0
EN
1
المرجع الالكتروني للمعلوماتية

علم الحديث

تعريف علم الحديث وتاريخه

أقسام الحديث

الجرح والتعديل

الأصول الأربعمائة

الجوامع الحديثيّة المتقدّمة

الجوامع الحديثيّة المتأخّرة

موضوعات عامة

أحاديث وروايات مختارة

الأحاديث القدسيّة

علوم الحديث عند أهل السنّة والجماعة

علم الرجال

تعريف علم الرجال

الحاجة إلى علم الرجال

التوثيقات الخاصة

التوثيقات العامة

موضوعات عامة

أصحاب النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله)

أصحاب الأئمة (عليهم السلام)

العلماء من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر الهجري

قم بتسجيل الدخول اولاً لكي يتسنى لك الاعجاب والتعليق.

البحث حول حديث في رؤية الله تعالى

المؤلف:  السيد عبد الله شبر

المصدر:  مصابيح الأنوار في حل مشكلات الأخبار (ت: مجتبى المحمودي)

الجزء والصفحة:  ج1، ص 106 ــ 117

2026-08-02

15

+

-

20

الحديث العاشر: [في رؤية اللَّه تعالى]

ما رويناه بأسانيدنا السالفة عن الشيخين الجليلين النبيلين، رئيس المحدّثين الصدوق في كتاب (التوحيد) عن عليّ بن أحمد بن محمّد بن عمران الدقّاق، عن محمّد بن أبي عبد اللَّه الكوفيّ، وثقة الإسلام في (الكافي)، عنه، عن محمّد بن إسماعيل البرمكيّ، عن الحسين بن الحسن، عن بكر بن صالح، عن الحسين بن سعيد، عن إبراهيم بن محمّد الخزّاز ومحمّد بن الحسين، قالا: دخلنا على أبي الحسن الرضا (عليه السلام) فحكينا له ما روي: أنّ محمّداً (صلى الله عليه وآله) رأى ربّه في صورة الشابّ الموفّق في سنّ أبناء ثلاثين سنة ورجلاه في خضرة، وقلنا له: إنّ هشام بن سالم وصاحب الطاق والميثميّ يقولون: إنّه أجوف إلى السرّة والبقيّة صمد.

فخرّ (عليه السلام) ساجداً وقال: «سبحانك، ما عرفوك وما وحّدوك، ومن أجل ذلك وصفوك، سبحانك، لو عرفوك لوصفوك بما وصفت به نفسك، سبحانك، كيف طاوعتهم أنفسهم أن يشبّهوك بغيرك، اللّهمّ لا أصفك إلّا بما وصفت به نفسك، ولا أشبّهك بخلقك، أنت أهل لكلّ خير، فلا تجعلني من القوم الظالمين».

ثمّ التفت (عليه السلام) إلينا، فقال: «ما توهّمتم من شيء فتوهّموا اللَّه (عزّ وجلّ) غيره»، ثمّ قال: «نحن آل محمّد النمط الأوسط الذي لا يدركنا الغالي ولا يلحقنا التالي.

يا محمّد، إنّ رسول اللَّه (صلى الله عليه وآله) حين نظر إلى عظمة ربّه كان في هيئة الشابّ الموفّق ومن أبناء الثلاثين سنة، يا محمّد، عظم ربّي أن يكون في صفة المخلوقين».

قال: قلت: جعلت فداك، من كانت رجلاه في خضرة؟

قال: «ذاك محمّد (صلى الله عليه وآله) حين كان إذ نظر إلى ربّه بقلبه جعله في نور مثل نور الحجُب حتّى يستبين له ما في الحجُب، إنّ نور اللَّه منه أخضر، ومنه أحمر، ومنه أبيض، ومنه غير ذلك، يا محمّد، ما يشهد به الكتاب والسنّة فنحن القائلون به» (1).

