0

بمختلف الألوان
لقد عاش السواد الأعظم من الأجيال السابقة بمهارات محدودة-تبعاً لمحدودية أدواتهم-لكنها مكنتهم من الوصول الى خط النهاية بسلام وأمان. أما الألفية الثالثة فقد فرضت على جيلها ضرورة امتلاك سلة (كاملة) من المهارات. كمهارة التعلم والابتكار، ومهارة الثقافة المعلوماتية والإعلامية والتكنلوجية، ومن أبرزها... المزيد


مرحبا بكَ زائرنا العزيز
نتمنى أن تكون في تمام الصحة والعافية

تحذير! هل انت متأكد من حذف هذا المقال مع الردود عليه ؟
سلسلة مفاهيم في الفيزياء (ج119): السقوط الحر ومقياس التسارع: لماذا تجاوز أينشتاين تفسير نيوتن؟

منذ 1 ساعة
في 2026/10/06م
عدد المشاهدات :23
سلسلة مفاهيم في الفيزياء
الجزء مائة وتسعة عشر: السقوط الحر ومقياس التسارع: لماذا تجاوز أينشتاين تفسير نيوتن؟
الأستاذ الدكتور نوري حسين نور الهاشمي
05/10/2026
دعونا نرَ كيف يمكن فهم تجربة غاليليو في إطار الفيزياء النيوتنية.
يقف غاليليو على قمة البرج ممسكًا بكرتين مختلفتين في الكتلة. تؤثر الجاذبية فيه وفي الكرتين باتجاه الأرض. لكن غاليليو، ما دام واقفًا على البرج، لا يسقط؛ لأن سطح البرج يؤثر في قدميه بقوة داعمة إلى الأعلى تمنعه من السقوط.
وهكذا تكون القوة التي يمارسها البرج عليه معاكسة لتأثير الجاذبية، فيبقى ساكنًا بالنسبة إلى البرج.
أما عندما يترك الكرتين، فإن القوة الداعمة التي كانت تمسكهما تختفي، وتصبح الجاذبية ــ إذا أهملنا مقاومة الهواء ــ هي التأثير الوحيد الذي يحدد حركتهما.
الكرة الأثقل تتعرض لقوة جاذبية أكبر من الكرة الأخف، لكن كتلتها القصورية، أي مقاومتها للتسارع، أكبر بالنسبة نفسها.
وهنا تظهر النتيجة التي ناقشناها في الجزء السابق:
زيادة قوة الجاذبية يقابلها ازدياد مماثل في القصور الذاتي، ولذلك تكتسب الكرتان التسارع نفسه وتسقطان معًا.
لا توجد مشكلة تجريبية في هذا التفسير النيوتني لمبدأ التكافؤ الضعيف. فهو يفسر بصورة صحيحة لماذا تسقط الأجسام المختلفة بالمعدل نفسه عندما تكون الجاذبية هي التأثير الوحيد المهم.
لكن أينشتاين رأى في هذه الظاهرة شيئًا أعمق.
ولفهم سبب عدم اكتفائه بالتفسير النيوتني، علينا أن نعود قليلًا إلى ما تعلمناه سابقًا عن دلو نيوتن والكرات الدوارة.
في التصور النيوتني، يرتبط التسارع بتغير الحركة بالنسبة إلى البنية المطلقة للمكان والزمان. وإذا تعرض جسم لقوة صافية، فإن مساره يتغير عن الحركة القصورية التي كان سيتبعها في غياب هذه القوة.
وفي كثير من الحالات نستطيع أن نرى مصدر القوة التي تسبب هذا التسارع.
فعندما ندير الكرات المربوطة بخيط، يظهر الشد في الخيط. وإذا قطعنا الخيط تغيرت حركة الكرات.
وهكذا يمكن أن يظهر التسارع من خلال تأثيرات فيزيائية داخل الجسم نفسه.
ومن هنا يمكننا بناء جهاز يكشف التسارع.
لنتخيل أن لدينا أنبوبًا مغلقًا بداخله ثقل صغير يستطيع التحرك على امتداد الأنبوب، وقد رُبط هذا الثقل بنابضين، أحدهما إلى مقدمة الأنبوب والآخر إلى مؤخرته.
إذا كان الجهاز يتحرك حركة منتظمة، ولم تؤثر فيه قوة تسبب تسارعه، يبقى الثقل في موضع التوازن، فلا نجد تشوهًا إضافيًا في أحد النابضين يدل على وجود تسارع.
لكن ضع الجهاز داخل سيارة بحيث يكون الأنبوب في اتجاه حركة السيارة، ثم اضغط على دواسة الوقود.
تبدأ السيارة بالتسارع إلى الأمام.
غلاف الجهاز يتحرك مع السيارة، بينما يميل الثقل في داخله، بسبب قصوره الذاتي، إلى المحافظة على حالته الحركية السابقة. ولذلك يبدو بالنسبة إلى السيارة وكأنه يتحرك إلى الخلف داخل الأنبوب.
يتمدد أحد النابضين وينضغط الآخر، وتنشأ عن ذلك قوة تدفع الثقل إلى الأمام حتى يكتسب التسارع نفسه الذي تكتسبه السيارة.
ومن مقدار تشوه النابضين يمكننا معرفة مقدار التسارع.
وهكذا أصبح لدينا مقياس تسارع.
والمهم هنا أن هذا الجهاز لا يحتاج إلى النظر إلى الطريق، ولا إلى النجوم، ولا إلى جسم خارجي لمعرفة أن السيارة تتسارع.
إنه يكتشف التسارع من داخله.
فالشد والضغط اللذان يظهران في النوابض يمثلان أثرًا فيزيائيًا محليًا للتسارع.
وهذا يعيدنا إلى الفكرة التي ناقشناها سابقًا عند الحديث عن "الصدمة" المصاحبة للانتقال من حالة حركة منتظمة إلى حالة حركة متسارعة: التسارع ليس مجرد تغير نراه بمقارنة جسم بجسم آخر، بل يمكن أن يترك آثارًا فيزيائية قابلة للقياس داخل الجسم المتسارع نفسه.
