بسم الله الرحمن الرحيم
عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "عليكم بمكارم الأخلاق فإن الله عز وجل بعثني بها"١، وعنه صلى الله عليه وآله وسلم: "إنما بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق"٢، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: "أكثر ما تلج به أمتي الجنة تقوى الله وحسن الخلق"٣.
حتى أنه صلى الله عليه وآله وسلم جعل الدين مساوقاً لحسن الخلق، فقد جاءه يوماً رجلٌ يسأله ما الدين؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم له: "حسن الخلق"٤.
من هنا يتحتّم على كل عاقلٍ أن يجتهد في اكتساب فضائل الأخلاق ويجتنب رذائلها. ومن هنا أيضاً كان التأكيد على مسألة تهذيب النفس وتطهيرها، والتي تعني تخلية النفس من الصفات الرذيلة وتحليتها بالصفات والأخلاق الحميدة والفاضلة، لأنها ضمانة العمل الصالح الذي هو بدوره ضمانة الحياة الأخروية السعيدة.
إذاً، فسالك طريق الآخرة بحاجةٍ إلى معرفة أخلاقه وتهذيبها، لكيلا يوصله عمله المتولّد منها إلى سوء العاقبة. لأن الرذائل الأخلاقية كالحسد والغضب والعجب وغيرها ليست كالشبهات الفكرية التي تزول بمجرد المعرفة، بل هي صفاتٌ نفسانية ترسخ في النفس إلى درجةٍ تحتاج إلى جهدٍ متكرر وعملٍ شاق لكي تخرج منها، وهذا ما يعبّر عنه بالمجاهدة والرياضة.
قال العلامة حسن زادة آملي: "ليس للإنسان عمل أهمّ من بناء الذات. ولبناء كلّ شيء لوازمُ بحسبه؛ فالحائط يحتاج إلى الحجارة والطين. والإنسان إلى العلم والعمل. وما لم يصل الإنسان إلى لقاء الله فهو لم ينل كماله المطلوب. ومعنى لقاء الله اتّصاف الإنسان بالأوصاف الإلهية وعدم تعلّقه بالخلق"5.
البرنامج العبادي
تُعدّ الصلاة، التي هي عمود الدين، أفضل وأمتن برنامج لبناء الإنسان، فالصلاة تصيّره كالملائكة، لأنّ المصلّي يتطهّر من كلّ الذنوب، فكلّ من كان مصليّاً فهو، حُكماً، طاهر الأخلاق، حَسَن الأفعال والأقوال، ويتجنّب اللّغو والكسل والأخلاق الرذيلة.
وبرنامج الإنسان العباديّ، لا يعدو القرآن الكريم وسنّة الرسول الخاتَم وأهل بيته عليهم السلام، وكلّ ما عدا ذلك، فهو الهوى والهوس.
وإذا كنت تريد برنامجاً للعبادة، فتدبّر قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾6.
وعليك:
1- بالصّمت: قال صلى الله عليه وآله وسلم: "واحفظوا ألسنتكم، وغضّوا عمّا لا يحلّ النّظر إليه أبصاركم، وعما لا يحلّ الاستماع إليه أسماعكم"7، وجاء في رسالة الحقوق: "وأمّا حقّ اللسان فإكرامه عن الخنى وتعويده على الخير وحمله على الأدب وإجمامه إلا لموضع الحاجة والمنفعة للدين والدنيا وإعفاؤه عن الفضول الشنعة القليلة الفائدة التي لايؤمن ضررها مع قلّة عائدتها، ويعد شاهد العقل والدليل عليه وتزين العاقل بعقله حسن سيرته في لسانه ولا قوة إلا بالله العلي العظيم"8.
والإجمام: معناه الإراحة والإمساك، أي إراحة اللسان وتقليل الكلام وإبقاؤه صامتاً.
والمعنى المراد: أن يمسك الإنسان لسانه عن الكلام والحديث، ولا يطلقه إلا في حاجة حقيقية تعود بالمنفعة والخير في أمور الدين أو الدنيا، وليكن الصمت هو الغالب وطابع الإنسان العام، فلا يتكلم فضولاً فيما لا يعنيه أو فيما لا نفع فيه.
2- والتقليل من الطعام، عن رسول الله (صلى الله عليه وآله): (من قل طعامه صح بطنه وصفا قلبه، ومن كثر طعامه سقم بطنه وقسا قلبه)9.
وعن الإمام الصادق (عليه السلام): (ليس شيء أضر لقلب المؤمن من كثرة الأكل، وهي مورثة شيئين: قسوة القلب وهيجان الشهوة)10.
3- والسّهر: فلْيَنم ستّ ساعات في اليوم والليلة، وعليه بقيام اللّيل، ولا يفوّت الخلوة في اللّيل، ولْيُناجي الله صادقاً: «إلهي أتيتك حتّى تجعلني فائزاً ومفلحاً». ويطرق باب التوسّل بالنبيّ وآله الأطهار، بإخلاص، لأنهم وسطاء فيض الحقّ.
4- وإدامة الذكر: القاعدة في العناوين الأربعة المتقدّمة أن خير الأمور أوسطها، وأمّا هذا الخامس، فطُوبى للّذين يداومون عليه: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾11.
5- وعليه بالمداومة على الذّكر اليونسيّ، ﴿.. لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾12، في السجود، وعدم إهماله ليلاً ولا نهاراً، وأقلّه أربعمائة مرة.
وبالجملة: عليك أن يكون كلامك وطعامك ونومك بقدر الضرورة: ﴿يَا بَنِي آَدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾13. وجدّد العهد مع القرآن المجيد «عهدِ الله» في كلّ يوم، ولْتكُن نيّتك عند تلاوة القرآن، إهداء ثوابها لخاتَم الأنبياء صلوات الله عليه وآله الطيّبين الطاهرين.
الهوامش
1- بحار الأنوار، ج 69، ص 375.
2- مستدرك الوسائل، ج2، ص 282.
3- الكافي، ج2، ص 100.
4- بحار الأنوار، ج 68، ص 393.
5- نور العرفاء، ص233.
6- سورة الإسراء - الآية 79.
7- وسائل الشيعة - ط الإسلامية، ج 7، ص 227.
8- بحار الأنوار - ط مؤسسة الوفاء، ج 74، ص 11.
9- ميزان الحكمة - ط دار الحديث، ج 1، ص 88.
10- نفس المصدر السابق.
11- سورة آل عمران - الآية 191.
12- سورة الأنبياء الآية 87.
13- سورة الأعراف الآية 31.







د.فاضل حسن شريف
منذ ساعتين
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)
قسم الشؤون الفكرية يصدر مجموعة قصصية بعنوان (قلوب بلا مأوى)
EN