

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

مقالات متفرقة في علم الحديث

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة


علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

مقالات متفرقة في علم الرجال

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الائمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري
معنى روايات العرض ومراد الشارع المقدّس منها مع أمثلة تطبيقيّة وأمور مرتبطة بها
المؤلف:
السيد علي حسن مطر الهاشمي
المصدر:
منهج نقد المتن في تصحيح الروايات وتضعيفها
الجزء والصفحة:
ص 111 ــ 144
2026-03-25
21
المرحلة الثالثة: بيان معنى روايات العرض ومراد الشارع بها
بعد أن أثبتنا فيما تقدّم صحّة روايات العرض على الكتاب؛ لتواترها وكونها سنّة جامعة للاتفاق على نقلها في المصادر الحديثيّة لجميع المسلمين ولوجود شاهد عليها من القرآن الكريم وأنّها تؤسّس قاعدة شرعيّة لنقد متون الروايات التي ينقلها الرواة عن المعصومين (عليهم السلام) تؤدّي الى العلم بصدورها عنهم واقعا أو عدم صدورها نعطف الكلام على مفاد هذه الروايات وتحديد مراد الشارع بها بيبان معنى المخالفة والموافقة المذكورتين فيها.
أمّا الموافقة: فليس المراد بها خصوص المطابقة التامّة لمدلول آيات الكتاب وإنّما المراد بها: عدم المنافاة التامة وعدم المعارضة المستقرة لما هو ثابت في الكتاب والسنة المعلومة الصدور.
والدليل على ذلك: أنّ إرادة المطابقة التامة تقتضي الغاء حجية السنة بوصفها مصدرا ثانيا الى جانب القرآن الكريم في مجال التشريع وحصر وظيفتها في مجرد تأكيد ما هو وارد في آيات الكتاب وهذا منافٍ لأمر الشارع المقدّس باتخاذ أحاديث النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) مصدرا للأحكام الشرعيّة كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: 7]، وكقول الرسول (صلى الله عليه وآله): "ألا وإنّي أوتيت القرآن ومثله معه" (1).
كما أنّه منافٍ لما استقرّت عليه سيرة علماء المسلمين جميعا من التعامل مع الأحاديث لما استقرّت عليه سيرة علماء المسلمين جميعا من التعامل مع الأحاديث الشريفة بوصفها مصدرا لتشريعات مستقلة لم ترد في القرآن الكريم مضافا الى وظيفتها في تخصيص عمومات الكتاب وتقييد مطلقاته وتفصيل ما ورد فيه من أحكام مجملة.
وأمّا المخالفة: فالمراد بها: المنافاة والمعارضة المستقرة بين الكلامين.
فإذا عارض مدلول الكلام المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) مدلول آية قرآنية أو مدلول حديث معلوم الصدور كان ذلك دليلا على عدم صدور المروي عنه (صلى الله عليه وآله) ذلك أن آيات الكتاب والسنة الواقعية كلتاهما وحي الهي صادر عن الله (عزّ وجلّ) ومبلغ من قبل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ومن المستحيل أن يقع التنافي والتعارض في كلام الشارع المقدس؛ لأنّه منافٍ للعلم والحكمة وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا ﴾ [النساء: 82] وورد في الحديث عن الإمام الباقر (عليه السلام): "أبى الله (عزّ وجلّ) أن يكون في حكمه اختلاف أو بين أهل علمه تناقض"(2)، فجعل وجود الاختلاف والتنافي في الكلام كاشفا عن صدوره عن غير (عزّ وجلّ) ودليلا على عدم صدوره عنه.
وبعبارة أخرى: لمّا كان كتاب الله قطعي الصدور عنه سبحانه كان ما ينافيه ويعارضه من أخبار الآحاد التي ينقلها الرواة عن النبي (صلى الله عليه وآله) مردودا للعلم بعدم صدوره واقعا عنه (صلى الله عليه وآله)؛ لأنّ مصدر السنّة الواقعيّة ومصدر القرآن واحد وهو الوحي الإلهيّ ومن غير المعقول أن يقع التنافي في كلام الله (عزّ وجلّ). وعليه فاذا لم يكن الحديث المروي منافيا ومعارضا للكتاب ولا للسنّة المعلومة الصدور فإنّه لا يعد مخالفا بل يكون موافقا لهما فيكون حجّة يجب العمل بمقتضاها.
وهذا كما يشمل السنّة المؤكّدة لآيات الكتاب والمفسّرة لها يشمل أيضا الأحاديث المخصّصة والمقيّدة للكتاب ذلك أن العرف اللغويّ والمتشرّعيّ لا يرى منافاة ولا معارضة بين الدليل الخاص والدليل العام ولا بين المطلق والمقيد وإنّما يرى الثاني مبينا للأوّل، فيحمل العام على الخاص والمطلق على المقيّد.
وعلى هذا تحتفظ السنّة بمكانتها من الكتاب بوصفها مفسّرة لمجملاته، ومخصّصة لعموماته، كما تحتفظ بوظيفتها في التشريع المستقل إلى جانب القرآن الكريم.
وممّا يؤّكد أنّ المراد بـ(المخالف) في لسان (روايات العرض) هـو خـصـوص المنافي والمعارض ما تقدّم من كلام الإمام الرضا (عليه السلام) وقد تنازع عنده قوم من أصحابه "في الحديثين المختلفين عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الشيء الواحد، فقال (عليه السلام): إنّ الله (عزّ وجلّ) حرّم حراماً، وأحل حلالاً، وفرض فرائض، فما جاء في تحليل ما حرّم الله، أو تحريم ما أحلّ الله، أو رفع فريضة في كتاب الله رسمها بين قائم بلا ناسخ نسخ ذلك، فذلك ما لا يسع الأخذ به؛ لأنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يكن ليحرّم مـا أحــلّ الله، ولا ليحلّل ما حرّم الله، ولا ليغيّر فرائض الله وأحكامه" (3).
وقد استعملت كلمة (المخالف) لدى الفقهاء في المنافي والمعارض خاصّة، دون المبيّن للكتاب أو المستقل بالتشريع.
