0

بمختلف الألوان
من منا يجازف بإنكار حقيقة أن أغلب أدوات التقدم العلمي والتكنلوجيا الحديثة جاءت لخدمة المجتمعات البشرية ؟ حيثُ قصّرت الوقت وقلّلت الجهد ومحت المسافات، فأصبح العسير سهلاً يسير المنال.. ولكن- وكما هو معلوم- ان كل شيء متى ما زاد عن حده انقلب ضده ! فالإفراط باستخدام التقنية وبشكل عشوائي وغير منضبط،... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
فوالله لا تمحو ذكرنا.. فالمعركة لم تنتهِ بعد، بدأت الآن

منذ 4 شهور
في 2026/06/28م
عدد المشاهدات :621
لم تنتهِ حكاية الطفّ حين سكنت حركة السيف، بل إن الصليل الحقيقي بدأ لحظة انطفاء المشرعة. حين انقشع غبار العاشر من محوّم عن جسدٍ تلوح عليه عساليج الخطّي، لم يكن ذلك إيذاناً بنهاية الثورة، بل كان إعلاناً عن ولادة المعركة الكبرى؛ معركة الوعي التي لم يكن لها من قائدٍ سوى امرأةٍ أثقلت عاتقَها الرزايا، لكنها لم تطأطئ رأسَها للسيوف. السيدة زينب بنت علي (عليهما السلام) لم تكن مجرد شاهدة عيانٍ على الفاجعة، بل كانت الصائغة التاريخية التي حوّلت الرماد والدم إلى مشاعل أبدية تهز الضمائر وتزلزل عروش الطغيان عبر العصور.
تتجلى عظمة هذا الدور في تلك اللحظة التي تذوب فيها الأنفس هيبةً وجلالاً، حين وقفت العقيلة بين الخيام المحترقة والأشلاء الموزعة، فلم تندب ندبة اليائس، بل رفعت بيديها الطاهرتين جسد أخيها الحسين (ع) وقالت كلمتها التي تختزل عمق المعرفة الإلهية: «اللهم تقبل منا هذا القربان». هذا الموقف ليس مجرد صبْرٍ بشرىّ، بل هو إعلان انتقال المعركة من طابعها العسكري المحدود في الزمان والمكان، إلى طابعها الأخلاقي الإنساني الممتد. إنها رؤية أهل البيت (عليهم السلام) التي لا ترى في الموت في سبيل الله انكساراً، بل تراه ذروة الكمال والجمال، وهو ما رسخته في وجدان الأمة حين واجهت غطرسة عبيد الله بن زياد الذي أراد الشماتة والتصغير، فجاءها الجواب الكوني الذي يهدّ أركان النفس الطاغية: «ما رأيتُ إلا جميلاً، هؤلاء قوم كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم».
من هنا، تحول الأسر من حالة استضعافٍ جسدي إلى حركة تحريرٍ فكري. لقد سارت السيدة زينب (ع) في ركب السبايا وهي تحمل في صوتها حيدريّة أبيها وبلاغة أمها، لتسقط الرواية المزيفة التي حاول الإعلام الأموي تسويقها للأمة بأن المستشهدين هم "خوارج". في الكوفة وفي الشام، لم تكن العقيلة تتكلم بلسان المأسورة، بل بلسان الحاكم الأخلاقي على العصر. كانت كلماتها تقع على القلوب كالصواعق، تحوّل دموع الفرح الزائف في وجوه الشامتين إلى بكاء عويل ونادم، وتعيد صياغة مفهوم الهزيمة والانتصار؛ فالمنتصر ليس من يملك السيف والسوط، بل من يملك الحق والخلود. لقد هزت تيجان الملوك وهي مقيدة بالحبال، ملقيةً بنبوءتها التي ما زالت تتأهب لها مسامع التاريخ: «فوالله لا تمحو ذكرنا، ولا تميت وحينا».
إن هذا السرد الزينبي لم يكن مجرد دفاعٍ عن قضية فئوية، بل كان حقناً لروح الأخلاق الإنسانية في عروق أمةٍ كادت أن تموت بالخوف والتبعية. لقد علمتنا السيدة زينب (ع) أن الدمع ليس ضعفاً إذا كان دمعاً رسالياً يغسل ران القلوب ويحرك في النفوس كوامن الثورة ضد الظلم، وأن القوة الحقيقية تكمن في الثبات على المبدأ حتى وإن تلاشت كل الناصرين والمعينين. هذا الإرث الأخلاقي هو الذي يجعل قضية الحسين (ع) غضة طرية في كل عام، لأن العقيلة زينب نفخت فيها من روحها، وجعلت من المجالس والمآتم مدارس لبناء الإنسان الواعي والجيل المستبصر الذي يرفض الضيم ويتحسس مواضع الحق بقلبٍ نابضٍ بالغيرة والكرامة.
كيف تلتقي الراية الزينبية بالوعد المهدوي؟
إن المعركة التي قادتها السيدة زينب (عليها السلام) بعد عاشوراء لم تكن مجرد حراكٍ لإنقاذ التاريخ من التزييف، بل كانت تمهيداً كونيّاً لصياغة المستقبل؛ فالخيط الرابط بين دمعة العقيلة في كربلاء وبين النهضة المقدسة للإمام المهدي (عجل الله فرجه) هو خيط امتداد الرسالة وتحقيق الغاية الإلهية الكبرى. لقد وقفت السيدة زينب وسط الرماد لتزرع بذور الوعي والرفض للظلم، وهي صرخة لم تكن لتخمد أو تنتهي بوفاتها، بل جُعلت وقوداً عاطفياً وعقائدياً يتوارثه الأحرار جيلاً بعد جيل، ليكونوا القلوبَ المستعدة والنفوسَ الواعية التي تنتظر الآخذ بثار ذلك الدماء الطاهرة، ومحقّق العدل المطلق في الأرض.
يتأكد هذا الترابط العضيق في أحاديث أهل البيت (عليهم السلام) التي تكشف أن قضية الإمام الحسين (ع) هي المحرك الأساس لنهضة قائم آل محمد؛ فالإمام المهدي (عج) في تراثنا يربط غايته الكبرى مباشرة بفاجعة الطف، وكما ورد في الزيارة الشريفة: «أن يرزقني طلب ثأرك مع إمام منصور من أهل بيت محمد». هذا الثأر ليس انتقاماً شخصياً، بل هو استئصال لجذور الظلم والفساد التي وقفت السيدة زينب في وجهها غريبةً ومأسورة. إن العقيلة بصلابتها وخطبها أسست لمنهج "المقاومة بالكلمة والوعي"، وهو ذاته المنهج الأخلاقي الذي يصيغ شخصية المنتظرين الصادقين؛ فالذي يريد أن يكون في ركب الإمام المهدي، عليه أولاً أن يتخرّج من مدرسة الزينبية في الثبات، والقدرة على رؤية تدبير الله الجميل في أحلك الظروف وأقساها.
وعندما نمعن النظر في النداء العالمي للإمام المهدي (عج) عند ظهوره، نجده ينطلق من الكعبة المشرفة منادياً: «ألا يا أهل العالم إن جدي الحسين قتلوه عطشاناً»، وهنا تلتقي الصرختان؛ صرخة زينب في مجلس يزيد وهي تحدّد معالم الخلود: «ولن تميت وحينا»، وصرخة حفيدها المهدي وهو يحيي ذلك الوحي ويحقق تلك النبوءة الزينبية على أرض الواقع. إن السيدة زينب (ع) حفظت الإمامة المتمثلة بالإمام زين العابدين (ع) في وقتٍ كان الطغاة يريدون قطع هذا النور، وبحفظها له، حفظت الوجود الإمامي الذي تنحدر منه شخصية المنقذ الخلف الحجة. وهكذا، تصبح المسيرة الزينبية هي الجسر الأخلاقي والروحي الذي يربط فاجعة الدم بانتصار الراية، ويتحول الحزن الحسينى في وجدان الأمة من انكسارٍ باءٍ بالدموع، إلى أملٍ متأهبٍ يترقب العدالة الإلهية ويبني الإنسان الممهد لظهور الحق.