بيان:

(الشاب الموفّق) بالميم والواو فالفاء فالقاف هو الذي أعضاؤه متوافقة بحسب الخلقة.

وفي النهاية الأثيريّة: هو الذي وصل إلى الكمال في قليل من السنين (2).

وقيل: هو الذي وصل في الشباب إلى الكمال وجمع بين تمام الخلقة وكمال المعنى في الجمال، أو الذي هُيّئت له أسباب الطاعة والعبادة.

وقيل: هو تصحيف الموقف بتقديم القاف على الفاء، أي المزيّن، فإنّ الوقف سوار من عاج، يقال: وقفه، أي ألبسه، ووقف يديها بالحنّاء، أي نقّطها، والمراد به هنا: المزيّن بأيّ زينة كانت.

و(هشام بن سالم) هو الثقة المشهور.

و(صاحب الطاق) هو محمّد بن عليّ بن النعمان بن جعفر الأحول الصرّاف في طاق المحامل بالكوفة، وهو ثقة أيضاً من الأجلّاء.

و(الميثميّ) هو أحمد بن الحسن.

ونسبة هذا القول إلى هؤلاء الأجلّاء - كما نسب إلى هشام بن الحكم أيضاً - لا يقدح في جلالتهم؛ إمّا لضعف الأحاديث الدالّة على القدح فيهم، أو لأنّ المخالفين لمّا رأوا جلالة قدر الهشامين ونحوهما نسبوا إليهم ما نسبوا؛ ترويجاً لآرائهم الفاسدة، أو لتخطئة رواة الشيعة وعلمائهم لبيان سفاهة آرائهم، أو أنّهم لمّا ألزموهم في الاحتجاج أشياء؛ إسكاتاً لهم، نسبوا هذه المذاهب إليهم، والأئمّة (عليهم السلام) لم ينفوها عنهم اتّقاءً عليهم أو لمصالح اخر.

ويحتمل أن يكون ذلك مذهباً لهم قبل الرجوع إلى الأئمّة والأخذ بقولهم، فقد قيل: إنّ هشام بن الحكم قبل أن يلقى الصادق (عليه السلام) كان على رأي جهم بن صفوان، فلمّا تبعه (عليه السلام) تاب ورجع.

وذكر الكراجكيّ في كنز الفوائد في الردّ على القائلين بالجسم بمعنييه، قال: وأمّا موالاتنا هشاماً رحمه الله فهي لما شاع عنه واستفاض من تركه القول بالجسم الذي كان ينصره، ورجوعه عنه وإقراره بخطئه فيه وتوبته منه، وذلك حين قصد الإمام جعفر بن محمّد (عليه السلام) إلى المدينة، فحجبه، وقيل له: إنّا أمرنا ألّا نوصلك إليه ما دمت قائلًا بالجسم، فقال: واللَّه، ما قلت به إلّا لأنّي ظننت أنّه وفاق لقول إمامي، فأمّا إذا أنكره عليّ فإنّني تائب إلى اللَّه تعالى منه، فأوصله الإمام (عليه السلام) ودعا له بخير.

وحفظ عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال لهشام: «إنّ اللَّه تعالى لا يشبه شيئاً ولا يشبهه شيء، وكلّ ما وقع في الوهم فهو بخلافه».

وروى عنه (عليه السلام) أيضاً أنّه قال: «سبحان من لا يعلم أحد كيف هو إلّا هو، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، لا يحدّ ولا يحسّ، ولا تدركه الأبصار ولا يحيط به شيء، ولا هو جسم ولا صورة، ولا بذي تخطيط ولا تحديد» (3). انتهى.