ومن موارد ذلك:
قول الشافعي: "لم تكن السُنّة لتخالف كتاب الله، ولا تكون السُنّة إلا تبعاً لكتاب الله، بمثل تنزيله، أو مبيّنة معنی ما أراد الله، فهي بكلّ حال متّبعة كتاب الله" (4).
فقوله: (بمثل تنزيله) يريد به السنّة المؤكّدة لما هو مشرع بنصّ الكتاب وقوله: (أو مبيّنة) معنى ما أراد الله يريد به السنّة المخصّصة أو المقيّدة أو المفصّلة لما جاء في الكتاب. وقال في موضع آخر: "إنّ سنّة رسول الله لا تكون مخالفة لكتاب الله بحال ولكنّها مبيّنة عامّة وخاصّة" (5).
وبقرينة مقابلة (المخالف) في كلامه للمماثل والمبيّن للكتاب يتعيّن أن المراد بـ(المخالف): خصوص المنافي والمعارض.
وقال علاء الدين البخاري: "إنّ المراد من قوله: (وما خالف فردّوه) عند التعارض فإنّه يعمل بما في كتاب الله ولا يجوز ترك ما هو ثابت في كتاب الله تعالى نصًّا عند التعارض" (6).
وقال المحقّق الميرداماد في بيان معنى حديث العرض على كتاب الله تعالى: "معناه: إذا تعارضت الروايات المختلفة في أمرٍ عّنا أهل البيت... فاعرضوها على كتاب الله، فما وافقه فاستمسكوا به، وما خالفه بحيث لا يمكن التوفيق فردّوه، لا أنّه إذا وردت رواية صحيحة معتبرة عنهم (عليهم السلام) توجب تخصيص ظاهر القرآن الكريم كما في حرمان الزوجة غير ذات الولد من أن ترث زوجها في رقبة الأرض عينا مثلا لم يصحّ العمل بها.
وكذا القول فيما يروى عن النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله: "إذا رويتم عنّي حديثا فاعرضوه على كتاب الله، فإن وافق فاقبلوه وان خالف فردّوه" (7).
هذا مع ملاحظة أنّ صحّة الرواية بمعنى العلم بصدورها تثبت بعدم منافاتها لمحكم الكتاب والسنّة ولا تتوقّف على صحّة سندها بمعنى وثاقة رواتها والرواية المخصّصة من هذا القبيل فلا يتوقّف قبولها على إثبات صحّة سندها سابقًا.
++++++++++++++
المرحلة الرابعة: أمثلة تطبيقيّة لقاعدة العرض على الكتاب
المثال الأول الحديث الذي رواه الخليفة الأوّل عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: نحن معاشر الأنبياء لا نورث (8).
وقد استدلّ به لإثبات مشروعيّة مصادرته لـ(فدك) من بضعة النبي الأكرم السيّدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، فما كان منها إلا أن حاكمته إلى القرآن الكريم بقولها: "أعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم؛ إذ يقول: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: 16]، وقال فيما اقتصّ من خبر زكريا (عليه السلام): ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ [مريم: 5-6]" (9).
فقد أراد أبو بكر تخصيص عمومات الإرث بهذا الحديث، وهو صالح لذلك لو بقينا نحن وهذه العمومات، إلّا أنّ الزهراء (عليها السلام) احتجّت عليه بوجود آيتين كريمتين تنصّان على توريث الأنبياء (عليهم السلام) وأنّ النسبة بين هاتين الآيتين وبين ما ذكره من الحديث هي التنافي ممّا يقتضي العلم بعدم صدور الحديث (10).
وقد حاول بعضهم تصحيح دعوى أبي بكر، بأنّه لا منافاة بين ما نسب إلى النبي (صلى الله عليه وآله) من قوله: (نحن معاشر الأنبياء لا نورث) وبين الآيتين المذكورتين، بادّعاء أنّ الحديث ناظر إلى وراثة المال، وأمّا الآيتان فهما ناظرتان إلى وراثة العلم والنبوة (11).
ولكنها محاولة غير موفّقة؛ إذ يرد عليها أنّ ما حكاه الله تعالى من قول زكريا (عليه السلام) [في الآيتين الكريمتين] يُرَاد به وراثة المال، لا العلم ولا النبوة؛ لأنّ لفظ الميراث في اللغة والشريعة لا يطلق إلا على ما ينتقل من الموروث إلى الوارث كالأموال، ولا يستعمل في غـيـر الـمـال إلّا عـلـى طـريق المجاز والتوسّع، ولا يعدل عن الحقيقة إلى المجاز بغير دلالة.
وأيضاً فإنّ زكريا (عليه السلام) قال في دعائه: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا﴾ أي: اجعل يا ربّ، ذلك الولي الذي يرثني مرضيّاً عندك، ممتثلاً لأمرك، حملنا الإرث على النبوّة لم يكن لذلك معنى، وكان لغواً وعبثاً. ألا ترى أنّه لا أن يقول أحد: (اللهم ابعث لنا نبيّاً، واجعله يحسن عاقلاً مرضيّاً في أخلاقه)؛ لأنّه إذا كان نبيّاً فقد دخل الرضا وما هو أعظم من الرضا في النبوّة.
ويقوّي ما قلناه: أنّ زكريا (عليه السلام) صرّح بأنّه يخاف من بني عمّه بعده بقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ [مريم: 5] وإنّما يطلب وارثاً لأجل خوفه، ولا يليق خوفه منهم إلّا بالمال دون النبوّة والعلم؛ لأنّه (عليه السلام) كان أعلم بالله تعالى من أن يخاف أن يبعث نبيّاً من هو ليس بأهل للنبوّة، وأن يورث علمه وحكمته من ليس لهما بأهل (12).
ويستفاد من هذا المثال فائدتان:
أُولاهما: أنّ إبطال الزهراء (عليها السلام) لرواية عدم توريث الأنبياء بعرضها على الكتاب، يعتبر سُنّة عمليّة، تضاف إلى الأدلة القوليّة التي سبق الاستدلال بها على رواية العرض على الكتاب؛ وذلك لما ثبت من عصمة الزهراء (عليها السلام) بقوله تعالى في آية التطهير: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ [الأحزاب: 33] ممّا جعل أقوالها وأفعالها (عليها السلام) حجّة في إثبات الأحكام الشرعيّة.
