0

بمختلف الألوان
لقد عاش السواد الأعظم من الأجيال السابقة بمهارات محدودة-تبعاً لمحدودية أدواتهم-لكنها مكنتهم من الوصول الى خط النهاية بسلام وأمان. أما الألفية الثالثة فقد فرضت على جيلها ضرورة امتلاك سلة (كاملة) من المهارات. كمهارة التعلم والابتكار، ومهارة الثقافة المعلوماتية والإعلامية والتكنلوجية، ومن أبرزها... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
قال الحجاج: أنا اللجوج الحقود الحسود

منذ 1 شهر
في 2026/08/12م
عدد المشاهدات :270

لم يكن الليل في الكوفة ليلةً عادية حين اعتلى الحجّاج منبرها، كان الليل كثيفاً كقلبه، والناس صامتين كأنّ على رؤوسهم الطير. نظر إليهم بعينٍ لا تعرف الشفقة، ثم صبَّ عليهم كلماته صبّاً، فكانت أشبه بسهامٍ مسمومة. هناك، لمّح عن نفسه بلا مواربة، كأنّه يكتب اعترافه قبل أن يُكتب عليه الحكم: «أنا لجوج، حقود، حسود».
قالها لا افتخاراً ولا تواضعاً، بل حقيقةً خرجت من أعماقه كما يخرج الدخان من النار.
ومنذ تلك اللحظة، عرف الناس أنّهم أمام رجلٍ لا يحكم بالعقل بل بالغريزة، ولا يقود بالعدل بل بالخوف. كان الحجّاج يرى السلطة قدراً إلهياً له، ويرى الناس وقوداً لبقائها. لم يكن يسمع أنين المظلوم، لأنّ في أذنه صليل السيوف، ولم يكن يبصر دموع الثكالى، لأنّ بصره مشدود إلى العرش.
حُكي أنّه كان إذا ذُكر له رجلٌ من شيعة عليٍّ عليه السلام، تغيّر لونه، وكأنّ في الاسم وحده تهديداً لعرشه. فكم من محبٍّ لأهل البيت طورد، وكم من لسانٍ صادق قُطع، وكم من قلبٍ ولائيٍّ أُخمد في السجون. لم تكن جريمة الرجل أنّه عارض، بل أنّه أحبّ الحق وأهله. وكان ذلك، في عرف الحجّاج، ذنباً لا يُغتفر.
سجونه لم تكن جدراناً وأقفالاً، بل كانت امتحاناً قاسياً للإنسانية. يُروى أنّ الداخل إليها ينسى طعم الضوء، وأنّ الخارج – إن خرج – لا يخرج كما دخل. أجسادٌ واهنة، وعيونٌ غائرة، وأرواحٌ تتعلّق بخيط الدعاء. هناك، كان السجّان أقرب إلى الموت من الطبيب، وكان الصمت لغة النجاة.
ولم يكن القتل عنده استثناءً، بل سياسة. يقتل ليُرهب، ويرهب ليحكم، ويحكم ليقتل أكثر. حتى امتلأت الأرض من حوله بالدماء، وكأنّها تشكو إلى السماء.
ثم جاء يومه… ذلك اليوم الذي لا ينفع فيه سلطان ولا سيف. مرض الحجّاج، وذبل جسده كما تذبل الورقة إذا انقطع عنها الماء. قيل إنّه كان يهذي في فراشه، يرى وجوهاً لم تعد في الدنيا، ويسمع أصواتاً كان يظنّها قد صمتت إلى الأبد. كان يصرخ، لا من ألم المرض، بل من ثقل ما حمله من دماء. وكأنّ العدالة الإلهية أرادت أن تقتصّ منه قبل أن يغادر، فذاق طعم الخوف الذي أذاقه الناس سنين طويلة.
ورغم كلّ ذلك، يخرج علينا في هذا العصر من يلمّع صورته، ويغفر له جرائمه باسم الدولة والنظام والحزم. يتناسون أنّ أهل البيت عليهم السلام علّموا الناس أنّ الحكم أمانة لا غنيمة، وأنّ العدل أساس الملك، وأنّ القوة إذا انفصلت عن القيم صارت طغياناً، مهما لبست من أثواب السياسة.
إنّ الحجّاج، ليس والياً ناجحاً ولا رجل دولة، بل مثالاً حيّاً على انحراف السلطة حين تُفصل عن الأخلاق، وحين يُستبدل الحقّ بالخوف، والإنسان بالأداة.

اعضاء معجبون بهذا

حيدر السلامي في ذكراه الأولى (عام على الرحيل... وذاكرة لا تغيب)
بقلم الكاتب : زيد علي كريم الكفلي
زيد علي كريم /الكفل تمر علينا هذه الأيام الذكرى الأولى على فقدان كنز عراقي غادرنا حيدر السلامي يوم 2 سبتمبر 2025 بعد معاناة طويلة مع المرض تاركا خلفه سيرة حافلة بالأبداع والعطاء. كان رحيله موجعا لأصدقائه ومحبيه وكل من عرفه، استعادوا في ذكراه الأولى ملامح شخصيته وقد كتب الأديب حيدر عاشور في رثائه: «عام مر... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ يومين
2026/09/22
عندما نسمع كلمة القسطرة قد نعتقد أن الأمر يقتصر على فتح شريان مغلق، لكن الحقيقة أن...
منذ 4 ايام
2026/09/20
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وسبعة عشر: الهندسة غير الإقليدية: من سطح...
منذ 4 ايام
2026/09/20
مع حلول الثالث من الشهر الجاري (آب 2026)، يتجدد قلق الشارع العراقي وشريحة الموظفين...