وقال الشهرستانيّ في الملل والنحل - بعد ما حكى عن الكعبيّ أنّ هشام بن الحكم، قال: إنّه تعالى جسم ذو أبعاض، له قدر من الأقدار، ولكن لا يشبه شيئاً من المخلوقات ولا تشبهه - ما لفظه: وهذا هشام بن الحكم صاحب غور في الأصول، لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة، فإنّ الرجل وراء ما يلزمه على الخصم ودون ما يظهره من التشبيه، وذلك أنّه ألزم العلّاف، فقال: إنّك تقول: إنّ الباري تعالى عالم بعلم، وعلمه ذاته، فيشارك المحدثات في أنّه عالم بعلم، ويباينها في أنّ علمه ذاته، فيكون عالماً لا كالعالمين، فلِمَ لا تقول: هو جسم لا كالأجسام، وصورة لا كالصور، وأنّه قدرٌ لا كالأقدار إلى غير ذلك ؟ (4).

وقد بالغ السيّد المرتضى رحمه الله في الشافي في براءة ساحة الهشامين عمّا نسب إليهما (5)، وقيل: إنّهما قالا بجسم لا كالأجسام، وبصورة لا كالصور، فلعلّ مرادهم بالجسم: الحقيقة القائمة بالذات، وبالصورة: الماهيّة، وإن أخطأ في ذلك، وقياس ذلك على كونه تعالى شيئاً كالأشياء باطل:

أمّا أوّلًا: فلأنّ لفظ شيء لا يشعر بالحدوث بخلاف الجسم والصورة.

وأمّا ثانياً: فإنّ جواز إطلاق الاسم عليه تعالى موقوف على الإذن، وقد أذن لنا في إطلاق الشيء عليه تعالى شرعاً - كتاباً وسنّة - دون الجسم والصورة.

وكيف كان، فجلالة قدر الهشامين وصحّة عقيدتهما هو المعروف بين الأصحاب.

و(الصمد) أريد به هنا المصمت خلاف الأجوف.

وقيل في توجيه كلامهم: إنّهم زعموا أنّ العالم كلّه شخص واحد وذات واحدة، وله جسم وروح، فجسمه جسم الكلّ، وهو الفلك الأقصى بما فيه، وروحه روح الكلّ، والمجموع صورة الحقّ الإله، فقسمه الأسفل الجسمانيّ أجوف؛ لما فيه من معنى القوّة الإمكانيّة والظلمة الهيوليّة الشبيهة بالخلاء والعدم، وقسمه الأعلى الروحانيّ صمد؛ لأنّ الروح العقليّ موجود فيه بالفعل بلا جهة إمكان استعداديّ ومادّة ظلمانيّة، تعالى اللَّه عمّا يقول الكافرون علوّاً كبيراً.

ثمّ لمّا سمع (عليه السلام) مقالتهم الفاسدة ومذاهبهم الكاسدة خرّ - أي سقط - ساجداً للَّه تخشّعاً وتعظيماً له تعالى، منزّهاً له تعالى بقوله: «سبحانك..» إلى آخره.

ولعلّه (عليه السلام) لم يتعرّض لإبطال نسبة هذا القول إلى القائلين، لنوع من المصلحة اتّقاء عليهم.

ثمّ إنّه (عليه السلام) بعدما نزّه خالقه عن ذلك وتعجّب من تلك الأقوال العظيمة والافتراءات الجسيمة عليه تعالى، وخاطب اللَّه وناداه ببراءة نفسه القدسيّة، مهّد قاعدة كلّيّة، فقال: (ما توهّمتم من شيء فتوهّموا اللَّه غيره) أي: فاعلموا واعتقدوا بوهمكم أنّه تعالى غير ما توهّمتموه؛ لأنّ الآلات البدنيّة والعقول البشريّة قاصرة عن إدراك ذاته، وحاسرة عن معرفة كنه صفاته.

كما قال الباقر (عليه السلام): «كلّما ميّزتموه بأوهامكم في أدقّ معانيه مخلوق مصنوع مثلكم، مردود إليكم، ولعلّ النمل الصغار تتوهّم أنّ للَّه ‌زبانيتين - أي قرنين - فإنّ ذلك كمالها، وتتوهّم أنّ عدمهما نقصان لمن لم يتّصف بهما، وهكذا حال العقلاء فيما يصفون اللَّه تعالى به» (6)، ثمّ قال: (نحن آل محمّد النمط الأوسط) أي الجماعة القائمون على الوسط، الذي هو العدل، لا نفرط ولا نفرّط، ولا نغلو ولا نقصّر.