والثانية: أنّه يقدّم دليلاً على حصول الوضع في مرحلة تاريخيّة متقدّمة على ما ذكروه من أنّه حدث بعد الفتنة أي: الثورة على عثمان التي انتهت بقتله كما نقل عن ابن سيرين أنّه قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد فلمّا وقعت الفتنة قالوا: سمّوا لنا رجالكم فينظر إلى أهل السنّة فيؤخذ حديثهم وينظر الى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم (13).
المثال الثاني: ما نقل عن عثمان من أنّه توضّأ في خلافته فغسل رجليه إلى الكعبين ثم قال: رأيت رسول الله توضّأ نحو وضوئي هذا ثم قال رسول الله: من توضأ نحو وضوئي هذا ثم قام فركع ركعتين لا يحدّث فيهما نفسه غفر له ما تقدّم من ذنبه (14).
وهذا الحديث منافٍ لما ورد في الكتاب الكريم من أنّ حكم الأرجل في الوضوء هو المسح قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: 6].
وقد اختلف القرّاء في قراءة (وأرجلكم) فقرأها بعضهم بكسر اللام وقرأها غيره بفتح اللام وهي على كلتا القراءتين توجب مسح الأرجل؛ أمّا على الكسر فبالعطف على (لفظ الرؤوس) وأمّا على الفتح فبالعطف على (محلّ الرؤوس) إلا أنّ المتابعين لعثمان حاولوا أن يصحّحوا روايته فذهبوا إلى أنّ حكم الأرجل هو الغسل وأنّها على قراءة الفتح معطوفة على الأيدي وأمّا كسرها فهو بسبب العطف على الجوار. ويتّضح بطلان هذا الكلام بنقل ما حقّقه الفخر الرازي في تفسيره لهذه الآية بقوله: "حجّة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله: (وأرجلكم). فنقول: أمّا القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرؤوس فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل. فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال هذا كسر على الجوار كما في قوله: (جحرُ ضبٍّ خربٍ) وقوله: (كبيرُ أناسٍ في بجادٍ مزمّلِ؟) قلنا: هذا بطل من وجوه: أوّلها: أنّ الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يحتمل لأجل الضرورة في الشعر وكلام الله يجب تنزيهه عنه. وثانيها: أنّ الكسر إنّما يصار اليه حيث يحصل الأمن من الالتباس كما في قوله: جحر ضب خرب فإنّ من المعلوم بالضرورة أنّ الخرب لا يكون نعتًا للضب بل للجحر وفي هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل. وثالثها: أنّ الكسر بالجوار إنّما يكون من دون حرف العطف وأمّا مع حرف العطف فلم تتكلّم به العرب. وأمّا القراءة بالنصب فقالوا أيضا إنّها توجب المسح؛ وذلك لأنّ قوله: {وَٱمۡسَحُواْ بِرُؤوسِكُمۡ} في محلّ النصب ولكنّها مجرورة بالباء فإذا عطفت الأرجل على الرؤوس جاز في الأرجل النصب عطفا على محلّ الرؤوس والجر عطفا على الظاهر وهذا مذهب مشهور للنحاة.
إذ ثبت هذا فنقول: ظهر أنّه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله (وأرجلكم) هو قوله: (وامسحوا) ويجوز أن يكون هو قوله: (فاغسلوا) لكن العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى فوجب أن يكون عامل النصب في قوله (وأرجلكم) هو قوله: (وامسحوا) فثبت أنّ قراءة (وأرجلكم) بنصب اللام توجب المسح أيضا. فهذا وجه الاستدلال بهذه الآية على وجوب المسح.
ثم قالوا: ولا يجوز دفع ذلك بالأخبار؛ لأنّها بأسرها من باب الآحاد ونسخ القرآن بخبر الواحد لا يجوز" (15).
ويلاحظ: أنّ الزمخشري سلّم أنّ قراءة الجر تلزمه أن يقول بوجوب المسح فحاول التخلّص منه بقوله: "فإن قلت: فما تصنع بقراءة الجر ودخولها في حكم المسح؟ قلت: الأرجل من بين الأعضاء الثلاثة المغسولة تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنّة للإسراف المذموم المنهي عنه فعطفت على الثالث (الرؤوس) الممسوح لا لتمسح ولكن لينبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء عليها" (16).
وهو كما ترى تعليل تبرّعي يرفضه الذوق العرفيّ واللغويّ ومن الغريب صدوره عن مثله.
وقد لوحظ عليه: "أنّ الوجوه والأيدي مظنّة للإسراف المذموم (أيضا) مثل الأرجل فلماذا نبّه على وجوب الاقتصاد في صبّ الماء في خصوص الأرجل دون غيرها مع كون الجميع مظنّة للإسراف في صب الماء؟!" (17).
المثال الثالث: رواية أبي أمامة أو عمر بن خارجة أنّه سمع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول في خطبته في حجّة الوداع: إنّ الله قد أعطى كلّ ذي حقّ حقّه فلا وصيّة لوارث (18).
وهذا الحديث مروي بطريق آخر عن ابن خارجة بنصّ يعارضه وفيه: خطبنا رسول الله بمنى فقال: إنّ الله قد قسم لكلّ إنسان نصيبه من الميراث فلا يجوز لوارث وصيّة إلا من الثلث (19).
وهذا النصّ موافق لما تواتر عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) من جواز الوصيّة للوارث وقد أورد صاحب الوسائل ثلاثة عشر حديثا تصرّح بجواز الوصيّة للوارث (20).
منها: رواية محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الوصيّة للوارث، فقال: "تجوز" قال: ثم هذه تلا هذه الآية: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 180] (21).
أقول: فهذه الأحاديث هي المقبولة؛ لأنّها موافقة للكتاب دون الرواية النافية للوصيّة للوارث؛ لأنّها مخالفة... [للآية الكريمة]؛ فالآية صريحة في الوصيّة للوالدين وهما من أقرب الوراث للإنسان ثم تعمّم موضوع الحكم للأقربين ليشمل كلّ قريب سواء كان من الورثة أم لا. والرواية التي تقول: (لا يجوز لوارث وصيّة إلّا من الثلث) موافقة للآية الكريمة؛ إذ إنّها تثبت الوصية للوارث غاية الأمر أنّها تخصّص ذلك بثلث التركة دون ما زاد عليه فيؤخذ بها دون الرواية المانعة مطلقًا من الإيصاء للأقارب الوارثين؛ لأنّ هذه منافية للآية الكريمة فلا بد من ردها.