اعضاء معجبون بهذا

البيت الذي أكل أبناءه
بقلم الكاتب : وائل الوائلي
قصة قصيرة مؤلمة مستوحاة من حادثة حقيقية في تكريت، حيث تتكئ البيوت على ذاكرة دجلة وتختلط حكايات الناس بأسرار الأزقة القديمة، كان بيت عائلة "فردوس" يبدو للناظرين حصنًا من السعادة. باب واسع، وغرف فسيحة، وأثاث يشي بالترف، وخزائن تحفظ من المال ما يكفي لأن يحلم أصحابها بما وراء الحدود. لم يكن ينقص ذلك... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

في أحد الصفوف المترامية من مدرسةِ الحيِّ القديمة، حيث تنعكسُ الشمسُ على... المزيد
في زاويةٍ معتمةٍ من سجن "النهضة" بمحافظة الديوانية، كان الليلُ ينسكبُ ثقيلاً... المزيد
يقف "سمُّ الخياط" أسطورةً ناصعة في الذاكرة الإنسانية، تلك البوابة الضيقة التي... المزيد
بين أزقة بغداد المترعة بعبق الورق وذاكرة الحبر، وفي ذلك الشارع الذي تنهب فيه روح... المزيد
قراءة في الدروب من سيرة الشهيد القائد إبراهيم الحاج ((أبو محمد السلمان)) للكاتب عبد... المزيد
كانت تلاحقه خيبات عام 2024 في أفق الذاكرة كغيوم داكنة لا تمطر سوى الأسى، حاملة معها... المزيد
في أعالي جبال كازاخستان، حيث تتجمع أسراب طيور الفلامينكو استعداداً للدفء، كان قائد السرب،...
‏كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل والسماء تمطر بغزارة والبرد يتسلل من شقوق الجدران الطينية...
في صباحٍ بغداديٍّ مثقلٍ برائحة الغبار والدخان، دخل إلى دار الأستاذ هشام طفلٌ لا يتجاوز...
شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن وزهــــــــا...


منذ اسبوعين
2026/10/25
تُعدّ الصواعق الرعدية من أبرز الظواهر الجوية التي تحدث في الغلاف الجوي، وتمثل...
منذ اسبوعين
2026/10/25
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء المائة وواحد وعشرون: أينشتاين وانحناء الضوء:...
منذ 3 اسابيع
2026/10/20
خلق الإنسان: قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ﴾ [الحج:...