(الذي) صفة للنمط باعتبار اللفظ.

(لا يدركنا) على سبيل الالتفات من الغيبة إلى التكلّم للتصريح بالمقصود.

(الغالي) بالغين المعجمة - كما في أكثر النسخ - من الغلوّ الواقع في طرف الإفراط، وبالعين المهملة - كما في بعضها - وهو المتجاوز عن حدّ الفضائل الإنسانيّة. وعلى كلّ حال، فالمراد به من يتجاوز الحدّ في الأمور، يعني أنّه قد جاوزنا بغياً وعدواناً، ولا يدركنا إلّا أن يرجع إلينا.

(ولا يسبقنا التالي) أي أنّ التالي لم يصل بعد إلينا، وليس له أن يسبقنا.

أو المراد أنّ التالي - أي التابع لنا - لا يصل إلى النجاة إلّا بالأخذ عنّا، فلا يسبقنا بأن يصل إلى المطلوب لا بالتوصّل بنا.

أو المراد بالتالي هو المقصّر عن بلوغ الفضائل والواقع في طرف التفريط منها كالغالي.

ومعنى (لا يسبقنا) أي لا يسبق إلينا، ويكون المقصود من الفقرتين الشكاية من هذا الخلق المنحوس بعدم رجوع المفرّطين إليهم، وعدم لحوق المقصّرين بهم مع أنّ ولاية العباد إليهم (عليهم السلام).

ثمّ إنّه (عليه السلام) شرع في توجيه الحديث النبويّ الذي رواه العامّة بأنّ الظرف - وهو قوله «في هيئة الشابّ الموفّق...» إلى آخره - حال من فاعل رأى لا عن الربّ، ومعناه أنّ النبيّ كان عند الرؤية في صفة كذا.

وههنا إشكال، وهو أنّه (صلى الله عليه وآله) لمّا نظر إلى عظمة ربّه كان بعد البعثة لمّا عرج به إلى السماء، فكان قاب قوسين أو أدنى ورأى من آيات ربّه الكبرى، وقد بعث (صلى الله عليه وآله) بعد ما مضى من عمره الشريف أربعون سنة، فكيف يصحّ هذا؟

ويمكن الجواب بأنّ هذا النظر لعلّه كان قبل البعثة، وعلى تقدير كونه بعد البعثة فلا منافاة؛ لأنّه قال: «كان في هيئة الشابّ وهيئة أبناء الثلاثين» لا أنّه كان عمره ثلاثين سنة.

واحتمال كون ضمير «كان» عائداً إلى الربّ وأنّ الكلام وارد على سبيل الإنكار بعيد جدّاً.

[معنى نور الحُجُب]

وقوله (عليه السلام): (كان إذا نظر إلى ربّه بقلبه جعله في نور مثل نور الحُجُب حتّى يستبين له ما في الحجُب) من الغوامض الخفيّة التي لا يدرك حقيقتها إلّا أهلها، ويحتمل وجوهاً:

الأوّل: أن تبقى الحُجُب والأنوار على ظاهرها، بأن يكون المراد بالحُجُب أجساماً لطيفة، مثل العرش والكرسيّ، تسكنها الملائكة الروحانيّون، كما يظهر من بعض الدعوات والأخبار، أي أفاض عليه (صلى الله عليه وآله) شبه نور الحجُب ليمكن له رؤية الحُجُب، كنور الشمس بالنسبة إلى عالمنا.

الثاني: أن يراد بها مقامات العارفين؛ إذ لكلّ مقام نور من عظمته يظهر للعارف إذا بلغه.