المثال الرابع: ما نقل عن فاطمة بنت قيس من قولها: إنّ زوجها طلقها آخر ثلاث تطليقات فلم يجعل لها رسول الله (صلى الله عليه وآله) نفقة ولا سكنى فردّ عمر بن الخطاب روايتها وقال: لا ندع كتاب ربّنا وسنّة نبيّنا بقول امرأة لا ندري أصدقت أم كذبت فاحتجّت عليه بقولها: بيني وبينكم كتاب الله قال الله تعالى: {فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} [الطلاق: 1] حتّى قال: {لَا تَدۡرِي لَعَلَّ ٱللَّهَ يُحۡدِثُ بَعۡدَ ذَلِكَ أَمۡرًا} [الطلاق: 1] فأيّ أمر يحدث بعد الثلاث؟ (22).
قال الشيخ الشنقيطي: وصرّح أئمّة الحديث بأنّه لم يثبت من السنّة ما يخالف حديثها فالسنّة معها وكتاب الله معها فلا وجه للاستدلال بمخالفة عمر لما سمعته من النبي (صلى الله عليه وآله)؛ لأنّ من حفظ حجّة على من لم يحفظ (23).
المثال الخامس: ما نقل في مصادر أهل السنّة من أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها (24).
فإنّه معارض بما روي في مصادر الشيعة من قول الإمام الباقر (عليه السلام): "لا تزوّج ابنة الأخ ولا ابنة الأخت على العمّة ولا على الخالة إلّا بإذنهما وتزوّج العمّة والخالة على ابنة الأخ وابنة الأخت بغير إذنهما" (25)، وعنه (عليه السلام) أيضًا أنّه قال: "إنّما نهى رسول الله (صلى الله عليه وآله) عن تزويج المرأة على عمّتها وخالتها؛ إجلالًا للعمّة والخالة فإذا أذنت في ذلك فلا بأس" (26)، وبعرض الروايتين على كتاب الله نجد الرواية المبيحة موافقة لإطلاق قوله تعالى بعد أن ذكر المحرّمات من النساء: {وَأُحِلَّ لَكُم مَا وَرَآءَ ذَٰلِكُمۡ} [النساء: 24]، وترد الرواية المانعة لمخالفتها الإطلاق.
+++++++++++++++
المرحلة الخامسة: أمور ترتبط بقاعدة العرض
هناك جملة أمور ترتبط بقاعدة العرض على الكتاب والسنّة المعلومة والصدور ينبغي تناولها بالبيان نظرًا لما يترتّب عليها من الفوائد العلميّة والعمليّة وهي:
الأمر الأوّل: شمول القاعدة للرواية التي لا معارض لها.
إنّ هذه القاعدة لا تنحصر فائدتها بتحديد الموقف من الروايتين المتعارضتين كما قد يوهمه إيراد الفقهاء لها في مبحث علاج التعارض بين الروايات وترجيح ما يوافق الكتاب منها على ما يخالفه بل إنّ استعمالها يشمل حتّى الروايات التي لا معارض لها غاية الأمر أنّ الرواية إذا انفردت ولم يكن لها معارض فإنّه لا ترد إلّا إذا كانت منافية للآية الكريمة وأمّا إذا كانت نسبتها للآية هي التقييد أو التخصيص فإنّها تقبل؛ لأنّ العرف لا يعد هذا النوع من المخالفة منافاة توجب الرد. وأمّا إذا كان للرواية معارض فإنّهما تعرضان معا على الكتاب فيؤخذ بما وافق إطلاق الكتاب أو عمومه وترد الأخرى وإن كانت في ذاتها ـ لولا معارضتها بالرواية الأخرى ـ صالحة لتخصيص الكتاب. ومثال الأولى: ما تقدم من رواية (نحن معاشر الأنبياء لا نورث)؛ فإنّها مردودة لمنافاتها الآيتين اللتين هما نصّ في توريث الأنبياء ومثال الثانية: ما تقدّم من رواية لا تنكح المرأة على عمّتها ولا على خالتها المعارضة برواية: لا تزوّج ابنة الأخ ولا ابنة الأخت على العمّة ولا على الخالة إلّا بإذنهما وتزوّج العملة والخالة على ابنة الأخ وابنة الأخت بغير إذنهما فيؤخذ بالثانية؛ لموافقتها إطلاق قوله تعالى بعد ذكر المحرمات: {وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَآءَ ذَلِكُمۡ} [النساء: 24].
وترد الأولى وإن كانت ـ لولا معارضتها بالثانية ـ صالحة لتخصيص الآية الكريمة.
الأمر الثاني: شمول القاعدة لروايات الثقات وغيرهم.
إنّ وجوب تطبيق قاعدة العرض على الكتاب والسنّة المعلومة بالتواتر أو الضرورة من الدين أو المجمع على نقلها شامل لجميع الروايات ولا فرق في ذلك بين كون الراوي ثقة أو فاسقًا.
والدليل على ذلك: أنّ روايات العرض شاملة بإطلاقها للموردين معا بل إنّ فيها روايتين تصرحان بالشمول وهما:
الرواية الأولى: رواية محمد بن مسلم وفيها يقول الإمام الصادق (عليه السلام): "ما جاءك في رواية من بر أو فاجر يوافق القرآن فخذ به وما جاءك في رواية من بر أو فاجر يخالف القرآن فلا تأخذ به" (27).
الرواية الثانية: رواية الحسين بن أبي العلاء قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن اختلاف الحديث يرويه من نثق به ومنهم من لا نثق به قال: "إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهدا من كتاب الله أو من قول رسول الله (صلى الله عليه وآله) وإلا فالذي جاءكم به أولى به"(28).