والآن لنعد إلى غاليليو فوق البرج.
لنفترض أنه يحمل مقياس التسارع نفسه، ولكن هذه المرة يوجه الأنبوب رأسيًا.
ماذا سيحدث؟
غاليليو واقف على البرج ولا يسقط.
لكن الثقل الموجود داخل الجهاز يتأثر بالجاذبية، فيميل إلى السقوط إلى الأسفل. ولمنعه من السقوط بالنسبة إلى غلاف الجهاز، يجب أن تؤثر النوابض فيه بقوة إلى الأعلى.
لذلك تخرج النوابض عن حالة التوازن التي كانت عليها، ويسجل الجهاز قراءة.
وهنا تظهر المفارقة.
غاليليو واقف ساكنًا على قمة البرج، ومع ذلك مقياس التسارع الذي يحمله يعطي قراءة غير صفرية.
فماذا تعني هذه القراءة؟
في الوصف النيوتني يمكن القول إن الجاذبية تسحب الثقل الموجود داخل الجهاز إلى الأسفل، بينما تمنعه النوابض من السقوط. لذلك لا ينبغي تفسير تشوه النوابض بالطريقة نفسها التي فسرنا بها تشوهها في السيارة المتسارعة.
أي إن الجهاز، وفق هذا التصور، لا يستطيع بمفرده التمييز بين تأثير التسارع الناتج من دفع السيارة وتأثير قوة الجاذبية في الثقل الموجود داخله.
لكن لنقم الآن بتجربة أكثر إثارة.
ماذا يحدث إذا ترك غاليليو مقياس التسارع نفسه يسقط من أعلى البرج؟
بمجرد سقوط الجهاز، يبدأ غلافه والثقل الموجود داخله بالسقوط معًا.
وبفضل مبدأ التكافؤ الضعيف، يتسارع غلاف الجهاز والثقل الداخلي بالمعدل نفسه تحت تأثير الجاذبية.
لذلك لا يحتاج النابضان إلى شد الثقل أو دفعه لكي يحافظ على موضعه بالنسبة إلى غلاف الجهاز.
فيعودان إلى حالتهما الطبيعية.
وتصبح قراءة مقياس التسارع صفرًا.
وهنا نواجه نتيجة شديدة الغرابة إذا بقينا أسرى الحدس النيوتني البسيط.
الجهاز الذي يسقط نحو الأرض بسرعة متزايدة يعطي قراءة صفرية.
أما الجهاز الذي نضعه ساكنًا فوق البرج فيعطي قراءة غير صفرية.
أي إن مقياس التسارع يقول لنا شيئًا يبدو، للوهلة الأولى، معاكسًا لما تخبرنا به أعيننا.
نحن ننظر إلى غاليليو فوق البرج ونقول: إنه ساكن.
وننظر إلى الجهاز الساقط ونقول: إنه يتسارع نحو الأرض.
لكن مقياس التسارع يقول:
الجهاز الذي تحمله وأنت واقف على البرج يسجل تسارعًا، أما الجهاز الذي تركته يسقط سقوطًا حرًا فلا يسجل شيئًا.
وهذه ليست مشكلة في الجهاز.
وليست خطأ في تصميمه.
وليست نتيجة عرضية.
بل إنها نتيجة مباشرة للطابع الكوني للسقوط الحر الذي تحدثنا عنه في الجزء السابق.
فجميع أجزاء الجهاز تسقط بالطريقة نفسها تقريبًا، ولذلك تختفي داخله آثار القوة التي كان الجهاز يستخدمها للكشف عن التسارع.
ولو كان غاليليو نفسه داخل صندوق مغلق يسقط سقوطًا حرًا، ومعه مقياس التسارع هذا، فسوف يجد أن الجهاز يعطي قراءة صفرية.
ولو ترك جسمًا صغيرًا من يده داخل الصندوق، فلن يراه يندفع نحو أرضية الصندوق بالطريقة التي يراه بها عندما يكون واقفًا على الأرض؛ بل سيبقى الجسم إلى جواره في حالة سقوط حر مماثلة، مع إهمال الفروق الصغيرة الناتجة من عدم تجانس مجال الجاذبية.
ومن داخل صندوق صغير بما يكفي، ولمدة قصيرة بما يكفي، ستبدو الفيزياء كما لو أن الجاذبية قد اختفت.
وهنا يبدأ السؤال الذي لم يكتفِ أينشتاين بالإجابة النيوتنية عنه:
لماذا يستطيع السقوط الحر أن يمحو محليًا آثار الجاذبية بهذه الصورة؟
إذا كانت الجاذبية قوة مثل بقية القوى، فلماذا توجد حالة حركة يمكن فيها لجميع الأجسام الموجودة في منطقة صغيرة أن تسقط معًا بحيث تختفي آثار هذه القوة محليًا؟
ولماذا يعطي مقياس التسارع قراءة صفرية أثناء السقوط الحر، بينما يعطي قراءة عندما نقف على سطح الأرض؟
ربما كانت المشكلة، إذن، ليست في مقياس التسارع.
وربما كان علينا أن نعيد التفكير في معنى التسارع نفسه.
وهنا تبدأ الخطوة التي ستقود أينشتاين إلى واحدة من أعمق أفكار النسبية العامة:
قد لا يكون الجسم الساقط سقوطًا حرًا هو الجسم الذي ينبغي أن نعده متسارعًا بالمعنى الفيزيائي المحلي، وقد يكون الجسم الذي تمنعه الأرض من السقوط هو الذي يتعرض بالفعل لتسارع يكشفه مقياس التسارع.
وهذه الفكرة تقلب الصورة النيوتنية المألوفة رأسًا على عقب.
فبدل أن نسأل فقط: ما القوة التي تجعل الحجر يسقط؟
سنبدأ بالسؤال:
ماذا لو كان السقوط الحر نفسه هو الحركة الطبيعية، وكان منع الجسم من السقوط هو الذي يحتاج إلى قوة؟
من هذا السؤال ستبدأ الخطوة التالية في طريقنا نحو مبدأ التكافؤ عند أينشتاين، ثم نحو الفكرة الأعمق التي تربط الجاذبية بهندسة الزمكان.
نتابع في الجزء المائة والعشرين…