وبالجملة، فالحُجُب هي الوجوه التي يمكن الوصول إليها في معرفة ذاته تعالى وصفاته؛ إذ لا سبيل لأحد إلى الكنه والحقيقة، وهي تختلف باختلاف درجات العارفين قرباً وبعداً، وأعلاها ما بلغه خاتم النبيّين وسيّد العارفين حتّى شاهد نوره على أكمل ما يتصوّر للبشر ببصيرة قلبه.

وتسمّيها بالحُجُب إمّا لأنّها وسائط بين العارف والربّ تعالى كالحجاب، أو لأنّها موانع عن أن يسند إليه تعالى ما لا يليق به، أو لأنّها لمّا لم تكن موصلة إلى الكنه فكأنّها حُجُب؛ إذ الناظر خلف الحجاب لا يتبيّن له حقيقة الشيء كما هي، وعلى هذا فإضافة النور إلى الحُجُب بيانيّة، وعلى تقدير أن يراد بالحُجُب مقامات العارفين فهي لاميّة، والنور في الموضعين في هذا التفسير محمول على ظاهره.

ويمكن أن يراد بالنور الأوّل منتهى ما عرفه المقرّبون منه تعالى، وقد شاع تسمية العلم بالنور، ومنتهاه معرفة ما يليق به سبحانه وتنزيهه عمّا لا يليق به، وقد تضمّن جميع ذلك قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} وهذه المعرفة تحجب عن معرفة ما وراء ذلك من تخيّله وتمثيله وتجسيمه وتصويره وتشبيهه ورؤيته.

فمعنى الحديث على هذا: أنّه (صلى الله عليه وآله) كان إذا نظر إلى ربّه بقلبه اللطيف وعقله الشريف جعل الربّ قلبه (صلى الله عليه وآله) في نور هو منتهى معرفته سبحانه، وقد عرفت أنّ منتهى معرفته حجاب، فلذلك قال: مثل نور الحُجُب، بتشبيه ذلك النور بنور الحُجُب في المنع من الرؤية، بل من جميع ما لا يليق بذاته المقدّسة، فإنّ ذلك النور مانع منها، كما أنّ نور الحُجُب الذي هو نور العظمة مانع منها، وغاية تلك المعرفة - التي عبّر عنها بالنور - أن يستبين له (صلى الله عليه وآله) ما في الحُجُب ممّا يجوز عليه تعالى ويمتنع.

(ويكون رجلاه في خضرة) كناية عن أنّ قلبه (صلى الله عليه وآله) في سبيل المعارف الإلهيّة كان مستغرقاً في بحار معرفة ما يليق به من الصفات الكماليّة والنعوت الجلاليّة، ولم يكن في وسعه التجاوز عنها إلى ذاته الحقّة الأحديّة.

الثالث: ما اختاره السيّد السند العماد المحقّق الفيلسوف الداماد حيث قال: الحُجُب من ضروب ملائكة اللَّه تعالى جواهر قدسيّة وأنوار عقليّة، هم حُجُب أشعّة جمال نور الأنوار، ووسائط النفوس الكاملة في الاتّصال بجناب ربّ الأرباب، جلّ سلطانه وبهر برهانه.

والنفس الإنسانيّة إذا استكملت ذاتها الملكوتيّة، ونفضت جلبابها الهيولانيّ ناسبت نوريّتها نور تلك الأنوار، وشابهت جوهريّتُها جوهريّتَها، فاستحقّت الاتّصال والانخراط في زمرتها، والاستفادة منها ومشاهدة أضوائها، ومطالعة ما في ذاتها من صور الحقائق المنطبعة فيها، وإلى ذلك أشار (عليه السلام) بقوله: «جعله في نور مثل نور الحُجُب حتّى يستبين له ما في الحُجُب» يعني جعله في نور العلم والكمال مثل نور الحُجُب حتّى يناسب جوهر ذاته جوهر ذاتهم، فيستبين له ما في ذواتهم من الحقائق والعلوم (7).