بل إنّ في رواية عمر بن حنظلة المتقدّمة عن الإمام الصادق (عليه السلام) تطبيقًا لقاعدة العرض على أخبار الثقات خاصّة فقد جاء فيها: قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: "ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف العامّة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنّة ووافق العامّة" (29). والسر في ضرورة عرض روايات الثقات على الكتاب والسنّة المعلومة أو وثاقة الراوي بمجرّدها لا تؤدّي الى العلم بصدور ما يرويه عن المعصوم وإنّما تؤمننا من احتمال تعمّده الكذب على الشارع المقدّس فقط ويبقى احتمال خطئه في السماع والفهم والنقل قائما مضافا الى احتمال خطأ النسّاخ لروايته والى احتمال أن تكون الرواية موضوعة على الثقات كما أنّ مجرّد فسق الراوي لا يسوّغ رد حديثه رأسا لاحتمال صدقه؛ ذلك أنّ الفاسق لا يكذب على طول الخط.
والدليل على ذلك: أن الشارع المقدّس لم يأمر برد خبر الفاسق رأسا وإنّما أمر بالتبيّن بشأنه أي: بطلب البيّنة والدليل على صدقه أو كذبه قبل الأخذ بكلامه وترتيب الأثر عليه قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].
وروى أبو بصير عن أحدهما (عليه السلام) قال: "لا تكذّبوا بحديث أتاكم به مرجئيّ أو قدريّ ولا خارجيّ نسبه إلينا فإنّكم لا تدرون لعلّه شيء من الحق فتكذبوا الله (عزّ وجلّ) من فوق عرشه" (30).
ومن الواضح: أنّه ليس المطلوب منّا في هذه الحالة إقامة الدليل على صدق الراوي من طريق إثبات عدالته أو وثاقته وذلك لأنّ ثبوت فسقه مفروغ منه في الآية الكريمة فلا بد من اللجوء إلى قاعدة العرض على الكتاب والسنّة المعلومة لتحصيل العلم بصدقه أو كذبه تبعا لموافقة ما يرويه للكتاب والسنّة أو مخالفته لهما.
فحاصل الأمر الثاني: وجوب تحكيم قاعدة العرض في جميع الروايات والأخذ بما وافق الكتاب والسنّة المعلومة وإن كان روايه فاسقا ورد ما خالفهما وإن كان راويه ثقة.
ومنه يتحدّد الموقف ممّا أقدم عليه بعض العلماء بكتابه (صحيح الكافي) مقتصرا على تسجيل ما صحّ سنده فقط من رواياته طارحا للروايات الضعيفة سندا!
وهذا خطأ يؤدّي إلى التفريط بكثير من الروايات ومخالفة لأمر الشارع بالتبين بشأنها بعرضها على محكم الكتاب والسنّة إذ لعلّ نتيجة العرض عليهما تؤدّي إلى العلم بصدور بعضها بسبب موافقته لمحكم الكتاب والسنّة على الرغم من ضعف سنده.
الأمر الثالث: قاعدة العرض مجعولة من الشارع.
إنّ قاعدة العرض على الكتاب ليست نابعة من أفكار العلماء واجتهاداتهم الشخصيّة وإنّما هي مجعولة من قبل الشارع المقدّس ولأجل ذلك فهي لا تقبل الخطأ وتؤدي إلى العلم بصدور الحديث أو عدم صدوره.
وبهذا تمتاز على طريقة نقد السند المبنيّة على ثبوت وثاقة الراوي أو عدم ثبوتها فإنّها لا تؤدّي الى أكثر من الظن بصدور الحديث أو عدم صدوره.
وإنّ تأكيد الشارع لزوم عرض الروايات مطلقا أي سواء رواها الثقات أم غيرهم على الكتاب والسنّة دليل واضح على أنّه لا يعد مجرد وثاقة الراوي أو عدمها سببا للأخذ بمضمون الرواية أو ردّه.
الأمر الرابع: تميز القاعدة في كيفيّة التعامل مع الروايات.
هناك فارق بين منهج السند ومنهج العرض على الكتاب والسنّة المعلومة الصدور يتمثّل في تسلسل البحث وكيفيّة التعامل مع الروايات على كلا المنهجين.
فعلى منهج نقد السند الذي يقوم على أساس من وثاقة الراوي ترد الرواية وتنعت بالضعف بسبب عدم وثاقة الراوي أو اختلاف علماء الرجال في توثيقه أو كونه مجهول الحال هذا على الرغم من أنّ ضعف السند في اصطلاحهم لا يعني: العلم بعدم صدور الرواية فهي مظنونة الصدور ويحتمل أن يكون مضمونها صادرا في الواقع وأمّا الرواية القوية السند فإنّها تكون محكومة بالحجّيّة والقبول فإذا عارضتها رواية أخرى قويّة السند أيضا فإنّهما تعرضان معا على الكتاب والسنّة المعلومة فيؤخذ بالموافقة منها لهما دون المخالفة.
وأمّا الرواية الضعيفة السند فإنّها لا تقع طرفا لمعارضة الرواية القوية السند، والوجه في ذلك لديهم أنّ صحّة السند تثبت حجّيّة الرواية شرعا وضعف السند يثبت عدم حجيّتها والتعارض إنّما يقع بين الحجّتين إذ لا معنى لمعارضة الحجّة بغير الحجّة.
هذا على منهج نقد السند وأمّا على منهج نقد المتن فإنّ الرواية تعرض رأسا على محكم الكتاب ومحكم السنّة فإن وافقتهما فهي حجّة وإن كانت ضعيفة السند وإن خالفتهما فليست بحجّة وإن كانت صحيحة السند. وأيضًا فإنّ الروايتين المتعارضتين تعرضان معا على محكم الكتاب والسنّة فيحكم بحجّيّة الموافقة لهما للعلم بصدورها حينئذٍ وترد المنافية لهما للعلم بعدم صدورها.
والملاحظة المهمّة التي يجب بيانها هنا: أنّ التعارض إنّما يقع بين الروايتين ويكشف عن حجّيّة إحداهما دون الأخرى فنعمد لتعيين الحجّة منهما إلى العرض على محكم الكتاب والسنّة.
وبعبارة أخرى: إنّ التعارض إنّما يتصوّر وقوعه بين الحجّة وغير الحجّة لا بين الحجّتين؛ لأنّ الحجّيّة حكم مجعول من قبل الشارع الحكيم فلا يعقل أن يجعلها لكلّ من المتنافيين.