اعضاء معجبون بهذا

موعد مع وحدة الهدف: العراق هَمُّنا
بقلم الكاتب : حيدر حسين سويري
يقضي الإنسانُ لياليًّ وأياماً، ساهراً مكباً، يخططُ القيام بعمل ما، أو الإقدام على الدخول في مشروعٍ مُعيَّن، تتزاحم الأفكار حتى يفقد الوعي، ويقع تحت سطوة الإعياء، فتتناثر الخطط وكأن شيئاً لم يكن، حينها وفي فجوةٍ من فجوات زمن اللا تفكير، تلعب الأقدار لعبتها معه. على حين غُرةً، تجري الرياح بما... المزيد
المزيد من المقالات الإجتماعية

المزيد من المقالات الثقافية

شعّت الأكوان مُذ بانَ الحَسَن وأُزيحَ الهـــمّ منهــــا والشَّــــجَن ... المزيد
كانت غرفته في الفندق تشبه عمرًا منسيًا؛ جدران باهتة، أثاث متهالك، سرير يئنّ كلما... المزيد
لم يرغبوا في إيقاظها اليوم كما أشار عليهم خالهم، علّها تستغرق في النوم كي ترتاح... المزيد
في غياهبِ تلكَ الناحيةِ العتيقة، كان يربضُ "البيتُ العظيم"؛ صرحٌ باذخٌ يمتدُّ على... المزيد
لم يكن السكون في تلك الغرفة الخشبية الضيقة هدوءًا عاديًا، بل كان وزنًا هائلًا... المزيد
قالَ له: - لماذا لا تحضر مجالس الإمام الحسين عليه السلام .. لقد ذُكـرت في المحاضرة... المزيد
في آخر الزقاق، حيث تنتهي أصوات الدنيا وتتلاشى، كان منزل سليم واقفًا كجلمود صخر، يتقشّر...
على مقعد خشبّي عتيق في زاوية مخفية من "مقهى الأسطورة"، جلس الأربعيني يلوذ بصمتِ الجدران. كان...
الواحد هو مفتتح العدد (واحد، اثنان، ثلاثة)، ويدل على التفرّد مع إمكانية وجود ثانٍ من جنسه...
كانت شوارع بغداد تتلوى، تلفظ زفيرها الساخن تحت سياط تموز الذي استحال ذلك العام سوطاً من غيظ....


منذ 1 ساعة
2026/10/06
الأرق ليس مجرد عدم القدرة على النوم، بل هو حالة تتداخل فيها الكيمياء العصبية مع...
منذ 1 اسبوع
2026/09/28
سلسلة مفاهيم في الفيزياء الجزء مائة وثمانية عشر: مبدأ التكافؤ الضعيف: من سقوط...
منذ اسبوعين
2026/09/23
تخوض البنوك المركزية حول العالم واحدة من أعقد اختبارات السياسة النقدية منذ عقود،...