، وإنما من خلال آليات وإجراءات محددة ينص عليها الدستور نفسه، الأمر الذي يجعل نجاح أي مبادرة من هذا النوع مرتبطًا بقدرتها على إيجاد مسار قانوني واضح لتحقيق أهدافها.
وفي هذا الإطار تبرز رؤية قانونية أخرى تتعلق بمسألة الدستور العراقي النافذ. فهناك من يرى أن وجود فروقات بين النص الذي عُرض على الاستفتاء الشعبي عام 2005 والنص المعمول به حاليًا يستوجب تحقيقًا قانونيًا ودستوريًا معمقًا. ووفق هذا الرأي، فإن أي إضافة أو تعديل على النص الدستوري خارج الآليات المنصوص عليها في المادة (126) من الدستور قد يثير إشكالات قانونية تتعلق بسلامة الإجراءات الدستورية المتبعة. ولذلك يُقترح أن يتم التعامل مع هذه المسألة من خلال المؤسسات القضائية المختصة وبالاستناد إلى الوثائق الرسمية المعتمدة، بما يضمن معالجة الموضوع ضمن الأطر الدستورية والقانونية بعيدًا عن التجاذبات السياسية.
وفي المحصلة، فإن الجدل الذي أثارته وزيرة الاتصالات السابقة لا يتعلق بشخصها أو بفترة إدارتها فحسب، بل يسلط الضوء على أسئلة أعمق تتصل بطبيعة الدولة العراقية وآليات الإصلاح فيها، ومدى قدرة المؤسسات على حماية قراراتها من التدخلات السياسية، ومستقبل العلاقة بين الإرادة الشعبية والنظام الدستوري القائم. وهي أسئلة ستظل مطروحة ما دامت التحديات البنيوية التي تواجه الدولة العراقية قائمة، وما دام المواطن يبحث عن مؤسسات قادرة على تحقيق الإصلاح والاستمرار فيه بمعزل عن تغير الأشخاص وتبدل المواقع.







محمد عبد السلام
منذ ساعتين
إعمار البصرة
تَهدِيمُ [البقيع] إِرهابٌ [حَضارِيٌّ]!
حينما تصبح النفايات مرآة لثقافة المجتمع وتمدنه
EN