وعليه، فلا بد أن نعمد منذ البداية إلى عرض الروايتين المتنافيتين معا على محكم الكتاب والسنّة لنميّز الحجة منهما من غير الحجّة وليس من الصحيح أن نعمد أوّلا إلى النقد السندي لنثبت بواسطته الحجّيّة شرعا لروايتين متنافيتين بناء على وثاقة رواتهما ثم نلجأ بعد ذلك الى عرضهما على الكتاب والسنة لنرجح إحداهما على الأخرى.
الأمر الخامس: وجوب تحكيم القاعدة في جميع الروايات.
بعد ثبوت مشروعية قاعدة (العرض على الكتاب) وأدائها إلى العلم بصدور الحديث أو عدم صدوره يجب تحكيمها في جميع الروايات لا فرق بين ورودها في مصنّفات أهل السنّة أو الشيعة بما في ذلك الموسومة بـ (الصحاح) ذلك أنّ صحّة الرواية في اصطلاحهم لا تعني: أنّ مضمونه معلوم الصدور وإنّما تعني فقط: أنّ رواتها ثقات ولمّا كان الثقة قد يخطئ؛ لأنّه ليس معصوما فإنّ صدور روايته يبقى في دائرة الظنّ الذي لا يغني من الحق شيئا فلا بد لحسم الموقف من العرض على محكم الكتاب والسنّة. هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنّه لا ينبغي لغير الشيعة أن يحرموا أنفسهم من الثروة الحديثيّة التي تضمنتها مصنّفات علماء الشيعة الأبرار بدعوى ضعف أسانيد رواياتهم واتّهام رواتهم الأجلّاء بأنّهم لا يتورّعون عن الكذب ولا نريد هنا رد هذه التهمة الظالمة وإقامة الأدلّة على بطلانها ونكتفي بالقول: إنّ مجرد ضعف الراوي لا يساوق العلم بعدم صدور ما يرويه فيبقى مظنون الصدور فلا بد من التحاكم إلى قاعدة العرض لقطع الشك باليقين ولا ينبغي التسرّع برفض رواية لمجرّد الظن بعدم صدورها فلعلّها صادرة فعلا عن ساحة الشارع المقدّس.
الأمر السادس: القاعدة تثبت عدم إمكانيّة نسخ الكتاب بالسنّة.
إنّ قاعدة العرض بتوكيدها أنّ مخالفة مضمون الرواية للكتاب والسنّة علامة فارقة تؤدّي إلى العلم بعدم صدور الرواية عن المعصومين (عليهم السلام) تطلعنا على قضية في غاية الأهمية وهي: أنّ الحديث لا يمكن أن يكون ناسخًا للكتاب؛ لوضوح أنّ النسبة بين الناسخ والمنسوخ هي التنافي وكن الناسخ رافعا لحكم المنسوخ ومع تحقق المنافاة بين الآية والرواية لا بد أن نحكم بعدم حجّيّة الرواية للعلم بعدم صدورها حينئذ فكيف تكون ناسخة لما انقطع بصدوره من آيات الكتاب؟ ولزيادة هذا الأمر وضوحا نقول: التنافي يتصوّر على ثلاثة أنحاء: الأول: أن يقع بين رواية مظنونة الصدور وبين ما هو معلوم الصدور من محكم الكتاب والسنّة وهذا يؤدي إلى العلم بعدم صدور الرواية المظنونة عن المعصوم (عليه السلام). الثاني: أن يقع بين روايتين مظنونتي الصدور فيؤدي إلى العلم بعدم صدور إحداهما غير المعيّنة فلا بد من عرضهما معا على معلوم الصدور من محكم الكتاب والسنّة المؤدّي إلى العلم بصدور الموافقة لهما والعلم بعدم صدور المخالفة لهما. الثالث: أن يقع بين دليلين معلومي الصدور من الكتاب أو السنّة وهذا يؤدي إلى العلم بأنّ الدليل المتأخّر ناسخ لحكم الدليل المتقدّم إذ لا يعقل ثبوت الحكمين المتنافيين معًا في عالم التشريع.
ومن أمثلة ذلك:
+ نسخ الحكم بالتوجّه عند الصلاة إلى بيت المقدس الثابت بالسنّة المعلومة بالحكم الوارد في الكتاب بعد ذلك من وجوب التوجّه الى الكعبة المشرّفة.
+ ونسخ الحكم بوجوب التصدّق قبل مناجاة الرسول (صلى الله عليه وآله)؛ فإنّ المنسوخ والناسخ كليهما ثابت بالكتاب.
ولا مثال لنسخ الحكم الثابت بالكتاب بناسخ من السنّة المعلومة.
نعم، هناك كلام في علّة النسخ: هل هي انكشاف عدم صحّة تشريع الحكم الأول أو انتهاء الأمد المحدّد للحكم الأول منذ البداية في علم الله تعالى؟ ولا شك أنّ المتعيّن هو الثاني؛ لأنّ الأول منافٍ لعلم الله (عزّ وجلّ).
ويلاحظ: أنّ هذا الأمر الذي استنتجناه من قاعدة العرض من عدم امكان نسخ الكتاب بالسنّة ثابت بروايات عن النبي (صلى الله عليه وآله) وهي:
+ قوله (صلى الله عليه وآله): "كلامي لا ينسخ كلام الله، وكلام الله ينسخ كلامي، وكلام الله ينسخ بعضه بعضًا" (31).
+ قوله (صلى الله عليه وآله): "القرآن ينسخ حديثي، وحديثي لا ينسخ القرآن" رواه جابر مرفوعًا (32). وهذا في خبر الواحد واضح جدًّا وأمّا إذا كان الخبر متواترًا فقد يدّعى إمكان نسخه للكتاب؛ لأنّ المتواتر معلوم الصدور فلا يرد محذور نسخ معلوم الصدور بظنّي الصدور.
لكنّ هذه الدعوى مردودة بأدنى التفات إذ مع تأكيد المعصومين (عليهم السلام) أنّ منافاة الرواية للكتاب والسنّة المعلومة دليل على أنّ مضمونها غير صادر عنهم كيف يعقل أن يسمع منهم مباشرة أو يتواتر عنهم ما ينافي الكتاب ليكون ناسخا له؟!
وقد تقدّم قول الإمام الرضا (عليه السلام) ... ولا أدلّ على بطلان تلك الدعوى من أنّنا لا نجد أيّ مثال لحديث ثابت بالتواتر معارض لآية من آيات الكتاب الكريم.