أقول: قيل: لا ينطبق هذا التأويل على أصول الإماميّة كما لا يخفى، واللَّه العالم بالحال.

[معنى الأنوار الأربعة]

قوله (عليه السلام): (إنّ نور اللَّه منه أخضر، ومنه أحمر، ومنه أبيض، ومنه غير ذلك) نظير هذه الفقرة قد ورد في جملة من الأخبار عدا هذا الخبر:

ومنها: ما رواه ثقة الإسلام في باب العرش والكرسيّ من الكافي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في حديثٍ قال فيه: «إنّ العرش خلقه اللَّه تبارك وتعالى من أنوار أربعة: نور أحمر منه احمرّت الحمرة، ونور أخضر منه اخضرّت الخضرة، ونور أصفر منه اصفرّت الصفرة، ونور أبيض منه ابيضّ البياض، وهو العلم الذي حمّله اللَّه الحَمَلة وذلك من نور عظمته (8)، فبعظمته ونوره أبصر قلوب المؤمنين، وبعظمته ونوره عاداه الجاهلون، وبعظمته ونوره ابتغى من في السماوات والأرض من جميع خلائقه إليه الوسيلة بالأعمال المختلفة والأديان المشتبهة» (9).

وروى الصدوق في التوحيد عن السجّاد (عليه السلام) قال: «إنّ اللَّه (عزّ وجلّ) خلق العرش أرباعاً لم يخلق قبله إلّا ثلاثة أشياء: الهواء والقلم والنور، ثمّ خلقه من أنوار مختلفة؛ فمن ذلك النور: نور أخضر اخضرّت منه الخضرة، ونور أصفر اصفرّت منه الصفرة، ونور أحمر احمرّت منه الحمرة، ونور أبيض ومنه ضوء النهار» (10) الحديث.

وقد تحيّرت عقول العلماء وأفهام الفضلاء في معرفة المراد من هذه الأنوار ووجّهوها بوجوه:

أحدها: أنّها على ظاهرها وأنّ للَّه ‌تعالى في عالم الغيب أنواراً متّصفة بالصفات المذكورة، ولكن لا يراها إلّا أرباب القلوب الصافية عن غواشي الأوهام، الخالصة عن علائق الأبدان واضطراب الأفهام، ويظهر ذلك لأرباب العصمة من الأنبياء والأوصياء، ومن قرب من مرتبتهم لتجرّدهم عن الانهماك في العلائق البدنيّة، والمستلذّات النفسانيّة، والمأمورات الحسيّة، والمشتهيات الحيوانيّة، والصفات البهيميّة. وهذا أسلم التوجيهات وأوفقها بظاهر الشريعة.

ثانيها: أن يراد بالنور الأخضر علمه تعالى باعتبار تعلّقه بما اخضرّ من الكائنات، وبالنور الأحمر علمه باعتبار تعلّقه بما احمرّ منها، وبالنور الأبيض علمه باعتبار تعلّقه بما ابيضّ منها.

ويؤيّده رواية الصدوق في التوحيد، الحديث المتقدّم هكذا: «إنّ نور اللَّه منه اخضرّ ما اخضرّ، ومنه احمرّ ما احمرّ، ومنه ابيضّ ما ابيضّ»، وغير ذلك.

وفيه: أنّ هذا التوجيه لا يتمشّى في غير الخبر المذكور، فإنّ بعضها يشعر بأنّ هذه الأنوار مخلوقة للَّه‌ تعالى.

