لا يجوز نبش القبر سواء كان باستخراج الميت إلى الفضاء أو مجرّد كشف التراب عنه مع بقائه مستلقيا في القبر على وجه يرى جسده (1).
ويستثنى من ذلك موارد:
فمنها: ما لو بلى الميت حتّى صار رميما، ويختلف باختلاف الأمكنة والأشخاص، ويعتبر في الجواز العلم بالبلى، ومع الشكّ أو الظن فالمرجع الاستصحاب، ولا يكفي قول أهل الخبرة ما لم يفد العلم العادي (2).
ومنها: ما لو دفن في مكان مغصوب ولو للاشتراك فيه مع عدم الإذن، فإنّ المشهور جواز أن ينبش ويستخرج ويدفن في مكان آخر سائغ، من غير فرق بين استلزامه زيادة الهتك من تقطيع ونحوه أم لا، ولا بين قلّة الضرر على المالك وكثرته، ولا بين الوارث والأرحام وغيرهم، ولكن الاحتياط بترك النبش حينئذ مطلقا، ولو ببذل عوض ونحوه لا يترك، ويكون العوض على الغاصب دون تركة الميت من أصل ولا ثلث(3).
ومنها: ما لو كفن في ثوب مغصوب ودفن ولو في مكان مباح، فإنّ المشهور جواز النبش؛ لاستخراج الكفن ودفعه إلى صاحبه، وتكفينه بثوب آخر مباح. ولو قيل هنا بعدم النبش وثبوت العوض على الغاصب لم يكن بعيدا، بل لعلّه سديد(4).
ومنها: ما لو وقع في القبر ما له قيمة لا عن عمد من صاحبه، فإنّ خيرة جمع جواز النبش لاستخراجه، وهو فيما إذا لم يترتّب على تركه ضرر عظيم يوجب الاضطرار إلى إخراجه محل تأمّل، ولو كان الوقوع بفعل صاحبه عمدا لم يجز النبش (5).
ومنها: ما لو توقّفت الشهادة على عين الميت، وإثبات الأمور المترتّبة على موته - من اعتداد زوجته، وقسمة تركته، وحلول ديونه التي عليه، وغير ذلك - على النبش، فإنّه حينئذ يجوز مع إمكان معرفته بالنبش، وعدم العلم بتعذّر ذلك لتغيّر صورته وإلّا لم يجز، ومع الشكّ في التغيّر فالاستصحاب محكّم (6).
ومنها: ما لو دفن بغير غسل، فإنّ خيرة جمع جواز النبش لأجل تغسيله ما لم يخشَ فساد الميت والمثلة به، وكذا النبش لأجل من دفن بغير كفن، أو إلى غير القبلة، ولي في ذلك تأمّل، وأبعد من ذلك تجويز النبش لأجل تبديل كفن من كفّن بالحرير، وأمّا المدفون بغير صلاة فلا يجوز نبش قبره لذلك بل يصلّى على قبره (7).
ومنها: ما لو دفن في أرض ثم بيعت، فإن الشيخ رحمه اللّه جوّز نبش المشتري قبره لنقله، والأحوط - إن لم يكن أقوى - عدم الجواز إلّا أن يبلى فلا يصدق النبش (8).
ومنها: لو ابتلع جوهرة أو غيرها ممّا له قيمة فدفن، فإنّ جمعًا جوّزوا النبش لشقّ بطنه وإخراج ذلك، سواء كانت له أو لغيره، وهو لا يخلو من وجه سيّما مع الاضطرار إليه أو التضرّر بتركه (9).
ومنها: ما لو أريد نقله إلى مكان شريف يرجى فيه حسن حاله كحرم مكّة والمدينة والأعتاب الشريفة، فإنّه قد تقدّم التأمّل في حرمة النبش حينئذ، وإنّه على فرض الحرمة فالنقل بعده لا مانع منه (10).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) حرمة النبش لقبر المسلم إجماعي بين الإماميّة، بل بين المسلمين سوى ما استثني، راجع جواهر الكلام: 4/353 الفصل الخامس من الفصول الخمسة.
(2) جواهر الكلام: 4/353 الفصل الخامس من الفصول الخمسة في اللواحق.
(3) إنّ المسألة ذات أبعاد واسعة للبحث، وقد أشار في جواهر الكلام: 4/354 إلى بعض صورها فراجع وتدبّر.
(4) بناء على أنّ المانع الشرعيّ كالمانع العقليّ، كأنّ المنع من النبش في الفرض هو المتعيّن، لأنّه كما إذا ألقى المغصوب في البحر أو أتلف ينتقل الضمان إلى القيمة فكذلك هنا، والمسألة تستحق التأمّل كثيرا.
(5) جواهر الكلام: 4/443.
(6) جواهر الكلام: 4/346، وفي جواز النبش في هذه الصورة كلام.
(7) كلّ الصور المذكورة محلّ خلاف وبحث، راجع جواهر الكلام: 4/357.
(8) أقول: منع النبش في المقام هو المتعيّن عندي إلّا في بعض الصور النادرة، راجع جواهر الكلام: 4/356.
(9) في المسألة بحث مسهب خصوصا إذا لم تكن الجوهرة لغيره، راجع جواهر الكلام: 4/359، والظاهر عدم جواز.
(10) المسألة مورد بحث ونقاش، والمتيقّن من صور الجواز هو ما إذا أوصى الميت بالنقل، وفي غير هذه الصورة لا بد من مراجعة مرجع التقليد.