الأمر السابع: العرض على فتاوى العامّة والأخذ بما يخالفها.
يلاحظ أنّ بعض روايات العرض المذكورة فيما تقدّم الواردة عن الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) لا تكتفي بالعرض على محكم الكتاب والسنّة فقط وإنّما تضيف إليهما العرض على فتاوى العامّة والأخذ بالرواية المخالفة لفتاواهم وترك الرواية الموافقة لها.
وينبغي أن نبين بهذا الشأن بضع نقاط:
الأولى: أنّ العرض على فتاوى العامّة يختص بالروايات المنقولة عن الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) إذا وقع بينها الاختلاف فقط وأمّا الرواية المفردة عنهم (عليهم السلام) التي ليس لها مخالف ممّا يروى عنهم، فإن ورود ما يوافقها في روايات العامّة يكون محصّلا للعلم بصدورها إذ تكون حينئذٍ من السنّة المجمع عليها، وأمّا إذا ورد في روايات العامّة ما يعارض تلك الرواية المفردة فإنّ المشكلة تحسم حينئذٍ في مرحلة أسبق وهي: مرحلة العرض على الكتاب والسنة.
الثانية: أنّ الهدف من عرض الروايتين المتخالفتين على فتاوى العامّة هو: معرفة ما هو صادر منها عن الأئمّة (عليهم السلام) بإرادة جدّيّة وبنحو التشريع الدائم المستمر وما هو صادر عنهم بنحو التقيّة ومحدود بظروفها خاصّة بعد الفراغ من صدور كلتا الروايتين وهذا يكشف عن أنّ التخالف بين الروايتين هنا ليس بنحو التنافي التام التعارض المستقر الذي لا يعقل معه صدورهما معًا عن الشارع المقدّس وإلا لأنيط حلّ التعارض حينئذ بالعرض على محكم الكتاب والسنّة.
الثالثة: أنّ صدور روايات التقيّة عن الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) ناتج من الظروف الحرجة التي عاشها المجتمع الإسلامي إثر تسلّط الحكّام المنحرفين والجهلة على الأمّة وتدخّلهم في كافّة شؤونها بما في ذلك مجال العقيدة ومجال التشريع.
وكان أهل البيت (عليهم السلام) وشيعتهم يمثّلون المعارضة المضطهدة من قبل الحكّام؛ لما يحملونه من عقيدة وفكر مستقل معتمد على المصادر الإسلاميّة الأساسية ومن تشريع متكامل مستنبط من الكتاب والسنّة. وفي مثل تلك الظروف يكون وضع الأحاديث المخالفة لما لدى الشيعة من عقائد وأحكام هو المتوقع من أولئك الحكام غير الورعين ومن أتباعهم. وكان الأئمة (عليهم السلام) يواجهون هذا الواقع الأليم بكشف الحقائق للأمّة إن أمكنتهم الظروف من ذلك ولكن سياسات القمع والتنكيل تجاه الأئمّة (عليهم السلام) وتجاه شيعتهم كانت تشتد في معظم الأوقات ممّا يضطرهم (عليهم السلام) إلى أن يجيبوا عن بعض الأسئلة بما يتفق مع فتاوى فقهاء السلاطين من العامّة حفاظا على أنفسهم وأتباعهم من بطش السلطة الحاكمة وتنكيلها وليس الغرض مخالفة فتاوى العامة دائما وبما هي فتاوى للعامّة (33).
وممّا ورد بهذا الشأن رواية أبي إسحاق الأرجانيّ عن الإمام الصادق (عليه السلام) وفيها: قال أبو عبد الله (عليه السلام): "أتدري لِمَ أمرتم بالأخذ بخلاف ما تقول العامّة؟" فقلت: لا أدري. فقال: "إنّ عليًّا (عليه السلام) لم يكن يدين الله بدين إلّا خالفت عليه الأمّة إلى غيره إرادة لإبطال أمره وكانوا يسألون أمير المؤمنين (عليه السلام) عن الشيء الذي لا يعلمونه فإذا أفتاهم جعلوا له ضدًّا من عندهم ليلبسوا على النّاس" (34).
ومن شواهد ما ذكرناه من صدور روايات التقيّة بهدف الدفاع عن كيان الشيعة وحمايتهم من التعرّض لاضطهاد وقمع السلطات الحاكمة:
1 ـ ما ورد عن زرارة بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت: يا بن رسول الله، رجلان من أهل العراق من شيعتكم قدما يسألان فأجبت كلّ واحد منهما بغير ما أجبت به صاحبه؟ فقال: "يا زرارة، إنّ هذا خير لنا، وأبقى لنا ولكم، ولو اجتمعتم على أمر واحد، لصدّقكم الناس علينا، ولكان أقلّ لبقائنا وبقائكم" (35).
2 ـ عن معاذ قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): إنّي أجلس في المجلس فيأتيني الرجل، فإذا عرفت أنّه يخالفك، أخبرته بقول غيركم، وإن كان ممّن يقول بقولكم، أخبرته بقولكم، فإن كان ممّن لا أدري، أخبرته بقولكم وقول غيركم، فيختار لنفسه. قال: "رحمك الله، هكذا فاصنع" (36).
3 ـ وعن عمرو بن أبي المقدام عن علي بن الحسين عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: "إذا كنتم في أئمّة الجور، فامضوا في أحكامهم، ولا تشهروا أنفسكم فتُقتَلوا، وإن تعاملتم بأحكامهم كان خيرًا لكم"(37).