ثالثها: للمحقّق الفيلسوف الصدر الشيرازيّ، قال: الحُجُب النورانيّة متفاوتة النوريّة، بعضها أخضر، ومنه أحمر وأبيض، ومنه غير ذلك، فالنور الأبيض ما هو أقرب من نور الأنوار، والأخضر ما هو أبعد منه، فكأنّه ممتزج بضرب من الظلمة؛ لقربه من ليالي حُجُب الأجرام الفلكيّة وغيرها، والأحمر هو المتوسّط بينهما، وما بين كلّ اثنين من الثلاثة من الأنوار ما يناسبها، فاعتبر بأنوار الصبح والشفق المختلفة في الألوان؛ لقربها وبعدها من نور الأنوار الحسيّة أعني نور الشمس؛ فالقريب من النهار هو الأبيض، والبعيد منه الممتزج بظلمة الليل هو الأخضر، والمتوسّط بينهما هو الأحمر.

ثمّ ما بين كلّ اثنين ألوان أخرى مناسبة، كالصفرة ما بين الحمرة والبياض، والبنفسجيّة ما بين الخضرة والحمرة؛ فتلك أنوار إلهيّة واقعة في طريق الذاهب إلى اللَّه تعالى بقدمي الصدق والعرفان، لا بدّ من مروره عليها حتّى يصل إلى اللَّه تعالى، فربّما يتمثّل لبعض السلّاك في كسوة الأمثلة الحسيّة، وربّما لا يتمثّل (11). انتهى.

رابعها: أنّ هذه الأنوار كناية عن صفاته المقدّسة؛ فالأخضر: قدرته تعالى على إيجاد الممكنات، وإفاضة الأرواح التي هي عيون الحياة ومنابع الخضرة، والأحمر: غضبه وقهره على الجميع بالإعدام والتعذيب، والأبيض: رحمته ولطفه تعالى بعباده: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ}.

وتطبيق هذا التوجيه على الحديث الثاني: أنّ الموجود إمّا شرّ محض أو خير محض أو مشوب من الخير والشرّ، والأخير إمّا الشرّ غالب فيه أو لا، فهذه أقسام أربعة، والعلم - المسمّى بالعرش لاستقرار الموجودات فيه وعلى وفقه - متعلّق بجميع هذه الأقسام:

فمن حيث تعلّقه بالأوّل يسمّى النور الأحمر؛ لأنّ منه احمرّت الحمرة، أي الشرور؛ إذ الشرّ يناسب وصفه بالحمرة لكونه محلّاً للغضب، وكذا العلم المتعلّق به لأدنى ملابسة.

ومن حيث تعلّقه بالثاني يسمّى بالنور الأبيض؛ لأنّ الخير من توابع الرحمة، والرحمة يناسب وصفها بالبياض كما قال تعالى: {وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ}.

ومن حيث تعلّقه بالثالث يسمّى بالنور الأخضر؛ لغلبة سواد الشرّ، والسواد إذا غلب النور مال إلى الخضرة.

ومن حيث تعلّقه بالرابع يسمّى بالنور الأصفر؛ لأنّ فيه شيئاً من سواد الشرّ، والسواد إذا خالط النور وساواه أو نقص عنه مال النور إلى الصفرة.

فظهر أنّ العرش الذي هو علم لجملة الكائنات مخلوق من أنوار أربعة، وإنّما قدّم الأوّل فيه لغلبة الشرور في عالم الطبائع الظلمانيّة والنفوس البشريّة، ولذا أيضاً قدّم الثاني على الثالث، وأخّر الرابع لقلّة الخير المحض في عالم النفوس الهيولانيّة.

خامسها: ما حكاه المحقّق المحدّث المجلسيّ عن والده رحمهما اللَّه تعالى حيث قال: وأحسن ما سمعته في هذا المقام ما استفدته من الوالد العلّامة - رفع اللَّه تعالى مقامه - وهو ممّا ظهر له من أنوار الكشف واليقين عند طيّ مقامات السالكين، فأذكر منه على الإجمال ما يناسب منه فهم أواسط الرجال، وبيانه يتوقّف على تمهيد مقدّمة، وهي: أنّ لكلّ شيء شبيهاً ومثالًا في عالم الرؤيا، وفي عالم الكشف والعيان تظهر تلك الصور والمثل على النفوس بحسب اختلاف مراتبها في النقص والكمال؛ فبعض النفوس تظهر لها صورة أقرب إلى ذي الصورة، وبعضها أبعد، وشأن المعبّر أن ينتقل من تلك الصور إلى ذويها:

فالنور الأصفر: عبارة عن العبادة ونورها كما هو المجرّب في الرؤيا، فإنّه إذا رأى العالم الصفرة في المنام يوفَّق للعبادة، وكما هو المشاهد في جباه المتهجّدين من إصفرار ألوانهم وضعف بشرتهم، وقد ورد في الخبر في شأنهم أنّهم ألبسهم اللَّه من نوره لمّا خلوا به.

والنور الأبيض: العلم؛ لأنّه منشأ الظهور، كما هو المجرّب أنّ من رأى في المنام لبناً أو ماءً صافياً يتيسّر له علم نافع خالٍ من الشكوك.

والنور الأحمر: المحبّة، كما هو المشاهد من وجوه المحبّين عند طغيان المحبّة وقد جرّب في الأحلام أيضاً.

والنور الأخضر: المعرفة، كما هو مجرّب في الرؤيا، ويناسبه الخبر الأوّل (12)؛ لأنّه (صلى الله عليه وآله) لمّا كان في مقام كمال العرفان كانت رجلاه في النور الأخضر، وكان ثابتاً في مقام المعرفة وخائضاً في بحارها.

وعلى تقدير كون مرادهم (عليهم السلام) تلك المعاني إنّما عبّروا عنها بهذه التعبيرات لقصور أفهامنا عن فهم صرف الحقّ، كما يعرض على النفوس الناقصة في الرؤيا هذه الصور؛ لأنّا في منام طويل من الغفلة عن الحقائق، كما قال (عليه السلام):«الناس نيام، فإذا ماتوا انتبهوا» (13)، وعلى هذا التحقيق يكون الضمير في قوله (عليه السلام): «وهو العلم» في الحديث الثاني راجعاً إلى النور الأبيض، ويحتمل أن يكون راجعاً إلى العرش، ويكون المراد به العلم، وهذا ما تصل إليه الأفهام القاصرة، والأوهام الحاسرة، واللَّه العالم بحقيقة الحال، وإليه المرجع في المبدأ والمآل.

 

 

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

(1) الكافي، ج 1، ص 100 - 102، باب النهي عن الصفة بغير ما وصف به نفسه تعالى، ح 3؛ التوحيد: ص 113 - 115، ح 13؛ بحار الأنوار، ج 4، ص 39 - 41، ح 18.

(2) لم نظفر عليه في النهاية.

(3) كنز الفوائد، ص 198.

(4) الملل النحل، ج 1، ص 184 - 185.

(5) راجع: الشافي، ج 1، ص 83 - 84.

(6) بحار الأنوار، ج 66، ص 293.

(7) التعليقة على كتاب الكافي، ص 229 - 230 مع بعض الاختلاف والتلخيص.

(8) في «ر»: «وذلك نورٌ من عظمته». وفي المصدر: «وذلك من عظمته نوره».

(9) الكافي، ج 1، ص 129، باب العرش والكرسي، ح 7؛ وعنه في بحار الأنوار، ج 55، ص 10، ح 8.

(10) التوحيد، ص 325، ح 1؛ الاختصاص، ص 72.

(11) الوافي، ج 1، ص 409؛ شرح المازندراني، ج 3، ص 182 – 183.

(12) في المصدر: «ويناسبه هذا الخبر».

(13) مرآة العقول، ج 1، ص 349 - 350، مع اختلاف في العبارة؛ بحار الأنوار، ج 4، ص 42.

 

 

 

 

لا توجد تعليقات بعد

ما رأيك بالمقال : كن أول من يعلق على هذا المحتوى

الاكثر قراءة في أحاديث وروايات مختارة

اخر الاخبار

اشترك بقناتنا على التلجرام ليصلك كل ما هو جديد