وممّا يدلّ على أنّه ليس الغرض من روايات العرض على فتاوى العامّة هو مخالفتها دائمًا وبما هي فتاوى للعامّة تصريح الإمام (عليه السلام) بأنّ الروايتين المختلفتين إذا كانتا معا موافقتين لفتاوى العامّة فإنّهما لا تطرحان معًا وإّنما تطرح خصوص الموافقة منهما لما عليه حكّامهم وقضاتهم ويؤخذ بالرواية الأخرى على الرغم من موافقتها لفتاوى العامّة أيضا. فقد ورد في رواية زارة عن الإمام الصادق (عليه السلام): قلت: فإن كان الخبران عنكما مشهورين قد رواهما الثقات عنكم؟ قال: ينظر فما وافق حكمه حكم الكتاب والسنّة وخالف العامّة فيؤخذ به ويترك ما خالف حكمه حكم الكتاب والسنّة ووافق العامّة. قلت: جعلت فداك أرأيت إن كان الفقيهان عرفا حكمه من الكتاب والسنّة ووجدنا أحد الخبرين موافقا للعامّة والآخر مخالفا لهم بأيّ الخبرين يؤخذ؟ قال: ما خالف العامّة ففيه الرشاد. قلت: ينظر إلى ما هم إليه أميل حكّامهم وقضاتهم فيترك ويؤخذ بالآخر (38).
فالتقيّة إنّما تكون من السلطة الجائرة بمجاراتها ـ أحيانًا ـ فيما تتبنّاه من أحكام لا من فتاوى العامّة بما هي فتاوى لهم فمعنى التقيّة العمل بأحكام المخالفين في ظرف خاص حفاظا على النفس وليس معناها: استحلال الكذب على الشارع المقدّس ومنه يتّضح وجه التأمّل في ردّ روايات الشيعة بدعوى أنّهم يستحلّون الكذب؛ وتعليل ذلك بأنّهم يعملون بالتقيّة. والحاصل: أنّ الرواية الصادرة تقيّة معلومة الصدور عن الإمام (عليه السلام) ومرادة له جدًّا إلا أنّ العمل بها جائز في حدود ظرف التقيّة. ومعنى ذلك: أنّها تكشف عن حكم شرعيّ واقعيّ ولكنّه حكم ثانوي كبقيّة الأحكام الثانويّة المعمول بها حال العجز والإكراه والاضطرار. كما أنّ الاخذ بالرواية المخالفة لفتاواهم مرتبط بما تكشف عنه المخالفة من صدور مضمون الرواية المخالفة عن الإمام (عليه السلام) بإرادة جادّة وبنحو التشريع الدائم الثابت في الظروف الاعتياديّة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مسند أحمد، ج4، ص 131، ح16546؛ سنن أبي داوود، ج4، ص 300، ح 4604.
(2) الكافي، ج1، ص 251، ح7.
(3) عيون أخبار الرضا (عليه السلام)، ج1، ص 22، 23.
(4) الرسالة للشافعي، ص 223.
(5) المصدر السابق، 2 228.
(6) كشف الأسرار عن أصول البزدويّ، ج3، ص 275.
(7) الرواشح السماويّة، الميرداماد، ص 68، 69، والحديث في تهذيب الأحكام، ج7، 275، والاستبصار، ج3، ص 158.
(8) صحيح البخار، ج8، ص 185، كتاب الفرائض.
(9) النص والاجتهاد، شرف الدين، ص 108.
(10) ومن الغريب لجوء أبي بكر إلى الاستدلال بالحديث دون الكتاب، مع أنّه من أنصار مقولة: (حسبنا كتاب الله)... راجع: تذكرة الحفّاظ، الذهبيّ، ج1، ص 1، 2.
(11) روح المعاني، الآلوسي، ج16، ص 64.
(12) النصّ والاجتهاد، ص 104... .
(13) مقدّمة صحيح مسلم بشرح النووي، ج1، ص 84؛ ميزان الاعتدال، الذهبي، ج1، ص 3.
(14) صحيح البخاريّ، ج1، ص 51 ــ 53، ح 164؛ صحيح مسلم، ج1، ص 204، 205، ح3.
(15) التفسير الكبير للرازي، ج6، ص 164، 165.
(16) تفسير الكشّاف للزمخشري، ج2، ص 11.
(17) الاعتصام بالكتاب والسنّة للشيخ جعفر السبحاني، ص 23.
(18) سنن أبي داوود، ج3، ص 114... .
(19) سنن الدارقطني، ج4، ص 152... .
(20) وسائل الشيعة، ج19، ص 287... .
(21) المصدر السابق، باب جواز الوصيّة للوارث، ح2.
(22) قال في كشف الأسرار عن أصول البزدوي (1/ 429 ـ 430): أورد هذا كلّه الجصّاص، وذكه أبو اليسر في أصوله.
(23) مذكّرة أصول الفقه على روضة الناظر لابن قدامة، محمد أمين الشنقيطي، ص 87.
(24) بلوغ المرام، ص 152، رقم 841، نقلاً عن بذل النظر للإسمندي، ص 345.
(25) وسائل الشيعة، كتاب النكاح، باب 30، ح1.
(26) علل الشرائع، ج2، ص 212؛ وسائل الشيعة، كتاب النكاح، باب 30، ح 10.
(27) تفسير العيّاشي، ج1، ص 8؛ تفسير البرهان، ج1، ص 29.
(28) الكافي، ج1، ص 69؛ ح2؛ المحاسن، ج1، ص 352، 353.
(29) الكافي، ج1، ص 68، ح 10.
(30) بحار الأنوار، ج2، ص 187، ح16.
(31) العلل المتناهية في الأحاديث الواهية، ابن الجوزي، ج1، ص 132.
(32) مذكّرة أصول الفقه، الشنقيطي، ص 85.
(33) المنهج الرجاليّ، السيّد الجلاليّ، ص 119 ــ 121 (بتصرّف).
(34) علل الشرائع، ج2، ص 249، ح1؛ وسائل الشيعة، ج27، ص 116، ح 33357.
(35) الكافي، ج1، ص 65، باب اختلاف الحديث، ح5.
(36) علل الشرائع، ج 2، 249، ح 2.
(37) المصدر السابق، ج2، ص 293، ح3.
(38) الكافي، ج1، ص 68، باب اختلاف الحديث، ح5.
الاكثر قراءة في مقالات متفرقة في علم الحديث
اخر الاخبار
اخبار العتبة العباسية المقدسة
الآخبار الصحية

قسم الشؤون الفكرية يصدر كتاباً يوثق تاريخ السدانة في العتبة العباسية المقدسة
"المهمة".. إصدار قصصي يوثّق القصص الفائزة في مسابقة فتوى الدفاع المقدسة للقصة القصيرة
(نوافذ).. إصدار أدبي يوثق القصص الفائزة في مسابقة الإمام العسكري (عليه السلام)